35/08/04


تحمیل
الموضوع:- مقتضى القاعدة الثانوية في المتعارضين / أحكام التعارض المستقر.
وفيه:- لو سلمنا ما ذكره من السيرة في باب الإقرار - بمعنى أنه تمت لنا أمثلة متعدّدة منبّهة على هذه السيرة منعقدة حقّاً في باب الإقرار والدعوى غير المثال الذي أتينا به فإنه قد يناقش فيه ولكن لو سلمنا أنّه جيء بشواهد متعدّدة أخرى غير هذا المثال وكانت مقبولة فنسلم بذلك - ولكن نقول إنّ غاية ما يلزم من هذا أنّ السيرة منعقدة في باب الإقرار على ذلك أمّا أنها منعقدة في كلّ بابٍ فهذا أوّل الكلام، فلعل للإقرار خصوصيّة عند العقلاء، فلا يمكن آنذاك التعدّي من باب الإقرار إلى غيره، فهذا شاهدٌ يختصّ بباب الإقرار ولا ينفع التعدّي منه إلى سائر الأبواب الأخرى فإن الإقرار وإن كان إخباراً ولكنّه إخبارٌ مع إضافةٍ ولعلّ هذه الإضافة لها الخصوصيّة عند العقلاء، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نستفيد ممّا ذكره(قده) سيرةً ودليلاً في مختلف الأبواب بل إن تمّ فهو يتمّ في باب الإقرار والدعوى فقط.
وبهذا ننهي كلامنا عن مقتضى القاعدة الأوّليّة للمتعارضين.
مقتضى القاعدة الثانويّة في المتعارضين:-
بعد أن عرفنا أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية في المتعارضين هي التساقط وذلك لما أشرنا اليه من أنّ مدرك حجيّة الأمارة هو السيرة وعند تعارض الأمارتين لا نحرز انعقادها على العمل بهما أو بأحدهما بل القدر المتيقّن منها هو ما إذا كان الخبر ليس معارَضاً بغيره أمّا المعارَض فلا دليل على حجيّته من الأساس فهو ساقط عن الحجيّة للقصور في المقتضي، والآن نريد أن نتحدّث عمّا تقتضيه القاعدة الثانوية أعني النظر إلى الأخبار الواردة في باب المتعارضين فإنه قد يفهم منها أنّ حكم المتعارضين ليس هو التساقط وإنما هو إعمال المرجّحات مثلاً، وقد اختلفت الكلمة فيما تقتضيه القاعدة الثانوية، فلو كان لدينا خبران متعارضان وكان لأحدهما مرجّح على الآخر - من موافقة الكتاب أو مخالفة القوم أو غير ذلك - فهل الحكم هو التخيير من دون إعمال المرجّحات أو هو لزوم إعمال المرجّحات ؟
ذهب صاحب الكفاية(قده) إلى الأوّل كما أشار إلى ذلك في الكفاية[1]، أمّا لماذا ؟ ذكر بعض(قده) الأمور ولعاها تأتينا فيما بعد . وفي المقابل يمكن أن ننسب إلى المشهور أنّ اللازم هو إعمال المرجّحات، هذا مورد من موارد الخلاف.
وهناك مورد ثانٍ للخلاف وهو أنّه لو فرض أنّ الخبرين تساويا في المرجّحات بأن كانا موافقين للكتاب معاً مثلاً فما هو الحكم في مثل ذلك ؟ هنا قد يقال بأن الحكم هو التخيير، وقد يقال إن الحكم هو التساقط ونرجع إلى العموم الفوقاني إن كان وإلا فإلى الأصل العملي - يعني تصير النتيجة كما تقتضيه القاعدة الأوّليّة -، وقد يقال إنّ الحكم هو الاحتياط، وقد يقال بالتوقف، ومنشأ هذه الاحتمالات الأربعة هو اختلاف الاخبار فإن بعضها قال ( عند تساوي المرجّحات أرجئه حتى تلقى إمامك ) وهذا هو مستند التوقف، وبعضها قال ( خذ الحائطة لدينك ) فهو أمر بالأخذ بالأحواط، وبعضها قالت ( إذن فتخيّر ) - وأنا أريد بيان منشأ هذا الخلاف فقط وهو اختلاف الأخبار كما سوف يأتي -.
إذن يوجد خلافان فلنلتفت إلى ذلك
وقبل أن نقرأ الأخبار نشير إلى قضية:- وهي أنّ الخبر إذا كان مخالفاً للكتاب الكريم فهل أنّ هذا يسقطه عن الاعتبار رأساً أو أنه يسقط عن الاعتبار إذا كان له معارضٌ - أي كان يوجد خبر آخر فعند المعارضة يسقط المخالف ويبقى الموافق هو الحجّة أما إذا فرض أنه كان وحده من دون خبرٍ آخر فنأخذ به وإن كان مخالفاً - ؟ إذن نسأل من البداية هل يطرح الخبر المخالف رأساً ولو لم يكن هناك معارض له أو أنّ طرحه عن الاعتبار يختص بما إذا كان له معارض ؟
توجد طائفتان من الأخبار في هذ المجال بعضها يفهم منها إنّ كون الخبر مخالفاً للكتاب هو مسقطٌ له عن الحجيّة حتى إذا لم يكن له معارض، بينما توجد طائفة ثانية تدلّ على أنّ سقوط المخالف للكتاب عن الحجيّة يختصّ بحالة المعارضة، ولنصطلح على الطائفة الأولى - أي التي لم يؤخذ فيها قيد وجود خبرٍ معارض - بــ( الأخبار غير العلاجية ) أو ( أخبار العرض على الكتاب ) بقطع النظر عن وجود معارضٍ أو لا، ولنصطلح على الثانية الناظرة إلى حالة وجود خبرٍ معارضٍ بــ( الأخبار العلاجية ) لأنها تريد أن تعالج الخبرين وأنّ أيّهما هو الحجّة، والكلام أوّلاً يقع في الطائفة الأولى ثم نتحدّث عن الاخبار العلاجية بعد ذلك:-
أخبار العرض:-
إذا رجعنا إلى الروايات في هذا المجال وجدنا لسانين في ذلك الأوّل ما يدلّ على أنّ الخبر إنما يكون حجّة إذا كان عليه شاهداً من كتاب الله عز وجل أو من سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وليس المدار على أن لا يكون مخالفاً بل أكثر من ذلك وإنما يلزم أن يكون عليه شاهد فلا يكتفى بمجرد أن لا يكون مخالفاً، بخلاف اللسان الثاني فإنه يجعل المدار على أن لا يكون مخالفاً، أمّا اللسان الأوّل فهو أشدّ فيقول لا يكتفى بكونه أن لا يكون مخالفاً بل يلزم أن يكون عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله عز وجل أو سنة الرسول صلى الله عليه وآله . ولا يوجد بعد المراجعة إلّا رواية أو روايتان تدلّان على المضمون المذكور:-
الرواية الأولى:- رواية عبد الله بن أبي يعفور:- ( سألت أبا عبد الله عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم لا نثق به، قال:- إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وإلّا فالذي جاءكم به أولى به )[2].
الرواية الثانية:- رواية عبد الله بن بكير عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال:- ( إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به وإلا فقفوا عنده ثم ردّوه إلينا حتى يستبين لكم )[3].
والروايتان قابلتان للمناقشة من حيث السند، فسند الأولى هو:- ( الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن عبد الله بن أبي يعفور ) ومحمد بن يحيى هو الأشعري القمّي الثقة الجليل الذي روى عنه الكليني كثيراً، وعبد الله بن أبي يعفور لا إشكال فيه، وأبان بن عثمان من أصحاب الاجماع، وعلي بن الحكم قد يقال هو مشتركٌ ولكن يمكن توثيقه، إلّا أنّ الكلام في عبد الله بن محمد فإنه مشتركٌ بين الثقة وغيره، فالرواية أذن ساقطة بهذا الاعتبار لأجل عبد الله بن محمد لأنه مردّد بين الثقة وغيره.
وأمّا الرواية الثانية فهي مرسلة، فهي عن أبن بكير عن رجلٍ فبهذا الاعتبار تكون ساقطة عن الحجيّة.
ولكن لو فرض أنّ سندها كان تامّاً فمع ذلك لا يمكن الأخذ بهما وذلك:-
أوّلاً:- إنّ لازم الأخذ بها طرح الكثير من أخبارنا فإن الكثير منها ليس عليه شاهد من الكتاب، من قبيل:- من شكّ في الصلاة الثنائية بطلت صلاته، وأنّ من شكّ في الرباعيّة فإذا كان بين الثالثة والثالثة بني على الثالثة . إنّ هذا وما شاكله ليس عليه شاهد من كتاب الله، فكتاب الله لم يتعرّض لركعات الصلاة، وهكذا في باب الصوم من أنّ الكذب مفطر والقيء مفطر والغبار مفطر وغير ذلك فهذه الأمور ليست موجودة في كتاب الله عز وجل، وكذلك بطلان معاملة الصبي، وكذلك التعامل بالمجهول باطل وغير ذلك، فكلّ هذا ليس موجوداً في كتاب الله عز وجل، فالكثير من أخبارنا لا يوجد عليه شاهد من كتاب الله فيلزم أن يُطرَح.
إن قلت:- ما هو مرجع دليلية القول بأنه يلزم طرح الكثير من الأخبار ؟ أو ما هو وجه كون هذا ردّاً ومناقشةً ؟
قلت:- إنّه يراد أن يقال إنّه من المطمَأن به أنّ طرح الكثير باطل ولا يلتزم به فقيهٌ ولا يمكن لفقيه أن يقول إنّ كلّ هذه الأخبار من هذا القبيل هي ساقطة عن الاعتبار بل يقطع ببطلان مثل هذا، فمرجع دليليته هذا أو كونه مناقشة هو إلى الاطمئنان وإلى القطع.
وثانياً:- يلزم طرح كلّ الأخبار لا خصوص الكثير وذلك باعتبار أنّ الخبر إذا كان يوجد ما يدلّ على مضمونه من الكتاب كفانا كتاب الله وإذا لم يكن فالخبر ساقط عن الحجيّة حسب الفرض، فالنتيجة على هذا أنّا لا نحتاج إلى الأخبار.