35/03/04


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الخامس ( الاستصحاب في الموضوعات المركبة ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
الجهل بتاريخ أحدهما:- أما إذا فرض أن أحدهما مجهول التاريخ والآخر كان معلوم التاريخ فهل يجري الاستصحاب في كليهما أو يجري في خصوص مجهول التاريخ دون المعلوم ؟ يوجد قولان في المسألة ، ولتوضيح ذلك نذكر مثالاً وهو ما إذا فرض أنه في الساعة الأولى كان الماء ليس بكرٍّ ولم تلاقه نجاسة وفي الساعة الثالثة جزمنا بأنه صار كرّاً ولكن لا ندري هل أن النجاسة لاقته قبل ذلك - أي قبل الساعة الثالثة يعني في الساعة الثانية - أو أنه لاقته بعد ذلك - يعني في الساعة الرابعة - فإن لاقته قبل ذلك فهو نجسٌ وإن لاقته بعد ذلك فهو طاهرٌ فماذا نصنع في مثل هذه الحالة ؟

ذكر الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل أن الاستصحاب لا يجري في معلوم التاريخ ، يعني لا يجري استصحاب عدم الكريّة لأن الكريّة تاريخها معلومٌ - وهو الساعة الثالثة مثلاً - ويختص جريان الاستصحاب بمجهول التاريخ يعني أنه يجري استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكريّة - يعني الى الساعة الثالثة - أما استصحاب عدم الكريّة فلا يجري لأن تاريخ الكريّة معلوم ، ولماذا لا يجري الاستصحاب في معلوم التاريخ ويجري في المجهول ؟ علّل ذلك فقال:- لأنك حينما تريد أن تستصحب عدم الكريّة فنسأل هل أنك تستصحب ذلك بلحاظ عمود الزمان أو بلحاظ الحادث الآخر - يعني في حال الملاقاة - فعلى الأوّل - يعني أقول أنا أشك هل حصلت الكريّة في الساعة الثانية مثلاً فاستصحب العدم وهكذا ... وهكذا في جميع عمود الزمان يعني في جميع الساعات بما هي ساعات - فهذا لا يجري باعتبار أنه لا يوجد شكّ بلحاظ عمود الزمان إذ في الساعة الثانية نجزم بأنه لا كريّة فلا يوجد شكٌّ ، وفي الساعة الثالثة وما بعدها نجزم بتحقّق الكريّة فأين الشك حتى يجري الاستصحاب ؟!

وأنا أضيف فأقول:- هذا مضافاً الى أن الاستصحاب لا يجري للنكتة الثانية وهي أنه ليس محلّاً للأثر بهذا الاعتبار فإن عدم الكريّة بلحاظ عمود الزمان ليس محطاً للأثر وإنما محط الأثر هو عدم الكريّة في زمن الملاقاة أما عدم الكريّة بلحاظ الساعات فهذا لا أثر له.
وأما إذا كان المقصود هو إجراء الاستصحاب بلحاظ الحاث الآخر - أي بلحاظ الملاقاة - فلا توجد حالة عدميّة متيقنة فيما سبق لأن عدم الكريّة بلحاظ زمن الملاقاة يستدعي أن نفترض وجود ملاقاة وقد سبقها عدم الكريّة ثم نشك أن عدم الكريّة هذا هل هو باقٍ أو ليس بباقٍ والحال أنه لا توجد حالة سابقة عدميّة متيقنة بلحاظ الملاقاة فإنها فرع تحقّق الملاقاة والمفروض أنه لا يوجد عندنا زمانٌ كانت فيه ملاقاةٌ جزماً وكان سابقاً لا كريّة ثم نشك فنستصحب . إذن اتضح أن استصحاب عدم الكريّة لا يجري بلحاظ عمود الزمان إذ لا شكّ وبلحاظ الملاقاة لا يوجد حالة سابقة عدميّة متيقّنة.
وهذا بخلافه بلحاظ مجهول التاريخ فإنه يمكن أن نجري الاستصحاب - يعني نستصحب عدم الملاقاة - إذ بلحاظ عمود الزمان يوجد شكٌّ وبلحاظ الحادث الآخر أيضاً يوجد شكّ لأن الحادث الآخر - وهو الكريّة - قد تحقّق في الساعة الثالثة وحتماً هو قبل الساعة الثالثة لم تكن الملاقاة موجودة فنشكّ في تحققها الى زمن الكريّة فنستصحب العدم بلا إشكال ونصّ عبارته:- ( وربما يتوهم جريان الاصل في طرف المعلوم بأن يقال الاصل عدم وجوده في الزمان الواقعي للآخر ويندفع بأن نفس وجوده غير مشكوك في زمانٍ وأما وجوده في زمان الآخر فليس مسبوقاً بالعدم )[1]

ومقصوده من قوله ( إن نفس وجوده غير مشكوك في زمانٍ ) يعني بلحاظ عمود الزمان أي بلحاظ الساعات فإنه في الساعة الثانية الكريّة لا توجد الكرية جزماً وفي الثالثة وما بعدها فهي جزماً موجودة فأين الشك في عمود الزمان ؟! مضافاً الى الاضافة التي ذكرتها وهي أنه ليس محطاً للأثر ، وقوله ( وأما وجوده في زمان الآخر فليس مسبوقاً بالعدم ) يقصد ( في زمان الملاقاة ) يعني أنه لا يوجد زمانٌ كانت فيه ملاقاة وقبلها لا كريّة حتى نستصحب عدم الكريّة الى زمن الملاقاة .
هذا ما أفاده(قده) ووافقه عليه العلمان الشيخ الخراساني(قده) في كفايته والشيخ النائيني(قده) غايته أن الشيخ الخراساني أعمل تغييراً ما فهو قد وافق الشيخ الأعظم في أصل المدعى ولكنه اختلف معه في الطريق اختلافا يسيراً فإنه قال إنه بلحاظ عمود الزمان لا شك وبلحاظ الحادث الآخر هو مجهول التاريخ - يعني أن عدم الكريّة أو الكرية هو مجهول التاريخ - لأنه هو معلوم التاريخ بلحاظ عمود الزمان لأنا نعلم أنه في الساعة الثالثة حدثت الكريّة أما بلحاظ الحادث الآخر فهو مجهول التاريخ فيدخل في مجهولي التاريخ فكلاهما إذن سوف يصير مجهول التاريخ وقد قلنا في مجهولي التاريخ أنه لا يجري الاستصحاب لعدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، ونصّ عبارته:- ( إن جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ لا يمكن لأنه بلحاظ قطعات الزمان لا شكّ في وأما بلحاظ الحادث الآخر فكلاهما مجهول التاريخ وقد تقدم أن الاستصحاب لا يجري فيهما لعدم احراز الاتصال ).

وأما السيد الخوئي(قده)[2]:- فقد ذكر أن الاستصحاب يجري في كليهما معاً - يعني في مجهولي التاريخ وفي معلومه - وذلك باعتبار أن معلوم التاريخ هو معلومٌ بلحاظ القطعات الزمانيّة وعمود الزمان وأما بلحاظ الحادث الآخر فهو ليس بمعلومٍ بل هو مشكوكٌ فيجري الاستصحاب بلحاظه وعبّر عن ذلك بـــ( الزمان النسبي ) فالزمان زمانان زمان تفصيلي وزمان نسبي فالزمان التفصيلي يعني الساعة الأولى والثانية والثالثة ... فبلحاظ الزمان التفصيلي لا يوجد شكّ لأنّا نجزم أن الكريّة في الساعة الأولى والثانية غير موجودة وفي الساعة الثالثة وما بعدها هي موجودة حتماً فبلحاظ الزمان التفصيلي حتماً لا شكّ وأما بالنسبة الى زمان الآخر - يعني الكرية أو عدم الكرية - بالنسبة الى زمان الملاقاة فهو مجهولٌ فنستصحب عدم الكريّة الى زمان الملاقاة ، هكذا قال(قده) . وهذا المطلب كما عرفت قد ذكره الشيخ الأعظم(قده) حيث قال إن إجراء الاستصحاب بلحاظ عمود الزمان لا شكّ وبلحاظ الحادث الآخر - أي الزمان النسبي - لا توجد حالة سابقة متيقنة يعني أنه لا يوجد زمان نشير فيه الى عدم كريّة محرز بنحو اليقين حتى نستصحبه لأن ذلك كما قلنا فرع وجود الملاقاة.

النتيجة النهائية:- إن الشيخ الاعظم(قده) يرى جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ لولا المعارضة وإذا كان أحدهما مجهولاً والآخر معلوماً فالمعلوم لا يجري فيه الاستصحاب والمجهول يجري فيه الاستصحاب ، وأما السيد الخوئي(قده) فاتضح أن رأيه هو أن الاستصحاب يجري بالنسبة الى مجهولي التاريخ كما قال الشيخ الأعظم(قده) - يعني هو قابلٌ للجريان لولا المعارضة - وأما بالنسبة الى المعلوم والمجهول فيجري فيهما معاً لولا المعارضة أيضاً فلا فرق عند السيد الخوئي(قده) بين مجهولي التاريخ وبين ما إذا كان أحدهما مجهولاً والآخر معلوماً ففي الجميع يكون الاستصحاب قابلاً للجريان.

والمناسب في القمام أن يقال:- أما بالنسبة الى ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) - من أن عدم الكريّة بالقياس الى الحادث الآخر أعني زمان الملاقاة لا يجري استصحاب عدم الكريّة باعتبار أنه لا يوجد زمانٌ يتيقّن فيه بعدم الكريّة سابقاً حتى يجري الاستصحاب إذ ذلك فرع وجود زمان ملاقاة ويكون هناك حالة سابقة هي عبارة عن عدم الكريّة حتى يجري استصحاب عدم الكريّة ولكن لا يوجد عندنا شيء من هذا القبيل يعني وجود ملاقاة وقد سبقها عدم كريّة – فيردّه:- إن هذا يتمّ إذا أخذ عنوان الملاقاة بنحو الموضوعيّة فإنه إذا أخذ بنحو الموضوعيّة وكان عدم الكريّة مقيَّداً بزمان الملاقاة فما أفاده يكون وجيهاً فإن عدم الكريّة المقيّد بالملاقاة بما هي ملاقاة فرع وجود الملاقاة في زمانٍ والمفروض أنه لا يوجد زمان نتيقّن فيه بالملاقاة وتكون الحالة السابقة هي عدم الكريّة ، أما إذا أخذنا الملاقاة بنحو المشيريّة الى واقع الزمان - كما هو المفروض - وعدم الكريّة لم يؤخذ مقيّداً بذلك الزمان وإنما أخذ بنحو التركيب يعني بتعبير آخر إنه متى ما ثبت عدم الكريّة والملاقاة في زمانٍ فيثبت بذلك التنجّس إنه إذا افترضنا هكذا فنتمكن آنذاك أن نجري الاستصحاب إذ أن الملاقاة حاصلة في زمانٍ جزماً إما في الساعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة وقبل هذه الأزمنة الواقعية جزماً لم تكن كريّة ، فإذن عدم الكريّة كان ثابتاً فيما سبق - أي قبل زمان الملاقاة - ونتمكن أن نجزم الآن ونقول إنّا نجزم أنه قبل زمان الملاقاة لم تكن الكريّة موجودة ولكن نشك ونحتمل أنها حدثت قبيل الملاقاة – أي إن هذا احتمالٌ ولكنها قبلاّ لم تكن موجودة - فيجري استصحاب عدم الكريّة الى زمان الملاقاة ولا إشكال في ذلك وإلا فيرد الاشكال في مجهولي التاريخ فإنه قبل فيهما جريان الاستصحاب في كل منهما لولا المعارضة ومادام قد قبله هناك فليقبله هنا فنجري استصحاب عدم الكريّة بلحاظ زمن الملاقاة ولا معنى لقولك إنه لا توجد حالة سابقة عدميّة متيقّنة فإن هذا لا معنى له إذ لو تمّ هنا فسوف يتم في مجهولي التاريخ أيضاً.

والخلاصة:- إنه بالنسبة الى ما أفاده الشيخ الأعظم(قده) من أنه لا توجد حالة سابقة عدميّة متيقّنة إنه مدفوعٌ بأن هذا يتم فيما إذا أخذنا الملاقاة بنحو القيديّة والموضوعيّة دون ما إذا أخذت بنحو المعرّفيّة كما هو الحال في مجهولي التاريخ.