35/05/10


تحمیل
الموضوع:- التنبيه التاســع ( تعــارض الاستصحــاب مــع غيــره ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
ما هو الدليل على تقديم الأصل السببي على المسبّبي؟
والجواب:- ذكر الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل[1] أربعة وجوه لتقديم الأصل السببي:-
الوجه الأوّل:- التمسّك بالإجماع، فهناك إجماع على تقدّم الأصل السببي على المسبّبي، وواضح أنه على مسلكه وعادته حيث إنه متساهل في أمر الاجماع ولكن نحن حيث لسنا متساهلين من هذه الناحية ونقول من المحتمل أن هذا الاجماع - لو تمّ - فهو محتمل المدرك لاحتمال استناده إلى أحد المدارك الآتية لا يكون حجّة فإن حجيّة الاجماع لكاشفيته يداً بيد وطبقةٍ عن طبقةٍ عن رأي المعصوم عليه السلام وحيث إنه محتمل المدرك فالكاشفيّة لا تكون جزميّة وهذا كلام تكرر منا كثيراً، فإذن الاجماع لا يمكن التمسّك به.
ولكن الذي أريد أن أقوله هو أنه في بعض موارد الاستصحاب السببي والمسببّي يمكن أن نقول إنّ تقدم السببي شيء مسلّم، من قبيل ما إذا فرض أننا شككنا هل هناك طهارة من الحدث أو من الخبث وكانت الحالة السابقة هي الطهارة فلا نحتمل أن فقيهاً يتوقّف في إجراء استصحاب الطهارة من الحدث أو الخبث والحكم بصحة الصلاة والحال أنه يوجد أصل مسببّي وهو استصحاب عدم فراغ الذمة فإن الذمة كانت مشتغلة سابقاً بالصلاة والآن نشك حينما صلينا مع هذه الطهارة المشكوكة إما على مستوى الخبث أو الحدث هل فرغت ذمتنا أو لا ؟ فالاستصحاب يقول هي لم تفرغ، ولكن هذا استصحاب مسببّي - يعني أن الشك ناشئ من الشك في أنه توجد طهارة أو لا توجد طهارة - فلا نحتمل أن فقيها يتوقّف في تقديم الأصل السببي على الأصل المسبّبي.
وهكذا لو فرض أنه كان لدينا ماء كرّ سابقاً والآن نشك في بقائه على الكرّية وغسلنا يدنا أو ثوبنا بإدخال ذلك فيه فإنه لو كان أقل من كرّ فهو يتنجّس، فلو استصحبنا كرّيته وغسلنا اليد أو الثوب بإدخالهما فيه فهل ترى أن فقيها يتوقّف ويقول لا يطهر الثوب أو اليد بذلك ؟! كلّا لا نحتمل أن فقيهاً يتوقف في ذلك ويجري معارضةً بين استصحاب الكرّية - أي السببي - وبين استصحاب بقاء النجاسة في اليد أو الثوب - الذي هو مسببي -.
وهكذا لو فرض أن شخصاً شككنا في أنه باقٍ على قيد الحياة أو لا حينما مات مورّثه، فهو كان حياً سابقاً ولكن اليوم نشك هل هو باقٍ على قيد الحياة، فهل ترى أن فقيهاً يتوقّف في استصحاب حياة الولد ويقول إن هذا الاستصحاب الذي يراد به اثبات الإرث معارضٌ باستصحاب عدم استحقاقه للإرث لأنه قبل يوم لم يكن يستحق جزماً ولو لأجل أن الأب كان حيّاً واليوم نشك هل يستحق الإرث أو لا فنستصحب عدم استحقاقه للإرث ؟ فهل ترى فقيهاً يوقِعُ المعارضة ؟ كلّا ثم كلّا.
وهكذا لو فرض أن شخصاً حصل على مالٍ للحجّ ولكن شكّ في أن ذمته مشغولة بدينٍ أو ليس مشغولة بدين - بناء على أن الدين يمنع من الاستطاعة - ؟ فحينئذٍ نتمسّك باستصحاب براءة الذمّة من الدين ويثبت بذلك وجوب الحجّ عليه . وهل ترى أن فقيهاً يتوقّف ويقول كلّا إن هذا الاستصحاب لا ينفع وبالتالي لا يمكن إثبات وجوب الحجّ عليه لمعارضة هذا الاستصحاب باستصحاب عدم وجوب الحج عليه لأنه قبل أن يحصّل هذه الأموال لم يكن الحجّ واجباً عليه والآن يشك هل وجب عليه أو لا فاستصحاب عدم وجوب الحجّ هل يعارض استصحاب براءة الذمة من الدين ؟!! إنه لا يتوقّف فقيهٌ في ذلك ولا يجعل هذا الاستصحاب معارضاً لذلك الاستصحاب بل يحكم بأنه مستطيع للحج واستصحاب براءة الذمة من الدّين جارٍ وما ذاك إلّا لأنه سببيّ والسببي مقدّمٌ على المسبّبي.
ففي الجملة نتمكّن أن نجزم بأن الفقهاء يقدّمون السببي على المسبّبي .
ولكن في بعض الموارد لعلهم يتوقّفون، من قبيل ما نقله المحقق(قده) عن الشيخ الطوسي(قده) من أن من كان له عبدٌ فغاب العبد وحلّ وقت زكاة الفطرة فإن كان العبد حيّاً فيجب أن يخرج فطرته وإلّا فلا، فهنا توقّف الشيخ الطوسي في وجوب زكاة الفطرة على ما نقل المحقّق، واستحسن المحقق ذلك في المعتبر معلّلاً بقوله:- ( وقولهم الأصل البقاء معارض بأن الأصل عدم الوجوب )[2]، يعني قبل يوم العيد لم تكن تجب الزكاة واليوم نشك هل وجبت الزكاة على المولى من العبد أو لا ؟ فهذا الاستصحاب معارضٌ لذلك الاستصحاب.
وهكذا نقل الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل[3] عن المحقّق في أصوله[4] بأن المكلف لو كان سابقاً على طهارة ثم بعد فترة حلّ وقت الصلاة وشكّ هل طهارته باقية أو لا فهل يجوز له الدخول في الصلاة بطهارة السابقة التي يشك فيها الآن ؟ إنه نقل عنه أنه توقّف في الحكم بجواز الدخول في الصلاة استناداً إلى استصحاب تلك الطهارة . ولماذا ؟ قال(قده):- ( للمعارضة باستصحاب عدم براءة الذمة بهذه الطهارة المستصحبة ).
إنه في هذا المورد يكون الأصل الأول سببيّاً - أي استصحاب الطهارة - والثاني مسببّياً وقد جعل المحقّق الاستصحاب الثاني - يعني استصحاب عدم براءة الذمة وبقاء شغلها بالصلاة - معارضاً للاستصحاب الأوّل، يعني معناه أن الأصل السببي ليس حاكماً على المسبّبي.
والغرابة هي أنه لولا الشيخ الأنصاري لكنّا نقول نحن لسنا ملتفتين إلى ما يقوله المحقق، ولكن لشيخ الأنصاري ناقشه وقال:- إن هذا هو مورد صحيحة زرارة لأن الإمام عليه السلام في صحيحة زرارة استصحب الطهارة السابقة حيث ورد فيها هكذا:- ( الرجل تصيبه الخفقة والخفقتان وهو على .. ) والإمام أجرى له الاستصحاب ولم يعارضه بالاستصحاب الآخر، فكيف يتكلّم المحقق بهذا الكلام والحال أنه بعد ورود صحيحة زرارة فالمعارضة مسكوتٌ عنها، بل ليجعلها في أمثلة أخرى وليس في هذا المورد الذي وردت فيه رواية.
والخلاصة من كلّ هذا:- إن الاجماع يصعب الجزم بثبوته، وإذا سلّمنا بثبوته فهو ليس بكاشفٍ عن رأي المعصوم عليه السلام لاحتمال مدركّيته واستناده إلى أحد الوجوه التالية.
نعم في بعض موارد الأصل السببي يمكن أن نقول أنه لا إشكال في تقديمه في نظر الفقهاء، أمّا أن نقول هو مسلّم عندهم بشكل كلّي في كل الموارد وعندهم إجماع فهذا ليس بثابتٍ، ولو ثبت قلنا هو محتمل المدرك.
وبعد اتضاح أن الاجماع لا يصلح مدركاً فلننظر إلى الأدلة الاخرى إن كانت وهي:-
الدليل الأوّل:- التمسّك بصحيحة زرارة:- ( الرجل على وضوء وتصيبه الخفقة والخفقتان .... ) ،بدعوى أن الإمام عليه السلام أجرى له استصحاب بقاء الوضوء ولم يعارضه باستصحاب بقاء شغل الذمة بالصلاة وعدم فراغها وهذا يدلّ على أن الإمام عليه السلام قد قدّم الأصل السببي. إذن نحن الفقهاء نقول نحن نقدّم الأصل السببي على المسبّبي لنكتة أنّ الإمام فعل ذلك، وهو يكفينا.
وفيه:- إن هذا موقوفٌ على أنه نستفيد أن كلّ ما كان من قبيل السببي والمسبّبي أيضاً الإمام يصنع ذلك، فإذا جزمنا بعدم احتمال الخصوصيّة للمورد - أي مورد الطهارة والصلاة - فهو وجهٌ لطيف ولكن يحتاج إلى الجزم بعد الخصوصيّة.
الدليل الثاني:- وهو المهم - وهو ما ذكره الشيخ النائيني(قده)[5] وهو التمسك بفكرة الحكومة[6]، وحاصل ما أفاده:- هو أن الأصل السببي إذا جرى وأثبت أن هذا الماء باقٍ على الطهارة فيرتفع بذلك الشك المسبّبي - يعني الشك في نجاسة الثوب ترتفع - فالشك في نجاسة الثوب سوف يرتفع لأن الماء طاهر بالاستصحاب وغسلت ثوبي به ومن الآثار الشرعيّة لطهارة الماء هي طهارة الثوب النجس إذا غُسِل به فيثبت بذلك طهارة الثوب، ويرتفع بذلك الشك في نجاسة الثوب ويتبدّل إلى الجزم بطهارته . وهذا بخلاف العكس - يعني لو أجرينا استصحاب نجاسة الثوب أوّلاً لأنه قد يخطر إلى الذهن هذا حتى يرفع لنا الشك السببي - فجوابه واضحٌ فإن استصحاب نجاسة الثوب وبقاءه على النجاسة لا يُثبِت أن الماء نجس فإنه ليس من الآثار الشرعيّة لبقاء نجاسة الثوب هو نجاسة الماء إذ لا يوجد نصّ شرعي يقول ( إذا كان الثوب باقياً على النجاسة فالماء الذي غسلته به نجس ) وإنما هذه ملازمة نحن ندّعيها وهي ملازمة غير شرعيّة . فإذن سوف يصير أصلاً مثبتاً - يعني استصحاب نجاسة الثوب لإثبات نجاسة الماء - فلا يجري . وهذا بخلاف استصحاب طهارة الماء فإنه يثبت شرعاً أن الثوب الذي قد غسل به هو طاهر، يعني أن هذا تعبّد شرعي من قبل الشرع بطهارة الثوب فيرفع الشك المسبّبي وهذا عبارة أخرى عن الحكومة، يعني أن الأصل السببي مقدّمٌ على المسبّبي من باب الحكومة، يعني من باب إلغاء الشك المسبّبي الذي هو موضوع الاستصحاب المسبّبي، وحيث إن هذا الإلغاء تعبّديٌّ فهو عبارة أخرى عن الحكومة.


[1] تراث الشيخ الانصاري، تستسل26، ص394.
[3] تراث الشيخ الانصاري، تسلسل26، ص401.
[4] وهو ما ذكره في مقدمة المعتبر فمقدمة المعتبر تشتمل على أصول كما فعل ذلك صاحب الحدائق في بعض مقدماتها. .
[6] وهذا من احد موارد وثمرات مسلك جعل العلمية.