35/05/08


تحمیل
الموضوع:- تتمة التنبيه الثامن ( وجه تقديم الأمارات على الأصول )، التنبيه التاسع ( تعارض الاستصحاب مع غيره ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
عودٌ إلى صلب الموضوع فنكرّر السؤال ونقول:- لماذا الأمارة الموفقة للاستصحاب تقدّم عليه بعدما كان الوجه الذي ذكرناه للتقديم خاصّاً بالأمارة المخالفة وبعدما فرض أن الحكومة قد رفضناها من الأساس، فما هو الوجه الصحيح لتقديم الأمارة الموافقة على الاستصحاب ؟
والجواب:- إنه بإمكاننا التمسّك بالوجه الأول الذي أشرنا إليه فإنه في بحث لماذا تقدّم الأمارة على الاستصحاب قلنا إنها يمكن أن تكون مقدّمة لوجهين أحدهما الورود والآخر التخصيص بالمعنى الجديد الذي ذكرناه، والتخصيص بالمعنى الجديد عرفنا أنه لا يمكن تطبيقه بل هو خاصّ بالأمارة المخالفة، أما الوجه الأوّل - وهو الورود - فيمكن تطبيقه في الأمارة الموافقة، بأن نقول إن الحديث وإن كان يقول ( لا تنقض اليقين بالشك ) إلا أن اليقين هنا ذكر من باب كونه مصداقاً للحجّة والشك قد أخذ مصداقاً لغير الحجّة وكأن التقدير هكذا:- ( لا تنقض الحجّة باللاحجّة ) فالمدار على ذلك وليس على اليقين بعنوانه ولا على الشك بعنوانه فإن العقلاء لا يرون خصوصيّة لليقين بما هو يقين بل يرون الخصوصيّة للحجّة فإن الحجّة على الحدوث لا يجوز رفع اليد عنها إلا بحجّة أخرى أما بغير الحجّة فلا . وإذا قبلنا بهذا نفهم أنه في مورد وجود الأمارة الموافقة للاستصحاب سوف لا يكون الاستصحاب قابلاً للجريان في حدّ نفسه فإنه إنما يجري إذا كان المورد من موارد نقض الحجّة بغير الحجّة، أما إذا فرضنا أن المورد ليس كذلك وإنما كان من باب أنه توجد حجّة على بقاء الحالة السابقة - فهناك حجّة على الحدوث وحجّة أخرى على بقاء الحالة السابقة بأن كانت هناك أمارة على الحدوث وأمارة على البقاء - فإنه في هذا المورد لا يكون هناك مجال للاستصحاب إذ لا يصدق رفع اليد عن الحجّة بغير الحجّة وإنما العمل هو بالحجّة على البقاء، فهناك حجّة على البقاء، فكما أن موضوع الاستصحاب يكون مرتفعاً ومنعدماً إذا كانت الحجّة حجّة على عدم البقاء - يعني إذا كانت الأمارة مخالفة للحالة السابقة - كذلك لو كانت الحجّة حجّة موافقة للحالة السابقة فإن هذا ليس من نقض الحجّة باللاحجّة بل هو عملٌ بالحجّة على البقاء، فالمورد ليس مورد الاستصحاب حتى نقول لماذا قُدّمت الأمارة الموافقة على الاستصحاب ؟ إنّ هذا السؤال ليس بوجيهٍ، والنكتة هي أنه مع وجود الأمارة على البقاء لا يكون موضوع الاستصحاب ثابتاً ومحفوظاً فإن موضوعه هو نقض الحجّة باللاحجّة فلابد وأن نفترض في مرحلة البقاء أنه لا توجد حجّة لا على البقاء ولا على الارتفاع وإلا فالمورد ليس مورد الاستصحاب من الأساس فيكون المورد من موارد الورود، يعني يرتفع موضوع الاستصحاب بمجيء الأمارة سواء كانت مخالفة أم موافقة، فالنكتة الموجبة للتقديم هي الورود، وهي نكتة واحدة في مورد الأمارة المخالفة وفي مورد الأمارة موافقة.
ونفس الشيء نقوله إذا كانت الأمارة موافقة لأصل البراءة من قبيل:- ( كلّ شيءٍ لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) فإن كلمة ( تعرف ) نفسرها بالحجّة - يعني حتى تقوم الحجّة على أنه حرام أو حلال -، وحينئذ إذا فرض وجود الحجّة على الحرمة أو على الحليّة فالمورد لا يكون مورد أصل البراءة فتقدّم حينئذٍ الأمارة مخالفة كانت لأصل البراءة أم موافقة من باب الورود ورفع موضوع أصل البراءة . وهكذا الحال بالنسيبة إلى أصل الطهارة - أي ( كلّ شيءٍ لك طاهر حتى تعرف أنه نجس ) - فإنه هنا قلنا إن المقصود هو ( حتى تعرف أنه نجس أو تعرف أنه طاهر ) يعني حتى تقوم الحجّة على نجاسته أو تقوم الحجّة على طهارته، فإذا قامت الحجّة على النجاسة أو على الطهارة فالمورد لا يكون مورد أصل الطهارة من الأساس، فيرتفع مضوع أصل الطهارة رفعاً حقيقياً غايته بالتعبّد وذلك عبارة أخرى عن الورود.
هذا حصيلة الوجه الذي نستند إليه في تقديم الأمارة الموافقة على الاستصحاب أو على أصل الطهارة أو على أصل البراءة.
إن قلت:- إن هذا تامّ إذا فسرنا اليقين والشك في رواية ( لا تنقض اليقن بالشك ) بالحجّة واللاحجّة، ولكن يمكن أن يشكل على هذا التفسير وذلك بأن يقال:- إنه ما المقصود من قولك ( لا ترفع اليد عن الحجّة باللاحجّة ) فهل المقصود ما يكون حجّة في حالة جريان الاستصحاب وفي فرض وجود الاستصحاب أو أن المقصود ما يكون حجّة في مورد عدم جريان الاستصحاب ؟ فإن كان المقصود هو الأوّل، فحينئذٍ نقول:- من قال إنه في مورد جريان الاستصحاب وبعد ملاحظة الاستصحاب يكون الخبر حجّة ؟! إن هذا عين المنازع فيه.
وإن كان المقصود هو الثاني فيجاب:- بأن مثل هذه الحجّة لا تنفع في رفع اليد عن الاستصحاب لأنها بالتالي ليست حجّة حينما تجتمع مع الاستصحاب - فالخبر لا يكون حجّة -، وعلى هذا الأساس لا مانع من جريان الاستصحاب.
وواضح هذا الإشكال يأتي سواء كانت الأمارة مخالفة أو موافقة ولا يختصّ بالأمارة المخالفة أو الموافقة . إذن لا يمكن أن نفسّر اليقين والشك بالحجّة واللاحجّة لأننا سوف نواجه هذا الاشكال
قلت:- هناك شقّ ثالث، وهو أن يكون المقصود من الحجّة هو ما يكون حجّة في حدّ نفسه - يعني ما يكون حجّة بقطع النظر عن الاستصحاب لا في غير مورد الاستصحاب، فالمعنى هو ( لا تنتقض الحجّة إلا بما يكون حجّة لولا الاستصحاب وبقطع النظر عن الاستصحاب ) ولا إشكال في أن خبر الثقة هو حجّة في حدّ نفسه وبقطع النظر عن الاستصحاب ؛ فإن الشارع قد جعل خبر الثقة حجّة في حدّ نفسه وسيرة العقلاء قد انعقد على العمل بخبر الثقة في أيّ مورد من الموارد، فهو إذن حجّة عقلائية لا تختصّ بموردٍ دون موردٍ وقد أمضى الشارع ذلك، إنّنا نفسّر الحجّة بذلك، وهذا صادقٌ على خبر الثقة فإن الشارع أمضى حجّيته العقلائيّة حيث انعقدت سيرة العقلاء على العمل به في جميع الموارد، فهو حجّة في حدّ نفسه، وبناءً على هذا التفسير لا نواجه الإشكال المذكور فيرتفع الاستصحاب بسبب وجود ما هو حجّة في حدّ نفسه.
بهذا نختم حديثنا عن هذا التنبيه.
التنبيه التاسع:- تعارض الاستصحاب مع غيره.
الاستصحاب قد يتعارض تارةً مع استصحابٍ آخر مثله، وأخرى يتعارض مع أصول أخرى غير الاستصحاب كأصل البراءة مثلاً وأصل التخيير وما شاكل ذلك . وكلامنا تارةً يكون فيما إذا تعارض الاستصحاب مع استصحابٍ آخر، وأخرى إذا تعارض الاستصحاب مع أصلٍ آخر . إذن الكلام في مقامين:-
المقام الأول:- تعارض الاستصحاب مع استصحابٍ آخر.
وتعارض الاستصحاب مع استصحابٍ آخر له صورتان:-
الصورة الأولى:- أن يكون أحدهما سببيّاً والآخر مسببيّاً.
الصورة الثانية:- إذا لم يكونا كذلك، كالاستصحاب الجاري في أطراف العلم الإجمالي، بأن كان عندنا إناءان حالتهما السابقة مثلاً هي الطهارة ثم علمنا بطروّ النجاسة على أحدهما، فإنّ استصحاب الطهارة في الأوّل يعارض استصحاب الطهارة في الثاني رغم أن أحدهما ليس سببيّاً والآخر مسببيّاً ولكن توجد معارضة بسبب العلم الاجمالي بكذب أحدهما.
إذن المعارضة بين الاستصحابين تارةً تكون في مورد الأصل السببي وأخرى في مورد العلم الإجمالي بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما.