35/08/01


تحمیل
الموضوع:- أحكام التعارض المستقر.
الوجه الثالث:- ما أفاده الشيخ النائيني(قده)[1] وحاصله:- إنّ كلّ دليلٍ من هذين الدليلين - ما دلّ على وجوب الجمعة وما دل على حرمة الجمعة - له مدلول مطابقي ومدلول التزامي والمدلول المطابقي هو وجوب الجمعة مثلاً والإلتزامي هو نفي الاستحباب والذي سقط عن الحجيّة هو المدلول المطابقي أمّا المدلول الالتزامي فلا مثبت لسقوطه عن الحجيّة فنأخذ به ويثبت المطلوب - أعني انتفاء الاحتمال الثالث -.
وما أفاده(قده) وجيه وتامٌ ولكنه مبني على عدم تبعيّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقيّة في الحجيّة بمعنى أنه إذا سقطت المطابقية عن الحجيّة لا يلزم سقوط الالتزاميّة عن الحجيّة، والالتزامية وإن قرأنا في المنطق أنها متفرّعة على المطابقيّة إلا أنها متفرّعة بلحاظ عالم الوجود فوجود الالتزاميّة فرع وجود المطابقيّة لا أنها متفرّعة عليها في الحجيّة فإن المنطق لم يقل ذلك فهذا لم يذكر وليس من شأن المنطق أن يبحث مثل هذا والمفروض في مقامنا أن الدلالة المطابقيّة ثابتة حتى مع فرض المعارضة غايته ليس حجّة وساقطة عن الاعتبار لأجل العارضة فهي موجودة ومادامت موجودة فالدلالة الالتزاميّة تكون ثابتة وحجّة، فبناءً على أنها ليست متفرعة في الحجيّة فما أفاده الشيخ النائيني(قده) تام، أمّا إذا قلنا إنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة في الوجود وفي الحجيّة معاً فلا يتمّ ما أفاده . إذن ما أفاده(قده) مبنيّ على عدم التبعيّة بين الدلالتين في الحجيّة ومن هنا يقع الكلام في تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة في الحجيّة وعدمها.
تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجيّة وعدمها:-
اختار الشيخ النائيني(قده) عدم التبعيّة بمعنى أنّ الدلالة المطابقيّة إذا سقطت عن الحجيّة فالالتزاميّة تبقى على الحجيّة ولا مانع من ذلك[2]، واستدل عليه في نفس هذا الموضع بما محصّله:- إنَّ الدليل الذي يقول ( الجمعة واجبة ) مثلاً له دلالتان مطابقية وهي وجوب الجمعة وإلتزاميّة وهي نفي الاستحباب وسقوط الأوّل عن الحجيّة بسبب المعارضة لا يصلح سبباً لسقوط الدلالة الالتزاميّة عن الحجيّة بعدما فرض أن الالتزاميّة متفرّعة على المطابقيّة في أصل الوجود لا في أصل الحجيّة.
إذن سقوط تلك عن الحجيّة لأجل المعارضة لا يستلزم سقوط هذه عن الحجيّة إذ سبب سقوط تلك هو المعارضة وهي خاصّة بالدلالة المطابقيّة وأما الالتزاميّة فلا يوجد هناك معارضة فلماذا تسقط عن الحجيّة ولماذا لا يشملها دليل الحجية ؟!! هذا توضيح ما أفاده(قده).
ولك أن تقول:- إنَّ الخبر إذا أخبر بوجوب الجمعة فهذا له مدلولان أحدهما وجوب الجمعة والآخر عدم استحباب الجمعة الذي هو المدلول الالتزامي، وسقوط الأول عن الحجيّة لا يستلزم سقوط الثاني عنها فيبقى الخبر حجّة من حيث المدلول الالتزامي وإن سقط عن الحجيّة من حيث المدلول المطابقي.
وإن شئت قلت بصيغة جديدة:- إن المخبر إذا أخبر عن وجوب الجمعة فهو في الحقيقة قد أخبر خبرين وليس خبراً واحداً والخبر الأوّل هو وجوب الجمعة والخبر الثاني هو أنها ليست مستحبّة والخبر الأوّل سقط عن الحجيّة لوجود المعارض وأما الخبر الثاني فحيث لا معارض له فلا موجب لسقوطه عن الحجيّة.
وفرق هذا عن سابقه هو أنه في السابق لم ندّعِ وجود خبرين بل هو خبرٌ واحدٌ ولكن له مدلولان أو دلالتان وسقوطه عن الحجيّة من جهة أحد المدلولين أو الدلالتين لا يستلزم سقوطه بلحاظ الدلالة أو المدلول الثاني، وما في هذه الصيغة الجديدة فندّعي وجود خبرين والأوّل لم يشمله دليل حجيّة الأمارة لأجل المعارضة وأمّا الثاني حيث لا معارِض له فيشمله دليل حجيّة الأمارة . فالفارق إذن بين هذا بين ما سبق واضحٌ.
نعم هذا يبتني على شيءٍ إن تم فهو يتمّ وهو أن نقول إنَّ عنوان الخبر كما يصدق بلحاظ المدلول المطابقي يصدق بلحاظ المدلول الالتزامي، ولكن ربما يرفض ذلك ويقال إنّ صدق عنوان الخبر فرع القصد أمّا إذا كان الشخص ليس بقاصدٍ وكان غافلاً فلا يصدق عنوان الخبر، فمثلاً لو قلت ( هذا اليوم هو يوم السبت ) فعرفاً يصدق أنّي أخبرت خبراً واحداً وأنّ اليوم هو يوم السبت ولا يصدق أنّي أخبرت أكثر من ذلك بأن أخبرت بأنّ هذا اليوم ليس هو يوم الأحد وليس هو الاثنين ... كلّا لا يصدق ذلك عرفاً وما ذاك إلا بسبب أنّ تلك اللوازم ليست في ذهني وغير مقصودة فهي ليس من قصدي أن أُخبر عنها فإذا لم أقصد ذلك فلا يصدق عنوان الخبر بلحاظها وصدق عنوان الإخبار موقوف في نظر العرف على أن يكون الشخص قاصداً للإخبار أمّا إذا كان غافلاً عن مدلول الخبر وليس في ذهنه فلا يصدق عنوان الخبر، وحيث إنّي غافلٌ عن مسألة أنّ هذا اليوم ليس يوم الأحد وليس يوم الاثنين فحينئذٍ لا يصدق إلا أني أخبرت خبراً واحداً وهو أنّ اليوم هو يوم السبت وأمّا ما زاد فلم أخبر عنه . فهذه الصيغة الأخيرة التي ذكرتها مبنيّة على أنّ عنوان الخبر لا يتوقّف صدقه على القصد فإذا قلنا هو لا يتوقف على القصد فهذه الصياغة تكون وجيهة أما إذا قلنا بتوقّفه على القصد فتكون هذه الصياغة مرفوضة لأجل أنّ المدلول الالتزامي لا يُقصَد الإخبار عنه . هذا ما أفاه الشيخ النائيني ولذلك هو بانٍ على أن الدلالة الالتزاميّة ليست تابعة للمطابقيّة في الحجيّة.
وشكل عليه بإشكالين:-
الإشكال الأوّل:- ما أفاده السيد الخوئي(قده)[3] وحاصله:- إنّ من أخبر بوقوع قطرة بولٍ مثلاً على الثوب فهو لم يخبر عن نجاسته المطلقة بل أخبر عن نجاسةٍ حاصلةٍ بالبول أي هو أخبر عن حصّة خاصّة من النجاسة وهي النجاسة البوليّة لا أنّه أخبر عن طبيعيّ ومطلق وذات النجاسة، فإذا قبلنا بهذا فمتى ما علمنا بكذبه في إخباره الأوّل - أعني إخباره عن وقوع القطرة - فسوف نعلم بكذبه في الإخبار عن تلك الحصّة - أعني النجاسة البوليّة - فإذا لم تكن قطرة البول قد وقعت فلا نجاسة بوليّة، والعلم بكذب الأوّل يستلزم العلم بكذب الثاني - يعني العلم بكذب إخباره بوقوع القطرة - لأن فرضنا هو أنّ المخبر قد اعترف بكذبه وعلمنا بأنه كذّاب فسوف نعلم بكذبه في الإخبار عن النجاسة البوليّة ومعه كيف يكون الإخبار الثاني والدلالة الثانية حجّة والحال نحن نعلم بكذبها وكيف يشملها دليل الحجية ؟!! إنّ دليل الحجيّة لا يشمل معلوم الكذب وإنما يشمل ما لا يعلم صدقه أو كذبه أمّا ما يُجزم بصدقه أو ما يُجزم بكذبه فلا معنى لشمول دليل الحجيّة له.
وفيه:- إنَّ هذا لو تمّ فهو يتمّ في حالة العلم بالكذب بأن اعترف المخبر وقال إنّي كاذبٌ أو شهد جماعة وقالوا هو كاذب وحصل العلم فنقول إنّ علمنا بكذبه في إخباره الأوّل - بوقوع القطرة - يستلزم علمنا بكذبه في حصول النجاسة البوليّة، ولكن المفروض في الأبحاث الفقهية عادةً ليس هو العلم بالكذب وإنما الموجود هو المعارضة يعني أنَّ هذا الدليل يوجد له معارضٌ، فالدليل الدال على وجوب الجمعة يوجد له معارضٌ وهو الدليل الثاني الذي يقول ( تحرم الجمعة ) والمعارضة لا تولّد علماً بكذب الأوّل - يعني لا تولد علماً بأن دليل وجوب الجمعة هو كاذب - وإنما هناك احتمالٌ في أن يكون هو الصادق وذاك المعارض هو الكاذب، فلا يوجد علمٌ بكذبه، ومع عدم العلم بكذبه لا يحصل العلم بالكذب بلحاظ المدلول الالتزامي حتى يقال لا يمكن تطبيق دليل الحجيّة عليه لأنَّ القضيّة التي كان يستند عليها السيد الخوئي(قده) هي أنه إذا علمنا بكذبه في المدلول المطابقي فسوف نعلم بكذبه في المدلول الالتزامي ونحن نقول له هذا صحيحٌ فيما إذا علمنا بذلك ولكنّنا لا نعلم بذلك فعادةً توجد معارضة والمعارضة لا تولّد علماً بكذبة فالمدلول الالتزامي إذن يبقى محتمل الصدق فيكن تطبيق دليل الحجيّة عليه.


[1] فوائد الاصول، النائيني، ج4، ص755.
[2] وهذه القضيّة - وهي ان المتعارضين بعد تساقطهما هل يمكن من خلالهما نفي الاحتمال الثالث - صارت سبباً الى أن ينجر الكلام الى قضية تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية وعدم التبعية والشيخ النائيني(قده) اختار عدم تبعية الالتزامية للمطابقية في الحجية ولأجل انها ليست تابعة بنى على أنه يمكن نفي الاحتمال الثالث بالمتعارضين رغم سقوطهما عن الحجيّة . وهذا بحثٌ نافعٌ إذ بمكن الاستفادة منه في بعض المواضع ومنها هذا الموضع، ولا اتذكر أن هذا البحث قد قرأناه في الكفاية أو الرسائل بل هو من البحوث الجديدة.
[3] مصباح الاصول، الخوئي، ج3، ص369.