35/07/19


تحمیل
الموضوع:- أحكام التعارض المستقر.
وفي هذا المجال نقول:- إن هذا الاعتراض يتمّ على مسلك المشهور القائل بأن الأصول التنجيزيّة في أطراف العلم الاجمالي لا مانع من جريانها، وأمّا بناءً على ما أشرنا إليه هناك من أنّ العقلاء والعرف يرون نحوَ تنافٍ بين الإلزام بتركهما والعلم بإباحة أحدهما - فإن العقل وإن كان لا يرى التنافي ولكن العقلاء والعرف يرون نحواً من التنافي وإن كان تنافياً يُخطّئه العقل لكنه تنافٍ بالنظرة العرفيّة والعقلائيّة - فدليل الأصل سوف يصير منصرفاً وغير شاملٍ لهذه الحالة من باب اقترانه بقرينة لبيّة ارتكازيّة متّصلة ويختصّ آنذاك بالشبهات البدوية فقط ولا يعمّ موارد العلم الاجمالي، إنّه بناءّ على هذا الكلام الذي ذكرناه هناك ينبغي أن نسّريه إلى مقامنا فنقول إنّ الحكم بحجيّة كِلا الدليلين مع العلم بأن أحدهما مخطئٌ وكاذبٌ حتماً يشتمل على نحوٍ من التنافي عرفاً وعقلائياً فدليل الحجيّة ينصرف آنذاك عن هذا ويختصّ بالموارد التي لا يوجد فيها تعارض، وبناءً على هذا فدليل الحجيّة لا يمكن تطبيقه على الدليلين المذكورين رغم تعدّد المركز من باب القرينة المتّصلة الارتكازيّة - أي المتصلة بإطلاق دليل حجيّة الأمارة - فينصرف إطلاق الدليل إلى حالة عدم المعارضة ولا يشمل حالة المعارضة، وبذلك يندفع الإشكال على هذا الاحتمال الأوّل ويكون الاحتمال الأوّل بناءً على هذا وجيهاً.
ولكن لو غضضنا النظر عن ذلك وقلنا بمقالة المشهور - يعني أنه لا محذور في تنجيز المباح وأن إطلاق الدليل ليس منصرفاً عن مثل ذلك - فهل هناك مخلصٌ من هذا الإشكال ؟
والجواب:- نعم، وذلك بالاستعانة بفكرة الدلالة الالتزاميّة بأن يقال:- إن الدليل الدال على وجوب الجمعة يدلّ بالالتزام على أنّ الظهر ليست واجبة، والمفروض أنّ الأمارة حجّة في اللوازم غير الشرعيّة، وهكذا دليل وجوب الظهر يدلّ بالالتزام على عدم وجوب الجمعة، وبعد ضمّ الدلالة الالتزاميّة إلى الدلالة المطابقيّة تصير النتيجة هي أنّ صلاة الجمعة واجبة وليست واجبة، وهكذا صلاة الظهر واجبة وليست واجبة، فلزم اجتماع المتعارضين في مركزٍ واحدٍ.
وروح هذه المحاولة يرجع إلى تحويل المركز المتعدّد إلى مركزٍ واحدٍ من خلال ضمّ الدلالة الالتزاميّة.
وبالجملة:- يلزم أن تصير صلاة الجمعة واجبة وليست واجبة، وهكذا يلزم بالنسبة إلى صلاة الظهر، وهذا معناه وحدة المركز وفي حالة وحدة المركز قلنا أنّه لا يمكن القول بحجيّة المتعارضين إذ يلزم من ذلك تنجيز صلاة الظهر والتعذير عنها لأنها إذا كانت واجبة فهذا تنجيزٌ وإذا كانت ليست واجبة فهذا يعني التعذير فثبت التنجيز والتعذير أو ثبت الوجوب وعدم الوجوب في شيءٍ واحدٍ، وهذه نصرةٌ للمشهور ومن خلالها يتمّ الاحتمال الأوّل ولا يكون الإشكال وارداً عليه فإن الإشكال الوارد على هذا الدليل أخصّ من المدعى فهو يختصّ بحالة اتحاد مركز الدليلين ولا يعمّ حالة اختلاف المركز وقد اتضح من خلال ما ذكرناه - أي من ضمّ الدلالة الالتزاميّة - أنه حتى في حالة تعدّد المركز لا يمكن ثبوت الحجيّة للمتعارضين إذ حالة تعدّد المركز ترجع من خلال ضمّ الدلالة الالتزاميّة إلى حالة وحدة المركز.
إن قلت:- إن منشأ المعارضة بين الدليلين حيث إنه عبارة عن ضمّ الدلالة الالتزامية فهي التي صارت سبباً للمعارضة وإذا حذفناها من الحساب فلا معارضة، فمن المناسب آنذاك حذفها من الحساب ولا نأخذ بها كي لا تتحقق المعارضة.
قلت:- إن اسقاطها من الحساب لابد وأن يكون لمبررٍ ولا يوجد مبررٌ في البين باعتبار أنه توجد في مقامنا معارضتان لا معارضة واحدة وإحدى المعارضتين هي أنَّ صلاة الجمعة واجبة حيث يدلّ دليل وجوب الجمعة على وجوب صلاة الجمعة وهذا مدلول مطابقي - أي وجوب الجمعة - لدليل ( تجب الجمعة )، فطرف المعارضة هنا ما هو ؟ هو عدم وجوب الجمعة الذي هو مدلول التزامي لدليل وجوب الظهر فدليل تجب الظهر يدلّ بالالتزام على أنّ الجمعة ليست واجبة، إنَّ هذا هو طرف المعارضة لوجوب الجمعة الذي هو مدلولٌ مطابقيّ لدليل تجب الجمعة هذه هي المعارضة الاولى، وعلى منوالها توجد معارضة ثانية بين وجوب صلاة الظهر الذي هو مدلول مطابقي لدليل تجب الظهر وعدم وجوب الظهر الذي هو مدلول التزامي لدليل وجوب صلاة الجمعة، هاتان معارضتان والدلالة الالتزاميّة وقعت طرفاً في المعارضة الأولى كما وقعت طرفاً في المعارضة الثانية فإذا أردنا أن نسقطها من الحساب فلا معنى لأن نسقطها وحدها بل لابد وأن يسقط كِلا الطرفين، يعني تسقط الدلالة الالتزامية والمطابقية هنا وتسقط الدلالة الالتزاميّة والمطابقيّة هناك أمّا أن نقترح إسقاط الدلالة الالتزاميّة فقط مع التحفظ على الدلالة المطابقيّة فهذا ليس اقتراحاً علميّاً مقبولاً . فإذن إذا أردنا اسقاط الالتزاميّة فلابد من اسقاط المطابقيّة معها لا خصوص الالتزاميّة.
إن قلت:- إنَّ الدلالة الالتزاميّة حتماً هي ساقطة بنحو العلم التفصيلي لأنه إمّا أنّها بنفسها ساقطة أو بسبب سقوط المطابقيّة فإن المطابقيّة إذا سقطت عن الحجيّة تسقط الالتزاميّة عن الحجيّة فالدلالة الالتزاميّة إذا كانت معلومة السقوط فلا يمكن أخذها بعين الاعتبار، وهذا بخلاف الدلالة المطابقيّة فإنها مشكوكة السقوط فلا موجب لإسقاطها بل نأخذ بها ونسقط الالتزاميّة لفرض العلم بسقوطها.
قلت:- لا يوجد علم تفصيلي بسقوط الدلالة الالتزاميّة فإن الدلالة الالتزاميّة تابعة في حجّيتها للدلالة المطابقيّة التي هي منشأ للالتزامية أمّا المطابقية التي ليست منشأً لها فسقوطها عن الحجيّة لا يوجب سقوط الالتزاميّة لأنها ليست متولّدة منها وفي المقام أحد طرفي المعارضة هو الدلالة الالتزاميّة والطرف الثاني هو المطابقيّة ولكن هذه المطابقيّة ليست هي المولّدة لهذه الالتزاميّة بل هي مولّدة للالتزاميّة في تلك المعارضة فسقوط المطابقيّة في المعارضة الأولى لا يستلزم سقوط الالتزاميّة لأنها ليست متفرّعة منها، وهكذا بالنسبة إلى المعارضة الثانية فإن سقوط المطابقيّة لا يستلزم سقوط الدلالة الالتزاميّة عن الحجيّة.
إذن من خلال هذا اتضح أنه لا علم لنا بسقوط الدلالة الالتزاميّة وبالتالي يكون المناسب من خلال هذا البيان هو سقوط الالتزامية والمطابقية لا سقوط الالتزاميّة فقط مع بقاء المطابقيّة على الحجيّة، وبهذا اتضح أن الاحتمال الأوّل صحيحٌ وأنَّ ما ذكره المشهور في توجيه عدم حجيّة المتعارضين يكون أمراً وجيهاً فإنه في الاحتمال الأوّل قالوا إنَّ المناسب عدم شمول دليل الحجيّة لِكلا المتعارضين لأنه يلزم ذلك تنجيز المتعارضين فهذا الكلام تام حتى لو فرض أنَّ المركز كان متعدّداً لأنه تقع معارضة بين المطابقيّة من جانب والالتزاميّة من جانبٍ ثاني والمناسب سقوط كلتا الدلالتين المطابقيّة والالتزاميّة لا خصوص الالتزاميّة . أذن بطلان الاحتمال الأوّل يعود شيئاً وجيهاً كما ذكر المشهور.