35/02/05


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الخامس ( الاستصحاب في الموضوعات المركبة ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
الإشكال الثاني:- إن الاستصحاب إنما يجري لأجل أن ينجّز الحكم الذي يثبت به فحينما نستصحب وجوب صلاة الجمعة فهو ينجّز لنا وجوب الجمعة والاتيان بها أما إذا فرضنا أنه لا يوجد حكم فماذا ينجّز آنذاك ؟ إنه لا يكون صالحاً للتنجيز آنذاك فلا يجري وفي المقام نقول إنه لا يمكن أن يجري الاستصحاب في أحد الجزأين لأن أحدهما لا يوجد له حكمٌ حتى يتنجّز بالاستصحاب إذ أن الحكم ثابت لمجموع الجزأين وليس لكلّ واحدٍ منهما فإن المفروض هو وجود حكمٍ واحدٍ منصبّ على مجموع الجزأين أما أن هذا الجزء بخصوصه أو ذاك بخصوصه فلا يوجد له حكم حتى يتنجّز فمثلاً حينما نستصحب عدم الكريّة إلى حين الملاقاة ماذا نريد أن ننجّز ؟ إنّا نريد أن ننجّز الحكم بالنجاسة بيد أن المفروض هو أن الحكم بالنجاسة ليس مترتباً على عدم الكريّة بل على المجموع - أعني الملاقاة عند عدم الكريّة - إذن لا يوجد لكلّ واحدٍ من الجزأين حكمٌ خاصٌّ به حتى يتنجّز بالاستصحاب.
وفيه:- صحيح أن وظيفة الاستصحاب هي التنجيز التعذير وصحيح أيضاً أن التنجيز والعذير يكون بلحاظ الحكم ولكن نقول إنه لا يلزم في الاستصحاب أن يكون منجّزاً للحكم بنحوٍ استقلاليّ بل يكفي أن يكون عاملاً مساعداً على ثبوت التنجيز - أو بالأحرى يكون طريقاً لإثبات التنجيز - وفي المقام الأمر كذلك فإن الاستصحاب لو جرى في عدم الكريّة فسوف يقع في طريق التنجيز لأنه بالتالي سوف تتنجّز النجاسة بعد ضمّ الوجدان - يعني بعد ضم ثبوت الملاقاة بالوجدان - فإنه بعد ضمّ ثبوت الملاقاة بالوجدان سوف يكون الاستصحاب مساعداً على ثبوت هذا التنجيز فهو جزء العامل لثبوت التنجيز فلا يلزم أن يكون الاستصحاب عاملاً وسبباً مستقلاً للتنجيز بل يكفي أن يكون نصف السبب وفي المقام هو نصف السبب لأنه لولا الاستصحاب لم يثبت النتجيز فإن ثبوت الملاقاة بالوجدان وحدها لا تثبت التنجيز إذ لا يوجد عدم الكريّة فاستصحاب عدم الكريّة إذن ساعد ووقع في طريق التنجيز وصار نصف السبب للتنجيز وهذا المقدار يكفي.
إن قلت:- من أين لك أنه يكفي في جريان الاستصحاب أن يكون عاملاً مساعداً في ثبوت التنجيز ولا يلزم أن يكون سبباً مستقلاً ؟
قلت:- إن النكتة لاعتبار كون الاستصحاب منجّزاً أو معذراً ما هي فلنرجع إلى تلك النكتة في التي تجيبنا عن هذا التساؤل وإذا رجعنا إلى النكتة وجدناها هي لزوم اللغوية فإنه إذا لم يلزم تنجيز ولا تعذير فإجراء الاستصحاب يكون لغواً[1] فتمام النكتة هو محذور اللغوية ومن الواضح إن محذور اللغوية يندفع بكون الاستصحاب تمام السبب أو جزء السبب لثبوت التنجيز والعذير.
إن قلت:- يمكن إن نحلّ المشكلة بلا حاجة إلى هذا الجواب وهو أنه يكفي يكون الاستصحاب جزء السبب لثبوت التنجيز وإنما هناك جواباً أحسن منه وفي مرتبة أسبق وذلك بأن نقول إن الحكم مادام قد انصبّ على مجموع الجزأين فكلّ جزءٍ إذن قد انصب عليه الحكم على تقدير انضمام الجزء الثاني إليه فصحيحٌ أن التنجّس قد ثبت للملاقاة بشرط عدم الكريّة ولكن يمكن أن نقول يوجد هنا حكمان الأوّل ثابتٌ للملاقاة فنشير إلى الملاقاة ونقول إن الملاقاة توجب التنجّس إن انضمّ إليها عدم الكريّة وهكذا نشير الى عدم الكريّة ونقول هو موجب للتنجّس إن انضمت إليه الملاقاة فبالتالي حصلنا لكلّ جزءٍ على حكمٍ والتنجيز يكون بلحاظه فلا نحتاج إلى الجواب السابق بل يكفينا هذا الجواب.
قلت:- إن كل واحدٍ من هذين الحكمين ليس مجعولاً من قبل الشارع حتى يقبل التنجز وإنما هو انتزاعيّ منّا فالعاقل بعد أن يسمع أن حكماً واحداً قد تعلّق بهذا المجموع فهو ينتزع ويجعل من قبله أن هذا يوجب النجاسة إذا اجتمع معه الجزء الثاني إنه مجعول عقلائياً وليس مجعولاً شرعياً فلا يقبل التنجز ، وعلى هذا الأساس تكون هذه الفكرة محلّ تأمل والصحيح ما ذكر من أنه يكفي أن يكون الاستصحاب نصف السبب لإثبات التنجّز.
الإشكال الثالث[2]:- وحاصله:- إن الاستصحاب لا يجري في جزء المركّب والوجه في ذلك هو أنه متى ما افترضنا وجود مركّب فذلك يعني أن الأجزاء سوف تصير ثلاثة وليست اثنين الجزء الأول هو عدم الكريّة والجزء الثاني هو الملاقاة والجزء الثالث هو الانضمام فإن حيثية الانضمام ملحوظة في المركّب إذ لو لوحظت ذوات الأجزاء ولم تلحظ حيثية الانضمام لما صدق آنذاك عنوان المركّب فالمركّب مأخوذةٌ فيه حيثية ملاحظة الانضمام – أي بشرط أن يكون أحدهما منضماً الى الآخر - وإلا لم يصدق عنوان الانضمام . إذن يوجد جزءٌ ثالث في البين وذلك الجزء الثالث لا يمكن أن يثبت بالاستصحاب والاستصحاب بلحاظه يكون أصلاً مثبتاً لأن عنوان الانضمام هو مثل عنوان حيثيّة المجموع أو الاقتران فكما قلنا إن حيثية الاقتران لا تثبت بالاستصحاب كذلك حيثيّة الانضمام لا تثبت بالاستصحاب.
ومن هذا يتضح أن صاحب هذا الإشكال لا ينكر أن الحكم إذا كان منصبّاً على ذوات الأجزاء فالاستصحاب قابل للجريان فإنه لا ينكر هذه الكبرى وإنما نقاشه بالتالي يصير صغرويا يعني يريد أن يقول إن الحكم هو دائماً منصبٌ ليس على ذوات الأجزاء بل على حيثيّة الانضمام فحيثيّة الانضمام مأخوذةٌ فإن المركب متقوّم بحيثية الانضمام . إذن أتمكن أن أنسب إليه إن أصل الكبرى ليس عنده كلام فيها فإنه إذا كان الحكم ثابت لذوات الأجزاء فهو أيضاً يسلّم بأن الاستصحاب يجري وينضم إلى الوجدان ويثبت تمام الموضوع ولكن نقاشه نقاش صغروي فهو يريد أن يقول إنه في المركب لا ينصب الحكم على ذوات الأجزاء بل حيثية الانضمام مأخوذة بعين الاعتبار ومعه لا يمكن أن يجري الاستصحاب إذ به لا تثبت حيثيّة الانضمام.
وفيه:- إننا نسلم بالأصول الموضوعيّة التي ذكرها ولكنها لا تنتج ما أراد فنسلّم أنه في باب المركب يلزم أخذ حيثيّة الانضمام وإلا إذا لم نلاحظ حيثيّة الانضمام لا يصير هذا شيئاً واحداً وإنما سوف يصير كلّ شيء مستقلاً عن الآخر ونسلّم بما ذكره من أن حيثية الانضمام إذا كانت مأخوذة فهي لا تثبت بالاستصحاب لمحذور الأصل المثبت ولكن هذا لا يعني أن الاستصحاب في الأجزاء لا ينتج هذه النتيجة وذلك لأجل أنه(قده) استعان بمصطلح ( المركب ) وافترض أن موضوع الحكم مركبٌ ونحن نقول لماذا أدخلت هذا المصطلح في الحساب حتى صار سبباً للمشكل فنحن نُبعِد هذا المصطلح عن حسابنا فنحن نفترض أن الشارع قال:- ( إذا بلغ الماء قدر كرّ فلا ينجّسه شيء ) يعني إذا تحققت الملاقاة مع عدم الكريّة في زمنٍ واحدٍ فالتنجّس يثبت وعنوان ومصطلح ( المركب ) نحن نستعين به لا أنه مأخوذ في موضوع الدليل فموضوع الدليل لم يقل ( المركب من الملاقاة وعدم الكريّة هو الموضوع للتنجّس ) فلفظ ومصطلح مركّب لا حاجة إليه ولفظ ( جزء ) أيضاً لا حاجة إليه – لأنك تقول إن الجزء هو فرع المركب فعادت المشكلة - بل نحن فرضنا أن الشارع قال ( إذا تحققت الملاقاة وعدم الكريّة في واقع الزمان فأنا أحكم بالتنجّس ) فلا مسألة الجزئية موجودة في الحساب ولا مسألة المركب موجودة في الحساب وفي مثل هذه الحالة سوف يصير الحكم منصبّاً على ذات هذا الشيء وذات هذا الشيء لا عنوان مركب ولا عنوان جزء فلازمه حينئذٍ جريان الاستصحاب بلا مانعٍ . إذن ما أفاده(قده) يعتمد على أن الحكم قد انصب على عوان المركّب وعنوان المركب وعنوان الجزء لا خصوصيّة له أبداً . بهذا اتضح أن فكرة ضمّ الوجدان إلى الأصل فكرة مقبولة ولا محذور فيها لوهن هذه الاشكالات الثلاثة.
وبعد تماميتها نوصل الموضوع فنقول:- هل يمكن أن نجري الاستصحاب في أحد الجزأين ونضمّه إلى الوجدان ؟
في هذا المجال ذكر الخراساني(قده) - وهذا نذكره بعد التسليم بأن الكبرى تامّة لنلاحظ هل هناك إشكالات من نواحٍ أخرى أو لا - في الكفاية صوراً متعدّدة فقال إنه تارةً يثبت الحكم لعنوان تقدُّم أحدهما على الآخر بنحو الوجود المحمولي وأخرى بنحو الوجود النعتي وثالثة ورابعة .... وأخذ يستعرض صوراً متعدّدة وتشقيقاتٍ متكثّرة ونحن نترك تلك التشقيقات لأن ذكرها قد يوجب التشويش ونقتصر على الشقّ المهم الذي هو محلّ الكلام والقال والقيل وهو ما إذا أردنا استصحاب عدم أحدهما إلى حين وجود الجزء الآخر مثل عدم الكريّة الى حين الملاقاة أو عدم الملاقاة في زمان عدم الكريّة فهذا الاستصحاب بهذا الشكل سواء كان من هذا الطرف أو من ذاك الطرف – يعني سواء كان استصحاب عدم الكريّة إلى زمان الملاقاة أو عدم الملاقاة في زمان القلّة وعدم الكريّة - هل يجري أو لا يجري ؟ إن محلّ الكلام والصورة المهمّة هي هذه فإن الأمثلة الفقهية التي هي محلّ الابتلاء هي داخلة تحت هذا العنوان ومن تلك الأمثلة الفقهية نفس مثال النجاسة فإنه منصبّ على الملاقاة زائداً عدم الكريّة فيأتي الكلام بأنه هل يمكن استصحاب عدم الكريّة إلى حين الملاقاة أو نستصحب عدم الملاقاة في زمان عدم الكريّة أو لا ؟


[1]كما لو لم نعلم أن الجو كان دافئاً اليوم وقالوا أنها سوف تبرد وشككنا هل صارت باردة أو لا فلنستصحب عدم البرودة ولكن هذا الاستصحاب ماهي فائدته ؟ إنه لا ينجّز ولا يعذّر فهو لغوٌ والشارع بما هو شارع لا ينفعه هذا إلا إذا أدخلناه في التنجيز والتعذير كما إذا احتملت الضرر من مرض وغيره.
[2] وهو للشيخ الحاج ميرزا علي الايرواني في رسالته الذهب المسكوك في أحكام اللباس المشكوك، ص12.