35/05/21


تحمیل
الموضوع:- التنبيه التاســع ( تعــارض الاستصحــاب مــع غيــره ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
وفيه:- إن ما أفاده)قده) توسعة للمصطلح، فهو أراد أن يوسع مصطلح الحكومة فجعل الحكومة ذات معنيين فتارة بمعنى النظر وأخرى بمعنى التصرّف في الموضوع وإفنائه وكأنه هناك دليل يدلّ على حتميّة كون النكتة هي الحكومة فوقع في حيرة بعد أن دلّ الدليل على أن نكتة التقدّم هي الحكومة فاحتاج آنذاك أن يوسّع معنى الحكومة ويجعل لها فرداً ثانياً، ولكن هذا شيء لا داعي إليه فإنه لم يدلّ دليل على أن النكتة هي الحكومة لا غير حتى نحتاج إلى توسعة الحكومة، وكان من المناسب له أن لا يغير المصطلح بل يبقيه على معناه وأن الحكومة هي عبارة عن النظر غايته حينما يصل إلى الأصل السببي والمسبّبي يقول إن الأصل السببي مقدّم على الأصل المسببّي لنكتةٍ أخرى غير الحكومة وهي إفناء الموضوع يعني أن الأصل السببي بجريانه يفني موضوع الأصل المسبّبي، وموضوع الأصل المسبّبي هو الشك السبّبي فهو يزيل الشك المسبّبي، إن المناسب فنيّاً له هو هذا لا أن يغيّر معنى المصطلح ويجعل له فرداً آخر، إنّ كل هذا لعله ليس بصحيح من الجنبة الفنيّة.
وإذا فرضنا أن الشيخ النائيني قال:- أنا أقبل ما تقولون وبالتالي أقول كما اقترحتم.
فنقول له:- نعم إن ما أفدته الآن جيّد، ولكن الاشكالات الأربعة المتقدّمة تبقى ثابتة:-
فيأتي الإشكال الأول:- وهو أن افناء الموضوع يتمّ في باب الاستصحاب - يعني إذا كان الأصل السببي من قبيل الاستصحاب دون ما إذا كان من قبيل أصل الطهارة -.
ويأتي الإشكال الثاني:- وهو أنه حتى لو فرضنا أن الأصل السببي كان استصحاباً فهو لا ينفع لأن المجعول في باب الاستصحاب هو العلم من حيث الجري العملي لا من حيث الكاشفيّة، فهو إذن لا يفني الموضوع.
ويرد الاشكال الثالث أيضاً:- وهو أنه لو سلّمنا أن المجعول في باب الاستصحاب هو العلميّة من حيث الكاشفيّة لكن التعبّد بالكاشفيّة من زاوية الشك في بقاء طهارة الماء لا يلزم منه جعل العلميّة بلحاظ الأثر وأنك عالم بطهارة الثوب، إنه لا توجد ملازمة في البين حتى يرتفع بذلك موضوع الأصل المسبّبي فإن العلميّة مجعولة في مساحة اليقين السابق والشك اللاحق، واليقين موجودٌ بالنسبة إلى طهارة الماء فإنا كان عندي يقين بطهارته ثم الشك في بقائها، فهنا يكون جعل العلميّة من حيث الكاشفيّة شيئاً وجيهاً، وهذا لا يلازم جعل العلميّة من حيث الكاشفيّة من حيث طهارة الثوب إذ طهارة الثوب ليس فيها يقينٌ سابق بالطهارة بل يوجد العكس - أي يوجد فيها يقين بالنجاسة -.
ويرد الإشكال الرابع أيضاً:- وهو أنه لو سلّمنا أن العلم بطهارة الماء يستلزم جعل العلميّة بلحاظ طهارة الثوب، ولكن نقول:- سوف تحصل المعارضة بين الاستصحابين لأن استصحاب نجاسة الثوب يثبت العلميّة من حيث نجاسة الثوب.
وخلاصة ما نقوله للشيخ النائيني في تعليقنا هذا:- هو أن الحكومة حيث إنها تعني النظر فمن المناسب أن لا تقول إن نكتة تقدّم الأصل السببي كونه حاكماً إلا أنه لا نظر له إذ النظر من شؤون الدليل المستقل، وإنما قل:- إن ذلك لنكتةٍ أخرى وهي نكتة إفناء الموضوع مثلاً .
وإذا قلت هذا وقبلت به فنقول:- هذا ليس معناه أنه سالم من الإشكال، بل تبقى تلك الاشكالات الأربعة واردة لكنّ هذا التعليق الخامس سوف نرفع يدنا عنه.
وقبل أن أنتقل إلى الوجه الثالث من وجوه الأصل السببي أأكد لكم من جديد أنه اتضح من خلال ما ذكرنا أن الحكومة في المصطلح الأصولي وإن كانت هي عبارة عن النظر إلّا أن الشيخ النائيني(قده) وسّع من معناها فجعل لها فرداً ثانياً وهي حكومةٌ تعني إفناء وإعدام الموضوع أو يجاد فردٍ له ولو لم يكن هناك نظر، وهذه قضيّة ينبغي الالتفات إليها.
الوجه الثالث:- وهو للشيخ النائيني(قده) أيضاً[1]، ولعله لا يختلف عن سابقه من حيث الروح، ولكنه يختلف من حيث الصياغة، وحاصله:- إنه لو عارض الأصل المسبّبي الأصل السببي لزم من ذلك تقدُّم الشيء على نفسه.
والوجه في ذلك يتوقف على بيان مقدمات ثلاث:-
المقدمة الأولى:- إن الشك السببي علّة للشك المسبّبي، يعني أني لما أشك في بقاء طهارة الماء فسوف أشك في بقاء نجاسة الثوب، ولازم هذا أنّ الشك المسبّبي يكون متأخراً من حيث الرتبة عن الشك السببي لأنه علّه للشك المسبّبي.
المقدمة الثانية:- إن حكم الشك المسبّبي متأخر عن نفس الشك المسببّي، وأقصد من حكم الشك المسبّبي هو الأصل المسبّبي فإن الأصل المسببي حكمٌ للشك المسبّبي فلابد من وجود شكٍ مسبّبيّ أوّلاً ثم يأتي الحكم - أي ( لا تنقض اليقين بالشك ) -، وهذا الأصل المسبّبي هو متأخر من حيث الرتبة عن نفس الشك المسبّبي من باب تأخّر الحكم رتبةً عن موضوعه.
المقدمة الثالثة:- إن الأصل لو جرى فسوف يفني ويزيل الشك المسبّبي، فهو إذن يكون متقدّماً رتبةً على الشك المسبّبي لأنه يزيل الشك المسببّي فالشك المسببّي إذن متأخرٌ عن الأصل السببي رتبةً، وبالتالي يلزم أن يكون الأصل المسبّبي متأخراً عن الأصل السببي لما أشرنا إليه في المقدمة الثانية من أن الأصل المسبّبي متأخر عن الشك المسبّبي، فإذا كان الشك المسبّبي متأخراً عن الأصل السببي فحكمه - يعني الأصل المسبّبي - يكون متأخراً أيضاً عن الأصل السببي.
ونتيجة هذا:- إن الاصل المسبّبي يكون متأخراً عن الأصل السببي، ومع كونه متأخّراً كيف يعارضه ؟! إنه يستحيل ذلك ؛ فإن لازم المعارضة وحدة الرتبة، فما فرض متأخّراً رتبة سوف يكون ليس متأخّراً رتبةً بل يكون متقدّماً رتبة على نفسه ؛ إذ رتبة نفسه على ما ذكرنا هي متأخرة عن رتبة الأصل السببي فلو فرض أنه عارض فسوف يتقدّم على رتبة نفسه وهذا مستحيل ؛ لأنه وإن لم يكن دوراً ولكنّه هو نكتة استحالة الدور، فإن الدور كان مستحيلاً لأجل أنه يلزم أن يكون الشيء متقدّماً على نفسه، يعني ما فرض أن رتبته متأخرة سوف تصير غير متأخرة، أو ما كانت متقدّمة سوف تصير رتبته غير متقدّمة، هنا لزم هذا المحذور فإن ما فرض أن رتبته متأخرة - وهو الأصل المسببي - يلزم أن لا يكون متأخّراً إذا فرض أنه عارض الأصل السببي.


[1] أجود التقريرات، الخوئي، ج2، ص496، 497.