35/03/25


تحمیل
الموضوع:- التنبيه السادس ( الاستصحاب في مؤديات الأمارات والأصول ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
فإن كان المقصود هو الأول - يعني الملازمة الواقعيّة - فيرد إشكالان:-
الإشكال الأول:- إن هذا خلاف الواقع إذ ما أكثر الأشياء التي تحدث ولا تبقى فمثلاً[1] نتوضأ صباحاً وبذلك حدثت الطهارة ثم بعد ذلك تفنى وتزول ولا تبقى بسب النوم أو بسببٍ آخر، وهكذا الكريّة فنجزم بكون الماء كرّاً ثم تزول بعد ذلك، فإذا كان المقصود هو الملازمة واقعاً في عالم الواقع بين الحدوث والبقاء بقطع النظر عن الشك فهذا إِخبارٌ على خلاف الواقع فواقعاً لا توجد مثل هذه الملازمة، وذلك لو فرض في باب القصر أن شخصا ًجاءنا بمثالٍ واحدٍ تقصر فيه الصلاة دون الصوم فسوف يُسجّل ذلك نقضاً على القاعدة فيقال إن هذه القاعدة كاذبة لأنه لم تَثبُت الملازمة في هذا المورد إذ الملازمة المقصودة هي الواقعيّة فشذوذ ولو مورداً واحداً يدلّ على أن تلك الملازمة الواقعيّة ليست ثابتة . إذن جواب السيد الخوئي(قده) هو أن هذا خلاف الواقع.
الإشكال الثاني:- إنه بناءً على الملازمة الواقعيّة سوف يكون البقاء ثابتاً بنفس دليل الأمارة الدالة على الحدوث وليس بدليل الاستصحاب - أي ( لا تنقض اليقين بالشك ) فإنه بعدما أخبرنا دليل الاستصحاب بوجود ملازمة واقعيّة بين الحدوث والبقاء فالأمارة إذا أخبرت وقالت ( إن هذا الماء المتغيّر نجسٌ ) فبالالتزام سوف تدلّ على أن هذه النجاسة باقية إلى الأبد لأن الدالّ على المعنى المطابقي دالّ على المعنى الالتزامي والمفروض أنه توجد ملازمة واقعّية فسوف يثبت البقاء بدليل الأمارة - أي بالدليل الاجتهادي - وليس بالاستصحاب - أعني بالأصل والدليل الفقاهتي -.
ولعلك تقول:- فليكن هكذا، أو بعبارة أخرى ماذا يؤثر هذا المقدار فهذا لا يسجّل إشكالاً ؟
وجوابه:- إن من البديهيات أن البقاء ثابتٌ بالاستصحاب ويترتب على ذلك تقديم بعض الأصول على بعض الأصول الأخرى، أما بناءً على ثبوت البقاء بالأمارة فحينئذٍ لا يمكن تطبيق أحكام الأصل العملي، فمن أحكام الاستصحاب مثلاً أنه لا يقف أمام قاعدة الصحّة وقاعدة الفراغ وغيرهما بينما بناءً على الملازمة الواقعيّة فسوف يقف أمامها لأن البقاء ثابتٌ بالدليل الاجتهادي وليس بالاستصحاب ومدرك أصالة الصحّة أو الفراغ إذا كان دليلاً اجتهادياً فهذا أيضاً مدركة دليلٌ اجتهاديٌّ فكلاهما دليل اجتهاديٌّ فما الموجب لتقديم هذا على ذاك والحال أنه من البديهيات نقول إن مدرك البقاء حيث هو الاستصحاب فيقف أمام أصالة الصحّة التي مدركها دليلٌ اجتهاديٌّ .... وهكذا . إذن هناك أحكام خاصة بالأصل وبالاستصحاب نطبّقها وسوف لا نطبّق هذه الأحكام آنذاك وإنما سوف نطبّق أحكام الدليل الاجتهادي وهذا لم يقل به أحد.
وأما الاحتمال الثاني - يعني إذا كان المقصود جعل الملازمة في مرحلة الظاهر يعني في مرحلة التنجز فيقال إذا تنجز حدوثاً تنجز بقاءً فأشكل عليه(قده):- بأن هذا على خلاف الواقع أيضاً، ففي باب العلم الاجمالي إذا فرض على أنه كنّا نعلم بنجاسة أحد الأناءين فهنا يحدث تنجيسٌ، ولماذا يحدث التنجيس ؟ لأنه يحصل علمٌ بوجود النجس ولازم ذلك عدم جريان أصل الطهارة في هذا الطرف ولا في ذاك إذ يتعارضان ويتساقطان بسبب العلم الاجمالي ولكنّه إذا فرض بعد ذلك أن الأمارة بعد ذلك قامت على أن النجس هو هذا - فلم يحصل قطعٌ وإنما الأمارة قامت على ذلك - فهنا أصل الطهارة في مرحلة البقاء لا يتعارض فلا يجري في هذا الإناء الذي دلّت الأمارة على أنه نجس فيجري في الإناء الآخر بلا معارضة فيرتفع بذلك التنجّز - أي في مرحلة البقاء - فكيف إذن تقول أيها الخراساني إن حديث ( لا تنقض اليقين بالشك ) يجعل ملازمة في مرحلة التنجّز ؟! إن هذا كاذبٌ أيضاً لأنه في باب العلم الاجمالي يحدث التنجّز في البداية ولكن عند قيام الأمارة يزول ولا توجد ملازمة بين التنجّز الحدوثي وبين التنجّز في مرحلة البقاء . إنه لا يمكن أن يكون المقصود هو الملازمة الواقعيّة ولا الملازمة في مرحلة التنجّز فهذه الفكرة باطلة من الأساس . هذا ما أفاده السيد الخوئي(قده) في الاشكال على ما ذكره الشيخ النائيني(قده).
وفيه:- إنه(قده) حصر أمر الملازمة باحتمالين فإما أن تكون ملازمة واقعيّة أو تكون ملازمة بين التنجّزين ولا يوجد شكلٌ ثالثٌ للملازمة، والحال أنه من الواضح أن تكون الملازمة الوجيهة بهذا الشكل:- ( إذا حدث الشيء واقعاً فأنا الشارع أحكم ببقائه حكماً ظاهرياً - يعني مادمتَ شاكّاً - )، إن العاقل المولى يصنع هكذا فالعبد يقول لمولاه سيدي أنا توضأت جزماً أو أن عباءتي كانت طاهرة لأني دخلت إلى النهر وغسلتها ولكن بعد أن خرجتُ شككت بأنها تنجّست أو لا فأقول له إنه مادام قد حدثت الطهارة فيما سبق فأنا أعبّدُك في مرحلة الشك ببقاء الطهارة . هكذا تكون فالملازمة بين الحدوث الواقعي والبقاء الظاهري - يعني في مرحل الشك - وبذلك ترتفع جميع الاشكالات التي أوردها(قده)، فالإشكالان الأوّلان اللذان أوردهما على الملازمة الواقعيّة سوف يرتفعان لأنهما ناظران إلى حالة كون المقصود هو جعل ملازمة بين الحدوث الواقعي والبقاء الواقعي أما هنا فنحن لا نقول إن الملازمة هي بين الحدوث الواقعي والبقاء الواقعي بل بين الحدوث الواقعي والحدوث الظاهري - يعني في مرحلة الشك -، وهكذا لا يرد الاشكال الذي سجله على الاحتمال الثاني - أعني أن هذا خلف ما ثبت في باب العلم الاجمالي من أنه لو قامت الأمارة على أن هذا الطرف نجس فالتنجّز سوف يزول في مرحلة البقاء - فنقول إن هذا الاشكال لا يأتي ايضاً والوجه في ذلك هو أننا ندّعي أن البقاء يثبت على مستوى الحكم الظاهري - يعني في مرحلة الشك - والمفروض في مثال العلم الاجمالي أن المنجِّز هو تعارض الأصول بسبب العلم الاجمالي وهذا المنجِّز قد زال في مرحلة البقاء إذ بعد قيام الأمارة على أن هذا نجسٌ فالأصل غير قابل للجريان فالتنجّز سوف يزول قطعاً لا أننا نشك في بقاء التنجّز إذ سبب التنجّز هو تعارض الأصول بسبب العلم الاجمالي وهذا التعارض قد زال قطعاً فلا يوجد شكٌّ في التنجّز حتى تأتي الملازمة بل يوجد قطعٌ بعدم ثبوت التنجّز والمفروض أننا ندّعي الملازمة في هذا الاحتمال الثالث بين الحدوث الواقعي للتنجّز وبين البقاء الظاهري - يعني في مرحلة الشك في بقاء التنجّز - والمفروض هنا أنه لا يوجد شكٌّ في بقاء التنجّز بل يوجد قطعٌ بارتفاعه لأن ذلك التنجّز هو بسبب تعارض الأصول وذاك قد زال جزماً . إذن هذا الاشكال لا يتوجّه أيضاً مادمنا نقول بأن الحكم في مرحلة البقاء هو حكمٌ ظاهريٌّ - أي في حالة الشك -وهنا لا يوجد شكّ . إذن ما سجله من الاشكالات على الاحتمالين لا يردان هنا لأننا نقول باحتمالٍ ثالث كما أوضحنا.
والأجدر في ردّ الشيخ الخراساني أن يقال:- إنك حملت كلمة ( اليقين ) على الطريقيّة إلى الحدوث الواقعي، ونحن نقول من أين لك هذا ؟ فإن ظاهر كلمة اليقين هو اليقين وحملها على المتيقّن الذي هو في مقامنا حدوث الشيء واقعاً يحتاج إلى قرينة ولا توجد قرينة على ذلك بل هي مجرد دعوى فالروايات قالت ( لا تنقض اليقين بالشك ) وأنت تقول إن اليقين ليست له مدخليّة بل لا تنقض الحدوث فأنت حذفت كلمة ( اليقين ) من الاعتبار وجعلتها مجرّد وسيلة فهذا مخالفٌ للظاهر، أو لا أقل هذا محتملٌ وذاك محتملٌ، يعني كما أن إرادة الطريقيّة الذي ذكرته أنت محتملٌ فإرادة الموضوعيّة محتملٌ أيضاً فكيف تحمل كلمة ( اليقين ) على المرآتية ؟ إنه لابد لك من مثبت وهو معدومٌ.


[1] وهذا المثال منّي وهو(قده) لم يذكر مثالاً.