34/03/28


تحمیل
 الموضوع / التنبيه السابع / تنبيهات / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
  وفيه:-
 أولاً:- إن هذا يأتي في الحاكم أيضاً ولا يختص بالمحكوم إذ يمكن أن نسرِّي هذا الكلام إلى جانب الحاكم فنقول إن دليل لا ضرر بإطلاقه يشمل وجوب الوضوء والإطلاق إنما يكون حجّة في مورد الشك بالمراد الجدّي وبعد ورود ذلك الاطلاق يعني في الدليل المحكوم يرتفع الشك.
 وإن شئت قلت:- إنه يوجد إطلاقان في المقام ، فكما يوجد إطلاق في جانب الدليل الأوَّلي كذلك يوجد إطلاق في جانب الدليل الثانوي وكما أن حجيّة ذاك مشروطة بالشك فحجيّة هذا مشروطة أيضاً بالشك وإذا كان الدليل الثانوي يرفع بإطلاقه الشك في جانب إطلاق الدليل الأوَّلي فأيضاً إطلاق الدليل الأوَّلي يرفع الشك بلحاظ إطلاق الدليل الثانوي.
 وثانياً:- إن النكت التي ذكرها(قده) تأتي في التخصيص أيضاً فإن المخصص يرفع الشك في جانب إطلاق المطلق وبالتالي يلزم أن نقول إن وجه تقدم المخصص هو أنه رافع للشك في جانب إطلاق المطلق لا أن وجه التقدم هو ما أشار إليه من أنهما يتعارضان والعقل يحكم بتقديم الأخص من باب الأظهرية والأقوائية.
 وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تكون نكتة التقدم ما أشار إليه(قده).
 الوجه الرابع:- وهو ما أفاده السيد الشهيد(قده) وهو أن الحكومة تعني نفس النظر كما أفاد السيد الخوئي(قده) ووجه التقدم هو نفس النظر أيضاً لا أن نكتة التقدم شيء آخر غير النظر.
 وبناءً على هذا لا يرد ما أوردناه على ما ذكره الشيخ النائيني(قده) والسيد الخوئي(قده) في نكتة التقديم فإنا أوردنا ثلاثة إشكالات إذ أشكلنا عليه بأن هذه النكتة تصلح لو كان الحاكم حاكماً على الموضوع ولا تعمّ ما إذا كان حاكماً على المحمول أعني الحكم ولذلك اضطر السيد الخوئي(قده) إلى ذكر نكتة أخرى ، إن هذا الاشكال لا يأتي على هذا الوجه فإن النظر كما هو موجب للتقديم لو كان نظراً إلى الموضوع فكذلك يوجب التقديم لو كان نظراً إلى الحكم والمحمول . وكذلك أشكلنا على الشيخ النائيني(قده) بأن بعض أفراد الورود سوف يدخل في الحكومة ، فدليل حرمة إدخال الجنب في المسجد مثلاً والذي هو وارد على دليل ( يشترط في صحة الإجارة عدم حرمة متعلقها ) حيث يرفع موضوع صحة الإجارة رفعاً حقيقياً غايته بالتعبد إن هذا الذي هو مورد الورود سوف يصير من مصاديق الحكومة لأن دليل حرمة ادخال الجنب في المسجد رفع وتصرف في موضوع دليل صحّة الإجارة وكل دليل يتصرف في موضوع آخرٍ هو حاكمٌ ويتقدم عليه بالحكومة ، إن هذا الذي ذكره الشيخ النائيني(قده) يأتي في الورود - أي في هذا المورد - ، ولكن هذا الاشكال لا يأتي في فكرة النظر والوجه في ذلك هو أن دليل حرمة إدخال الجنب في المسجد ليس ناظراً إلى دليل صحة الإجارة بل هو تام بنفسه بلا حاجة إلى افتراض دليل آخر يدل على اشتراط صحة الإجارة في غير مورد الحرام فإنه حتى لو لم يكن هذا الدليل - أي دليل صحة الاجارة - بالشكل المذكور يمكن أن نفترض تمامية هذا الحكم وهو أن الجنب يحرم إدخاله في المسجد . إذن هو دليل بنفسه ومستقل ولا يتوقف على وجود دليل أسبق منه ففكرة النظر هنا لا تأتي فهذا الاشكال إذن لا يأتي على الوجه المذكور.
 هذا كله مضافاً إلى أن هذا الوجه هو فنيّ وقائم على أساس فنّي من زاوية أخرى حيث فسّر الحكومة بنفس النكتة الموجبة للتقديم لا أنه فسّرها بشيءٍ وجعل وجه التقديم شيئاً آخر كما صنع السيد الخوئي(قده) حيث فسّر الحكومة بالنظر وجعل نكتة التقديم شيئاً آخر - يعني ما ذكره الشيخ النائيني - ، أما لماذا أن الجنبة الفنيّة تقتضي جعل الحكومة هي نفس نكتة الموجبة للتقديم ؟ ذلك باعتبار أن مصطلح الحكومة ليس مصطلحاً قد ورد في النصوص حتى نفسّره طبق الاستظهار العرفي أو غير ذلك وإنما هو مصطلح أصولي حيث يشعر الأصولي بالوجدان أن بعض الأدلة تتقدم لنكتة فيها على الأدلة الأخرى والأدلة التي تشتمل على هذه النكتة قد اصطلح عليها بلفظ ( الحكومة ) فيلزم أن نفسّر الحكومة بنفس تلك النكتة التي يشعر بها الأصولي بأنها الموجبة للتقديم لا أن نفسّرها كيفما اتفق ونجعل النكتة شيئاً آخر فإن هذا ليس امراً فنياً . إذن هذا هو الوجيه - أعني تفسير الحكومة بنفس النظر وجعل نكتة التقديم هي نفس النظر - وبالتالي الحكومة تعني نفس النظر الموجب للتقديم لا شيئاً آخر.
 هذا ولكن قد يشكل على فكرة النظر بإشكالات ثلاثة وبالتالي يصار إلى وجهٍ خامسٍ لتفسير الحكومة وتوجيه نكتة التقديم ، والاشكالات الثلاثة هي:-
 الاشكال الأوَّل:- إن القوم قالوا إن الحكومة تعني النظر إلى العموم الموجود في دليل الحكم الأوَّلي ، ونحن نقول:- إن الحاكم عادة يكون لسانه لساناً كنائياً وليس لساناً صريحاً في المخالفة فالمتكلم إذا أراد أن يحكم بعدم وجوب إكرام الفاسق فيوجد لسانان لسان صريح ولسان كنائي والصريح هو أن يقول ( لا تكرم العالم الفاسق ) وغير الصريح أن نقول ( الفاسق ليس بعالم ) وإذا اتضح هذا نقول:- لماذا عدل المتكلم من اللسان الصريح إلى اللسان غير الصريح أي إلى لسان الحاكم الذي هو لسان غير صريح ؟ إن هذا العدول يحتاج إلى مصحح بلاغي ومجرد أنه ناظر إلى العموم لا يكفي كمصحح للعدول من اللسان الصريح إلى غير الصريح . والمصحح هو أنه يوجد ارتكاز عقلائي عرفي وهو أن كل عالم ينبغي احترامه وتكريمه وعدم الاستهانة به فلو أراد المتكلم أن يسلك اللسان الصريح ويقول ( لا تكرم العالم الفاسق ) فسوف يجابه ذلك الارتكاز وبالتالي قد يقف الناس أمامه ويقولون له ( كيف تحكم بعدم وجوب إكرامه بعد فرض كونه عالماً ؟ ) وفراراً من هذه المجابهة يسلك المتكلم اللسان غير الصريح ويقول ( الفاسق ليس بعالم ) فإنه من خلال هذا اللسان سوف لا يجابه ذلك الارتكاز.
 وعلى هذا الأساس لا يلزم في باب الحكومة وجود عموم مسبق يكون الحاكم ناظراً له لأن مجرد العموم لا يكفي من العدول من اللسان الصريح إلى اللسان غير الصريح وإنما المصحح لهذا العدول هو ذلك الارتكاز وعدم المجابهة مع ذلك الارتكاز ، فبطل إذن تفسير الحكومة بالنظر إلى العموم وكون الحاكم ناظراً إلى العموم باعتبار أن النظر إلى العموم لا يكفي للعدول من اللسان الصريح إلى اللسان غير الصريح.
 وفيه:- ما المانع في أن نلتزم مطلباً متوسطاً وذلك بأن نقول:- إن الحاكم هو ما يكون ناظراً إلى العموم ولكن شرط العدول إلى اللسان غير الصريح هو وجود تلك النكتة أعني عدم المجابهة مع الارتكاز فعدم المجابهة مع الارتكاز لا تعني أن الحاكم ليس ناظراً إلى العموم ، كلا بل هو ناظر غايته إن الذي صحح أن يعدل عن التعبير الصريح إلى غير الصريح هو عدم المجابهة مع ذلك الارتكاز وإلا فإدخال الارتكاز وحده من دون إدخال العموم لا معنى له فإن الشارع تناسبه أن ينظر إلى أحكامه الصادرة منه فينظر إليها ويضيّق منها أو يوسّع أما أن لا ينظر إلى حكمه وينظر إلى الارتكاز فهذا لا يتناسب معه.