35/06/05


تحمیل
الموضوع:- التنبيه التاســع تعــارض الاستصحــاب مــع غيــره ( تعارض الاستصحابين في باب العلم الإجمالي ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
المحذور الثبوتي:- وأما الشيخ النائيني(قده) فيظهر منه وجود محذور ثبوتي أعني في جريان الاستصحاب التنجيزي - أي استصحاب النجاسة في الطرفين - وخصّص هذا المحذور بما إذا كان الأصل محرزاً دون ما إذا لم يكن ذلك.
ولابد أوّلاً من توضيح الفرق بين الأصل المحرز وغيره في نظره(قده) وبعد بيان ذلك نبيّن لماذا يلزم المحذور لو قلنا بجريان استصحاب النجاسة في كلا الطرفين:-
أما بالنسبة إلى توضيح الفرق بين الأصل المحرز وغيره فحاصل ما ذكره:- إن الأصل تارةً يعبّد المكلف بإلغاء الشك ويرفع عنه الشك تعبّداً ويجعله متيقّناً - وواضح أنّه لابد وأن يكون مقصوده أنه يلغي الشك ويجعله متيقّناً من زاوية الجري العملي وإلا إذا كان المقصود من زاوية الكاشفية صار أمارة فلابد وأن يكون مقصوده هذا المعنى - ومثّل لذلك بالاستصحاب فإن دليل ( لا تنقض اليقين بالشك ) يستفاد منه في نظره أن الشارع يريد أن يعبّد المكلّف بأنك لست شاكا ًفي البقاء وإنما أنت متيقّن بالبقاء، إنّه عبّر عنه بالأصل المحرز أو التنزيلي وتساهل هنا ولعلّ أحدهما عين الآخر كما يظهر من عبارته هنا، هذا إذا كان يلغي الشك . وأمّا إذا لم يلغِ الشك كما في أصالة الاحتياط والبراءة فإنهما لا يلغيان الشك، فإن أصل البراءة يقول ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) فغاية ما يدلّ عليه هو أن ما لا يُعلم مرفوعٌ، أو أن أصل الاحتياط يقول ( أخوك دينك فاحتط لدينك )، إنه لا يستفاد جعل الشاك عالماً، إن مثل هذا سمّاه بالأصل غير المحرز أو غير التنزيلي، ونصّ عبارته على ما ورد في أجود التقريرات هي:- ( إن الأصل ينقسم إلى تنزيلي وغير تنزيلي، ونعني بالأوّل ما يكون الدليل الدال على اعتباره مع أخذ الشك في موضوعه مُلغياً له في عالم لتشريع كالاستصحاب وقاعدتي الفراغ والتجاوز ونحوها فإن مقضى أدلتها أنّ الشاك في البقاء أو بعد الفراغ أو بعد تجاوز محلّ المشكوك ليس بشاكّ بل هو محرز للواقع وبالثاني ما يحكم فيه على الشاك بشيءٍ من دون تعرّضٍ لإلغائه كما في قاعدتي الاحتياط والبراءة ونحوهما )[1]، وقريبٌ من ذلك ما ذكره في فوائد الأصول[2].
أما بالنسبة إلى القضيّة الثانية:- وهي أنه لماذا إذا كان الأصل محرزاً فلا يمكن جريانه في كلا الطرفين ؟
إنه قد يظهر من عبارته تقريبان لذلك:-
التقريب الأوّل:- إن الشارع لا معنى لأن يجعلني عالماً ببقاء النجاسة تعبّداً والحال إن لي علماً وجدانياً بأن النجاسة لم تبقَ في كليهما، فكيف يجعلني عالماً ببقاء النجاسة في كليهما ؟ ! إنّه توجد منافاة بين جعلي عالماً ببقاء النجاسة في كليهما وبين علمي وجداناً بأن أحدهما لم تبقَ فيه النجاسة فهناك منافاة بين هذين المطلبين . وقد ذكر هذا المطلب(قده) مرّتين في فوائد الأصول مرّة في نهاية الاستصحاب[3] وأخرى في بداية القطع عند البحث عن العلم الاجمالي[4]، أما المورد الأوّل فنصّ عبارته:- ( فإن التعبّد ببقاء الواقع في كلّ واحدٍ من أطراف العلم الاجمالي ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدهما ........ فإن الجمع في التعبّد ببقاء مؤدى الاستصحابين ينافي ويناقض العلم الوجداني بالخلاف ) ، وأما عبارته في المورد الثاني فهي:- ( .... كيف يمكن الحكم ببقاء الاحراز السابق في جميع الأطراف ولو تعبداً فإن الاحراز التعبّدي لا يجتمع مع الاحراز الوجداني بالخلاف )، ومقصوده:- إن الاحراز التعبّدي يعني التعبّد بكونك عالماً ببقاء النجاسة في هذا الطرف وفي ذاك الطرف لا يجتمع مع الاحراز الوجداني بعدم بقاء النجاسة في أحدهما . إذن عبارته لعلها واضحة في هذا التقريب الأوّل.
ويردّه:-
أوّلاً:- إن ما ذكره من المنافاة لو تمّ فهو لا يختصّ بما إذا كانت الأصول محرزة بل حتى إذا لم تكن محرزة تتحقق المنافاة المذكورة فيقال كيف يعبّدني الشارع ببقاء النجاسة سواء كان بنحو جعل المكلف عالماً ببقائها أو من دون جعله عالماً إن التعبّد ببقاء النجاسة في كليهما يتنافى مع العلم الوجداني بعدم بقائها في أحدهما . إذن المنافاة إذا تمّت فهي ثابتة من دون فرقٍ بين أن يكون الاستصحاب أصلاً محرزاً أو أصلاً غير محرزٍ، والحال أنه يريد أن يفرّق بينهما ويخصّص هذا بحالة ما إذا كان الأصل محرزاً.
وثانياً:- إن المنافاة لو تمت فهي ليست ثبوتية وإنما هي اثباتية كما سوف نوضح فيما بعد يعني لا توجد عقلاً ودقةً منافاة بين المطلبين فيمكن للشارع أن يجعلني تعبّداً عالماً ببقاء النجاسة فيما إذا كان ملاكها أهم رغم علمي بأنها ليست ثابتة في أحدهما، إنه إذا كان ملاك النجاسة أهم فلا محذور في الحكم ببقائها في كليهما، فمنافاةٌ واقعيّةٌ ليست موجودةٌ بعد انحفاظ موضوع الحكم الظاهري وهو الشك . نعم إذا كانت هناك منافاة فهي منافاة عقلائيّة كما سوف نشير إليها بينما ظاهر عبارته هي أن المنافاة منافاة عقليّة - أي لا يمكن ذلك - حيث عبّر هكذا:- ( كيف يمكن الحكم ببقاء الاحراز السابق في جميع الاطراف ولو تعبّداً ؟! فإن الاحراز التعبدي لا يجتمع مع الاحراز الوجداني )، وظاهره أنه يريد أن يقول إنه لا يمكن واقعاً ودقّةً وعقلاً، وهكذا في عبارته الأخرى حيث قال فيها:- ( فإن الجمع في التعبّد ببقاء مؤدى الاستصحابين ينافي ويناقض العلم الوجداني بالخلاف )، فهو عبّر بالمنافاة والمناقضة يعني توجد منافاة واقعاً.
التقريب الثاني للمنافاة:- إن شرط التعبّد ببقاء النجاسة أن يكون المكلف شاكّاً في بقائها أمّا إذا لم يكن هناك شكّ فكيف يمكن التعبّد ؟ وبكلمة أخرى:- إن التعبّد بالبقاء هو عبارة أخرى عن حكم ظاهري بالبقاء وموضوع الحكم الظاهري هو الشك وفي موردنا لا يوجد شكّ بل يوجد علمٌ بأن النجاسة لم تبقَ في كِلا الإناءين ومع علمي بأنها لم تبقَ فيهما كيف يعبّدني ببقائها فيهما ؟!! إنه لا يوجد شكٌّ.
وهذا التقريب كما ترى يغاير التقريب السابق، فإن ذلك ناظر إلى المنافاة الواقعيّة بينما هذا ناظر إلى انتفاء الشكّ فلا يوجد شكٌّ في البقاء حتى يمكن جعل الحكم الظاهري والتعبّد بالبقاء.
وقد أشار إلى هذا التقريب في أجود التقريرات[5] من دون إشارة إلى ذلك التقريب الأوّل وكأنه تراجع عن التقريب الأوّل، ونصّ عبارته:- ( وإنما منعنا عن جريان الأصول التنزيلية ...... من جهة وجود العلم التفصيلي المتعلّق بالجامع المانع عن تحقّق مرتبة الحكم الظاهري المتكفّل للتنزيل )، وقريب من هذا ذكر في مباحث القطع[6] . إذن هو كما ذكر التقريب الأوّل في موردين من فوائد الأصول ذكر هذا التقريب في موردين من أجود التقريرات.
وأشكل الشيخ العراقي(قده)[7] على هذا التقريب - ووافقه على ذلك السيد الخوئي[8] - بإشكالين أحدهما بمثابة الإشكال الحلّي والآخر بمثابة الإشكال النقضي:-
أما الإشكال الحلّي فهو:- إنك قلت يوجد علمٌ بأن النجاسة لم تبقَ في كلا الطرفين ومعه كيف نستصحب النجاسة فيهما ؟! إنه لا يوجد شكٌّ في الطرفين حتى نجري الاستصحاب، ونحن نقول إنّ المكلف حينما يجري الاستصحاب فهو لا يجريه في المجموع بما هو مجموع حتى يقال إن المجموع بما هو مجموع نعلم بعدم بقاء النجاسة فيه وإنما نجريه في كلّ طرفٍ بمعزلٍ عن الطرف الآخر، فأوّلاً أشير إلى الطرف الأوّل وأغضّ نظري عن الطرف الثاني وأقول هذا الطرف الأوّل يوجد عندي علمٌ بثبوت النجاسة له سابقاً وأشك في بقائها الآن فأجري الاستصحاب فيه، ثمّ أذهب إلى الطرف الثاني واصنع ذلك أيضاً، فالاستصحاب على هذا الأساس جارٍ في كلّ طرفٍ بمعزلٍ عن الطرف الآخر ومستقلاً عنه ولا أجريه في المجموع من حيث المجموع . نعم بعد الفراغ من كِلا الاستصحابين سوف أعلم بأن أحدهما باطل، إنّ هذا شيءٌ آخر لا أنه لا يوجد شكٌّ بلحاظ كلّ طرف كما أفاد هو(قده).
وإن شئت قلت:- نحن حينما نجري الاستصحاب نجريه في الواحد التفصيلي لا في الواحد الاجمالي، والذي نتيقّن بانتقاض النجاسة فيه هو الواحد الاجمالي دون الواحد التفصيلي، فحينما أشير إلى هذا الإناء الأوّل إنه واحدٌ تفصيلي وهو الذي أجري فيه الاستصحاب وهو لا يوجد فيه علمٌ بعدم بقاء النجاسة فيه، نعم هناك واحدٌ لا على التعيين يُعلم بانتقاض النجاسة فيه ولنعبّر عنه بالواحد الاجمالي إن صحّ العبير ولكن الاستصحاب لا نجريه فيه بل نجريه في الواحد التفصيلي . إذن الواحد لتفصيلي هو الذي نجري فيه الاستصحاب وهو لا يوجد علمٌ بانتقاض النجاسة فيه، والواحد الاجمالي الذي يوجد فيه علمٌ بالانتقاض لا نريد أن نجري الاستصحاب فيه . فإذن ما أفاده(قده) من التقريب لا يكون وارداً كما هو واضح.


[1] أجود التقريرات، الخوئي، ج2، ص498، ط قديمة.
[2] فوائد الأصول، النائيني، ج4، ص692.
[3] فوائد الأصول، النائيني، ج4، ص693.
[4] فوائد الأصول، النائيني، ج4، ص14.
[5] اجود التقريرات، الخوئي، ج2، ص500، ط قدمة.
[6] أجود التقريرات، الخوئي، ج2، ص240.
[7] نهاية الافكار، العراقي، القسم الثاني من ج4، ص121.
[8] مصباح الأصول، الخوئي، ج3، ص260.