34/03/23


تحمیل
 الموضوع / التنبيه السابع / تنبيهات / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 الوجه السابع:- الحكومة.
 ومن باب القضية الجانبية:- نلفت النظر إلى أن مصطلح الحكومة والورود من المصطلحات الجديدة والرائعة الثمينة ولا ندري أن أول من التفت إلى ذلك من هو إلا أنهما موجودان في الجواهر [1] ، وقد تعرض الشيخ الأعظم إلى ذلك مرتين مرة في حديثه عن قاعدة لا ضرر [2] وأخرى في باب التعادل والتراجيح بأكثر تفصيلٍ مما جاء في قاعدة لا ضرر وواضح أن المورد المناسب لذكرهما هو مبحث التعارض حيث يبين أنه إذا توجد حكومة فلا يوجد تعارض ولكن من باب الكلام يجز الكلام أشار إليهما في قاعدة لا ضرر.
 وعلى أي حال من الجدير أن نتكلم بشكل مجمل ومختصر في ثلاثة نقاط:-
 النقطة الأولى:- هل الحكومة هي نفس النكتة المقتضية لتقديم الحاكم على المحكوم أو هما متغايران ؟ فالحكومة شيء والنكتة الموجبة لتقديم الحاكم شيء آخر.
 النقطة الثانية:- ما هي الحكومة ؟ وما هي نكتة تقدم الحاكم ؟
 النقطة الثالثة:- كيف نطبّق فكرة الحكومة على حديث لا ضرر ؟
 أما بالنسبة إلى النقطة الأولى:- فالشيخ الأعظم(قده) لم يشر إلى نكتة تقدم الحاكم على المحكوم وإنما فسّر الحكومة فقط من دون بيان نكتة التقديم ، وهل كان غافلاً عن ذلك أو أنه ينبغي أن نفهم من ذلك أن نكتة التقديم هي مستبطنة في معنى الحكومة الذي ذكره ؟ لا يبعد الثاني ، فلأجل وضوح المطلب وكون النكتة هي نفس المعنى الذي ذكره للحكومة لم يذكر نكتة التقديم . ولكن لو رجعنا إلى عبارة الشيخ النائيني(قده) وجدنا أنه يذكر نكتة للتقديم ويذكر معنىً للحكومة ولكن النكتة التي ذكرها مستبطنة في المعنى الذي ذكره للحكومة بيد أنه لم يصرِّح بأن الحكومة هي نفس نكتة التقديم وسوف أنقل عبارته فيما بعد ، وأنا من الآن أريد أن أجعلكم في الجريان والصورة . وأما السيد الخوئي(قده) فقد فسر الحكومة بشيءٍ وذكر في نكتة التقديم شيئاً آخر ونقرأ عبارته فيما بعد إنشاء الله تعالى . وأما السيد الشهيد(قده) فقد صرح بالاتحاد وقال ما نصّه:- ( والحكومة تعبير عن تلك النكتة التي بها استحق الدليل الحاكم التقديم على محكومه فلكي نحدد مفهومها لابد أن نعرف نكتة التقديم وملاكه وفي ذلك اتجاهان ) [3] .
 ومن هنا نخرج بهذه النتيجة:- وهي أنه من يقرأ عبارة السيد الشهيد(قده) يفهم منها أن الحكومة هي نفس نكتة التقديم فلو كانت نكتة التقديم هي النظر فالحكومة إذن هي النظر وإذا كانت نكتة التقديم شيئاً آخر فالحكومة هي ذلك الشيء الآخر وقد قلنا إن عبارة الشيخ النائيني(قده) تتلاءم مع ذلك ولكن السيد الخوئي(قده) يظهر منه العكس فهو فسّر الحكومة بالنظر ولكن في نكتة التقديم ذكر شيئاً آخر اللهم إلا أن يقال قد خانه التعبير . وعلى أي حال أنا أردت أن ألفت الأنظار إلى هذه القضية وأنها ليست قضية واضحة - يعني في كون الحكومة هي نفس نكتة التقديم - بل المسألة لعلها قابلة للخلاف.
 أما كيف أن الشيخ النائيني(قده) مثلاً يمكن أن نقول بأنه يرى الاتحاد بين معنى الحكومة وبين النكتة بينما السيد الخوئي(قده) يدل كلامه على أنه توجد المغايرة ؟ سوف يأتي هذا إنشاء الله تعالى في النقطة الثانية.
 وأما بالنسبة إلى النقطة الثانية:- فالشيخ الأعظم(قده) لم يشر إلى نقطة التقديم وإنما ذكر معنى الحكومة فقط وحاصل ما ذكره هو أن الحكومة تعني أن أحد الدليلين يتعرض بمدلوله اللفظي إلى الدليل الآخر فيضيّق من دائرته أو يوسّع ونؤكد أن هذه التوسعة أو التضييق هي بمدلوله اللفظي ، هذا هو معنى الحكومة والحاكم ، على خلاف ذلك في باب التخصيص فإن المخصّص يضيّق العام ولكن لا بمدلوله اللفظي بل بما أنهما حكمان متنافيان لا يمكن اجتماعهما فالعقل يحكم بتقديم الخاص لأنه أظهر وأقوى فالموجب للتقديم هو العقل وليس المدلول اللفظي.
 ثم أضاف قائلاً:- إن الحاكم ما دام يوسّع أو يضيّق في الدليل المحكوم مستعيناً بمدلوله اللفظي نستنتج أن الحاكم لا معنى له إلا إذا فرض وجود محكوم لأن الحاكم بدلالته اللفظية جاء ليوسع أو يضيق فإذا لم يكن هناك حكم في المرحلة السابقة فهو يضيق ماذا ويوسع من ماذا ؟ إنه يصير لغواً ، وهذا بخلافه في التخصيص فإن المخصّص لم يجئ بدلالته اللفظية ليصير مخصصاً حتى يقال إذا لم يكن هناك عام فلا يمكن وجود الخاص المخصص كلا إنه بدلالته اللفظية لم يجئ مضيّقاً ولذلك يمكن أن نفترض وجود خاص بلا عام كأن يقول المولى ( لا تكرم الفقراء الفساق ) من دون أن يقول ( أكرم الفقراء ) إنه لا محذور في وجود الخاص بلا عام بخلافه في باب الحكومة فإنه لا يمكن وجود حاكم من دون محكوم إذ الحاكم بدلالته اللفظية يضيّق أو يوسّع فلابد من وجود المحكوم ، ونصّ عبارته في باب التعارض ( وضابط الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضاً لحال الدليل الآخر ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه فيكون مبينا لمقدار مدلوله مسوقاً لبيان حاله متفرعاً عليه . وميزان ذلك أن يكون بحيث لو فرض عدم ورود ذلك الدليل لكان هذا الدليل لغواً خالياً عن المورد نظير الدليل الدال على أنه لا حكم للشك في النافلة أو مع كثرة الشك أو مع حفظ الإمام أو المأموم أو بعد الفراغ من العمل ....... والفرق بينه وبين التخصيص أن كون المخصص بياناً للعام إنما هو بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاص وهذا بيان بلفظه ومفسّر للمراد من العام فهو تخصيص للمعنى بعبارة التفسير ) يعني أن الحاكم في واقعة مخصّص لكن لا بلسان التخصيص بلسان التفسير ، هذا ما ذكره الشيخ في الرسائل وقد عرفنا أنه لم يذكر نكتة التقديم وإنما ذكر معنى الحكومة فقط ولعله لم يذكر ذلك لوضوح المطلب بمعنى أن الحاكم مادام يتعرض بلفظه لتوضيح المحكوم بالتضييق أو بالتوسعة فنفس هذا يصير موجباً للتقديم وبذلك تصير نكتة التقديم متحدة مع الحكومة.
 وما ذكره هل هو شيء يختلف عن مسألة النظر ؟ فإنا ذكرنا أن البعض فسّر الحكومة بالنظر والشيخ الأعظم(قده) لم يستعن بكلمة ( نظر ) فهل مقصوده من كون الحاكم بمدلوله اللفظي يوضح المحكوم هو أنه ناظر ولكنه لم تأت كلمة النظر على لسانه ؟ إنه محتمل ، ويحتمل أن مقصوده ما سوف ننقله عن الشيخ النائيني(قده) . إذن ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) مردد بين احتمالين ، هذا هو المعنى والتفسير الأول للحكومة.
 المعنى والتفسير الثاني للحكومة:- ما ذكره الشيخ النائيني(قده) [4] حيث ذكر ما حاصله:- إن الحاكم هو ما يكون متصرِّفاً في موضوع ذلك الدليل السابق بتوسعة أو بتضييق.
 والفارق الأساسي بين ما ذكره وبين ما ذكره الشيخ الأعظم هو أن الشيخ الأعظم استعان بمصطلح ( بمدلوله اللفظي والدلالة اللفظية ) فقال ( الحاكم بمدلوله اللفظي يضيّق أو يوسع في الدليل الآخر ) وأما الشيخ النائيني فلم يأخذ هذه القضية في تحديده ولم يسلط الأضواء عليها وهل تؤثر هذه الكلمة ؟ نعم إن تأثيرها هو أنه بناءً على أخذها في التعريف يلزم اختصاص الحكومة بالأدلة اللفظية فقط فالدليل اللفظي يمكن أن نقول هو بدلالته اللفظية يوسع أو يضيق من الدليل المحكوم ، وأما إذا لم يكن الدليل لفظياً فالحكومة سوف لا تكون متحققة ، يعني بتعبير آخر:- الاستصحاب السببي لا يمكن أن نقول بأنه حاكم على الاستصحاب المسبَّبي باعتبار أنه لا توجد دلالة لفظية من هذا لذاك ، أو قل:- إن الأمارات سوف لا تكون حاكمة على الأصول العملية باعتبار أن دليل حجيّة الأمارات هو السيرة والسيرة ليس فيها دلالة لفظية . إذن بناء على ما ذكره الشيخ الأعظم سوف تختص الحكومة بباب الأدلة اللفظية وبالتالي لا تكون الأمارة التي مستند حجيتها السيرة حاكمة على الأصل إذ لا دلالة لفظية ، بينما على ما ذكره الشيخ النائيني تكون الحكومة ثابتة في غير الأدلة اللفظية أيضاً لأن المهم عنده هو أن الحاكم يوسع أو يضيق في الدليل المحكوم ولا يلزم أن تكون هناك دلالة لفظية ، قال الشيخ النائيني(قده):- ( إن الحكومة عبارة عن كون أحد الدليلين بمدلوله المطابقي موجباً للتصرف في عقد وضع الآخر بإثباتٍ أو نفيٍ أو التصرف في عقد حمله بإعطاء لونٍ له موجبٍ لتضييقه ) ، هذا ما ذكره في أجود التقريرات وذكر نظيره في فوائد الأصول [5] وعلى منواله ذكر في رسالة لا ضرر [6] ولكنه أضاف وقال:- إن مقصود الشيخ الأعظم هو نفس ما ذكرته فإن الشيخ يرى حكومة الأمارة على الأصل والحال أن مستندها ليس دليلاً لفظياً ، هذا ما ذكره في معنى الحكومة.


[1] فقد ورد مصطلح الحكومة في الجواهر ج9 ص391 ، وورد مصطلح الورود في ج40 ص455، وفي ج 41 ص 662.
[2] قاعدة لا ضرر ج2 ط جديدة رقم التسلسل 25 ص 462 ، ومرة ثانية في مبحث التعادل والتراجيح ج4 تسلسل الكتاب 27 ص13.
[3] الحلقة الثالثة ج2 ص 336.
[4] اجود التقريرات ج2 ص 506.
[5] فوائد الاصول ج 4 ص 713.
[6] رسالة لا ضرر ص407.