34/04/21


تحمیل
 الموضوع / التنبيه التاسع / تنبيهات / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 وقد تسأل:- ما هو مدرك قاعدة العدل والانصاف فهل دلت عليها آية أو رواية وهل هي مقبولة عند الفقهاء أو أنها مجرد ألفاظ ؟
 الجواب:- اختلف كلام السيد الخوئي(قده) في هذا المجال فهو في كتاب الخمس عندما وصل إلى مسألة المال الحلال إذا اختلط بالحرام أشار بمناسبةٍ إلى هذه القاعدة [1] وذكر أنه ليس لها مستند سوى الألفاظ الحسنة ولكنه حينما وصل في قاعدة لا ضرر - إلى محل بحثنا [2] - قبلها وأمضاها.
 وعلى أي حال يمكن أن يكون المستند لهذه القاعدة هو الارتكاز العقلائي فإنه قاضٍ بذلك - يعني أن العقلاء في أمثال المورد المذكور يصنعون ما ذكر فإنهم يرتأون التقسيم في الخسارة أو في غير ذلك ويرون أنه مقتضى العدل والانصاف - وحيث أن هذا الارتكاز أو هذه السيرة المستندة إلى الارتكاز المذكور لم يرد الردع عنه فيكون ممضياً.
 بل يمكن أن نصعّد اللهجة ونقول:- إن هذه القاعدة يمكن أن تستفاد من بعض الآيات الكريمة من قبيل قوله تعالى:- ( إن الله يأمر بالعدل والاحسان ) [3] ، أو في الآية الأخرى التي تقول:- ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) [4] فإن تقسيم الخسارة أو الربح - حسب المورد - هو مقتضى العدل ومادام يصدق عليه عنوان العدل فيكون مشمولاً لإطلاق الآيات الكريمة . إذن كما يمكن الاستناد إلى الارتكاز الممضى يمكن الاستناد إلى الآيات الكريمة وعليه فالتشكيك في القاعدة أمر لا وجه له .
 نعم قد نختلف في صغرى القاعدة ، يعني أن العدل في هذا المورد ماذا يقتضي وفي ذاك المورد ماذا يقتضي ؟ وربما تختلف الموارد في هذا المجال فمثلاً لو فرض في مسألة الودعي أن أحد الطرفين أودع تسعة وتسعين ديناراً عند الشخص الثالث والآخر أودع ديناراً واحداً فصار المجموع مائة دينارٍ واختلطا ثم تلف دينار واحد من دون تفريطٍ ففي مثل هذه الحالة يمكن أن يقال إن العدل يقتضي ملاحظة مقدار الاحتمال فإن احتمال كون الدينار التالف من الذي أودع تسعة وتسعين ديناراً هو 99% بينما احتمال كونه تالفاً من الذي أودع ديناراً واحداً هو 1% وعلى هذا الأساس المناسب أن يوزّع الدينار التالف على حسب هذه النسبة - يعني 99% من الدينار ينبغي أن يتحمله الذي أودع تسعة وتسعين ديناراً وبمقدار 1% من الدينار يخسره صاحب الدينار - إن العدالة في هذا المورد تكون كذلك ، ونفس الشيء نقوله بالنسبة إلى رواية الودعي أي رواية السكوني - فإنه يمكن أن يقال إن العدل والإنصاف يقتضيان في المثال أن يتحمّل صاحب الدينارين ثلثي الدينار التالف ويتحمل صاحب الدينار ثلث الخسارة فإنا لو أردنا أن نتساير مع مقتضى قاعدة العدل فالمناسب هو ذلك وبالتالي تكون الرواية محمولة على التعبّد لا أن العدل والإنصاف يقتضي ذلك ، ولو فرض أنه في موردنا - أي مثال القفص والطائر - أن المالين كانا متساويين ولكن لو كسرنا جنح الطائر يلزم من ذلك نقصان في الطائر بمقدارٍ هو ضعف مقدار النقصان فيما لو كسرنا القفص فلو كسرنا جنح الطائر يكون التفاوت بعشرة دراهم مثلاً بينما لو كسرنا القفص يكون التفاوت بين القفص الصحيح وبين القفص المعيب بمقدار خمسة دراهم ففي مثل هذه الحالة يكون الضرر الحاصل بكسر جنح الطائر ضعف التفاوت الحاصل لو عيّبنا القفص ففي مثل ذلك لو خرجت القرعة باسم صاحب الطائر وكسرنا جنحه فمن المناسب في توزيع الخسارة أن يتحمّل صاحب الطائر من الخسارة ضعف ما يتحمّله صاحب القفص فلو فرضنا أن الخسارة كانت بمقدار ( 12 ) فـ( 8 ) يتحملها صاحب الطائر و ( 4 ) يتحملها صاحب القفص.
 والخلاصة:- إننا نسلم بقاعدة العدل والإنصاف إلا أن صغرى القاعدة المذكورة - أي صغرى العدل - تختلف باختلاف الموارد ولابد من ملاحظتها بالشكل الذي أشرنا إليه ، وبالتالي اتضح ضعف هذا الرأي الثاني - أي تقسيم الخسارة بالتساوي بناءً على قاعدة العدل والإنصاف - إذ اتضح أن تقسيم الخسارة بالتساوي ليس هو مقتضى العدل والإنصاف وإنما لابد من ملاحظة مقدار التفاوت في هذا الجانب ومقدار التفاوت في ذاك الجانب وأخذ النسبة ثم تقسيم الخسارة على طبق تلك النسبة ، وعليه يكون هذا الاحتمال ضعيفاً.
 الاحتمال الثالث:- ما ذكره السيد الخوئي(قده)في مصباح الاصول [5] فإنه ذكر أنه لو كان أحدهما أقل قيمة من الآخر فينبغي اختيار الأقل قيمةً للإتلاف إذ اختيار الأكثر قيمةً إتلاف للقيمة الزائدة بلا وجه ، وأما إذا كانا متساويين من حيث القيمة فيقسّم الضرر والخسارة الواردة عليهما بالتساوي.
 وفيه:- إنه قد اتضح أن القيمة حتى لو كانت متساوية بين الطائر والقفص ولكن ينبغي أن نلاحظ درجة الضرر كما أشرنا إليه سابقاً فلو فرضنا أن التفاوت بين الصحيح والمعيب في الطائر هو ضعف التفاوت بين الصحيح والمعيب في القفص فالمناسب هو أن توزّع الخسارة أثلاثاً فثلثا الخسارة يكون على صاحب الطير وثلث يكون على صاحب القفص ، يعني أنا لا نلاحظ تساوي الشيئين من حيث القيمة فقط ونقول إن لازم ذلك تقسيم الخسارة عليهما بالتساوي كلّا بل لابد من أن نأخذ شيئاً آخر بعين الاعتبار وهو مقدار التفاوت بين الصحيح والمعيب من هذا الجانب ومقدار التفاوت بين الصحيح والمعيب من ذاك الجانب ثم نأخذ النسبة وعلى منوالها تُقسَّم الخسارة لا أنه مادام المالان متساويين فالخسارة تقسَّم بالتساوي ، ولعل مقصوده(قده) هو الإشارة إلى ما ذكرناه وإن حصلت خيانة في التعبير.
 وبهذا يتضح أن المناسب هو الاحتمال الرابع وهو ملاحظة نسبة الضرر بالشكل الذي أشرنا إليه ، هذا كله بالنسبة إلى هذه الصورة بحالاتها الثلاث والشوق الثلاثة للحالة الثالثة.
 بقيت صورة لا بأس بالإشارة إليها:- وهي ما لو فرض أن الأمر دار بين ضررين وكان هناك شخص ثالث فما هو موقف ذلك الشخص الثالث ؟ فهل يقدِّم هذا الضرر على ذاك أو بالعكس ؟ وهذا ما مثلّنا له بالمرأة الحامل التي دار الأمر بين قتلها والتحفظ على حياة الجنين وبين العكس وكان هناك شخص ثالث - وهو الطبيب - فماذا يصنع ؟ أو فرض أني رأيت مالين لشخصين أوشكا على التلف وكان التحفظ على كليهما ليس ممكناً ودار الأمر بين إتلاف هذا للتحفظ على ذاك أو بالعكس فما هو موقفي أنا الشخص الثالث وماذا أصنع ؟


[1] تراث الإمام الخوئي تسلسل 25 ص147.
[2] المصدر السابق تسلسل 47 ص654.
[3] سورة النحل الآية 91.
[4] سورة النساء الآية 58.
[5] مصباح الأصول ج2 ص564 ط قديمة.