35/04/09


تحمیل
الموضوع:- التنبيه السابع ( استصحاب الكلّي واستصحاب الفرد المردّد وغير المردّد ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
هذا كلّه من حيث الفرق بين الموردين.
وأما من حيث الحكم فالمعروف بين الأصوليين أن استصحاب الفرد المردّد لا يجري بينما استصحاب الكلّي من القسم الثاني يجري، ولماذا ؟
وقبل أن نبيّن وجه الفرق بينهما نلفت النظر إلى أن من يدّعي عدم الجريان في الفرد المردّد يسلّم بأن إطلاق الحديث شاملٌ للمورد - يعني حديث أن ( لا تنقض اليقين بالشك ) هو من ناحيته يشمل كل موردٍ فيه يقين وشك - . إذن ليس الإشكال من ناحية قصور نفس الحديث وإنما الإشكال هو من ناحية المانع فلابد وأن نبرز مانعاً من التمسّك بالحديث بعد التسليم بأن إطلاقه للمورد - أي استصحاب الفرد المردّد - لا قصور فيه في حدّ نفسه.
وفي هذا المجال نقول:- إن استصحاب الفرد المردّد لا يجري لأنه إذا أردنا استصحاب الفرد فإما أن نستصحب هذا بعينه أو نستصحب ذاك بعينه أو نستصحب عنوان الفرد ؟ والأول باطلٌ لأنه من استصحاب الفرد المعيّن دون المردّد فهو خلف المفروض، مضافاً إلى أنه لايقين بحدوثه بل ولا شك أيضاً لأن المفروض هو أن أحدهما متيقّن الارتفاع والآخر متيقّن البقاء فاين الشك ؟!! إذن من نواحٍ ثلاثٍ لا يجري الاستصحاب في هذا الفرد، هذا إذا لاحظنا هذا الفرد، وهكذا لو لا حظنا الفرد الثاني فالكلام هو الكلام . إذن المناسب هو الشق الثالث.
وأما بالنسبة إلى الشق الثالث - يعني إجراء الاستصحاب في عنوان الفرد - فنسأل هل نجري الاستصحاب في عنوان الفرد بما هو عنوان فرد أو نجريه فيه بما هو مرآة للفرد المردّد أو نجريه فيه بما هو مرآة للفرد الواقعي ؟ والجميع باطلٌ:-
أما الأوّل:- فهذا من استصحاب الكلّي وليس من استصحاب الفرد فإن عنوان الفرد بما هو عنوان الفرد هو شيءٌ كليٌّ كسائر العناوين الكليّة فإجراء الاستصحاب فيه هو اجراء لاستصحاب الكلّي دون استصحاب الفرد فهو خلف المفروض، مضافاً إلى أنا افترضنا أن عنوان الفرد بما عنوان فرد لم يترتّب عليه أثرٌ وإنما الأثر ترتّب على واقع الفرد - يعني زيد بعنوان زيد لا بعنوان فرد وعمرو بعنوان عمرو لا بعنوان فرد - . فإذن هذا الاحتمال باطل.
وأما الاحتمال الثاني - أي اجراء الاستصحاب في عنوان الفرد بما هو مرآة للفرد المردّد - فباعتبار أن الفرد المردّد لا واقع له إذ كلّ ما هو حاصلٌ خارجاً هو هو لا هو أو غيره فأنا أنا لا أنا أو غيري يعني أنا معيّن وأنت معيّن ولا يوجد مردّدٌ في الخارج فإن وجود المردّد في الخارج شيءٌ مستحيلٌ في حدّ نفسه بل كلّ ما هو في الخارج هو معيّن . إذن أخذ عنوان الفرد كمرآةٍ إلى واقع المردّد باطلٌ لأن واقع المردّد لا تحقّق له في عالم الخارج.
وأما الاحتمال الثالث - أعني أخذ عنوان المردّد مرآةً إلى ذلك الفرد الواقعي الذي حدث فإن هناك فرداً قد حدث وذلك الفرد نتيقّن بحدوثه ونشكّ في بقائه فنجري الاستصحاب فيه - فباعتبار أن الفرد الواقعي لا يخلو من أحد اثنين لا ثالث لهما إنه إما زيدٌ وقد فرضنا أنه لا يقين بحدوثه ولا شك، أو عمروٌ فكذلك . إذن ذلك الفرد الواقعي لا يخلو من هذين وهما لا يجري فيهما الاستصحاب ولا يوجد فردٌ ثالث غير ذلك حتى يمكن جريان الاستصحاب فيه إذ الفرد المردّد - أي واقع المردّد - لا تحقق له خارجاً فلا معنى لأن يكون الاستصحاب جارياً فيه، وعنوان الفرد بما هو عنوان الفرد قلنا هو ليس محطاً للإثر . إذن كيف تجري الاستصحاب في الفرد المردّد ؟!!
هذا كلّه لو فرضنا أن أحد الفردين كان مقطوع البقاء والآخر مقطوع الارتفاع.
أما إذا فرضنا أن أحدهما مقطوع البقاء والآخر مشكوك الارتفاع لا مقطوع الارتفاع أو بالعكس فقد يتخيّل متخيّل أنه آنذاك سوف يقلّ المحذور إذ فيما سبق كنّا نقول لا يجري الاستصحاب في الفرد - يعني هذا - لأمورٍ ثلاثة أحدها أن هذا استصحاب للمعيّن دون المردّد والثاني أنه لا يقين والثالث أنه لا يوجد شكّ بلحاظ الفرد بل هو إما متيقن البقاء أو متيقن الارتفاع ولا يوجد شكٌّ أما إذا فرضنا أن أحدّ الفردين كان مشكوكاً فحينئذٍ المحذور الثالث سوف يزول فيقلُّ المحذور.
وجوابه:- إن المحذور الثالث باقٍ على حاله فإنه يلزم وجود الشكّ على كلا التقديرين - يعني على تقدير أن يكون ذلك الفرد هو الأول يلزم وجود شك وعلى تقدير كونه هو الثاني يلزم وجود شك - والمفروض هنا أن الشكّ موجودٌ على أحد التقديرين دون الآخر فالمحذور الثالث . إذن بعد باقٍ على حاله لا أنه سوف يضعف ويقل.
ومن خلال هذا كلّه اتضح الفارق بين استصحاب الفرد المردّد واستصحاب الكلّي فإن استصحاب الكلّي جارٍ إذ المفروض أنا نلاحظ لا هذا بما هو فرد - أي في استصحاب الكلّي - ولا ذاك بما هو الفرد المعيّن وإنما نلحظ الجامع العرفي- أعني مفهوم الأحد العرفي - وهو صادقٌ جزماً فيما إذا فرض أن الأثر يترتب عليه فهذا الأحد كان متيقّناً سابقاً جزماً - أحدٌ بما هو أحد من دون تشخيصٍ في هذا أو هذا - وهو مشكوك البقاء أيضاً ولو تردّد طرفيه فهو بالتالي مشكوك البقاء . أما إذا نظرنا إلى الأحد وفرضنا أن الأثر ثابتٌ إلى الأحد فالأحد حينئذٍ متيقّن الحدوث ومشكوك البقاء فلا اشكال.
إذن بهذا اتضح الوجه في عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردّد وجريانه في الكلّي.
وقد يقترح مقترح ويقول:- إنه يوجد علمٌ إجماليٌّ بوجود أحد الفردين، فصحيحٌ أنا لا أتيقن بهذا بخصوصه ولا أتيقن بذاك بخصوصه ولكن لي علمٌ إجماليٌّ بأن أحدهما متحقّقٌ جزماً إذ هذا لا شكّ فيه - أي تحقق أحدهما - ومعه لا نحتاج إلى الاستصحاب بل هذا العلم الاجمالي سوف يؤدّي نفس دور الاستصحاب بشكلٍ أقوى إذ بالتالي إذا حصل العلم الاجمالي فيلزم تطبيق أثر هذا الفرد وأثر ذاك الفرد – أي أن نجمع بين كلا الاثرين يعني نقرأ سورة يس ونقرأ سورة الواقعة إذ يوجد علمٌ إجماليٌّ بحدوث أحدهما، فإذن الاستصحاب إذا فرض أنه لم يجرِ لا يلزم مشكلة إذ بالتالي أن الأثر سوف يترتّب بل لعلّه بشكلٍ أقوى بالجمع بين الأثرين ولا نكتفي بأثرٍ واحدٍ.
والجواب:- إن المهمّ ليس هو إثبات الحدوث وإنما هو إثبات البقاء، فإنّا فرضنا أن الأثر مترتّب على البقاء، يعني افترضانا أن زيداً دخل وكان باقياً في المسجد إلى الزوال فالبقاء إلى الزوال هو محطّ الأثر فيلزم قراءة سورة الواقعة، وإذا كان ذاك عمروا ًفيلزم قراءة سورة يس، ومن الواضح أن العلم الاجمالي بالبقاء ليس موجوداً وإنما الموجود هو العلم الاجمالي بالحدوث فأنا أعلم بأن أحدهما قد دخل جزماً أما أن أحدهما باقٍ إلى الزوال فهذا لا يوجد به علم أجمالي لاحتمال أن الداخل هو مقطوع الارتفاع أو مشكوك الارتفاع، إنه لا يوجد علمٌ إجماليٌّ بالبقاء وإنما يوجد علمٌ إجماليٌّ بالحدوث والمفروض أن الأثر مترتّب على البقاء . إذن العلم الاجمالي لا ينفعنا في حلّ هذه المشكلة.
والنتيجة النهائية:- هي أن الاستصحاب في الفرد المردّد لا يجري لأجل النكتة المذكورة والبيان المتقدم.