34/12/02


تحمیل
 الموضوع:- تنبيهات / التنبيه الرابع ( الأصل المثبت ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 الوجه الثالث:- ما ذهب إليه السيد الخوئي(قده) في مصباح الأصول [1] وحاصله:- إن مثبتات الأمارة ليست حجّة ولا تثبت بالأمارة كمثبتات الأصول فالاثنان من وادٍ واحدٍ فنحن لا نقول بحجيّة مثبتات الأمارات من باب أنه لا يوجد وجهٌ صحيحٌ يمكن من خلاله البناء على حجيّة الأمارة المثبتة فلنقل إذن كلاهما - يعني الأصول والأمارات - ليسا حجّتين في اثبات اللوازم غير الشرعية.
 نعم استدرك(قده) قائلاً:- نستثني من ذلك ما إذا كانت الأمارة خبراً فإن الخبر حجّة في لوازمه غير الشرعية أيضاً لا لما أفاده الشيخ الخراساني(قده) من أن عنوان الخبر كما يصدق على المدلول المطابقي يصدق على المدلول الالتزامي فإن ذاك قد تقدمت مناقشته حيث ذكر هناك أن عنوان الإخبار فرع قصد الحكاية والاخبار والمتكلم ليس قاصداً الإخبار عن اللوازم بل قد يكون غافلاً عنها بالكلّية ، ولا للنكتة التي ذكرها شيخنا النائيني(قده) وهي أن العلم بالشيء علمٌ بلوازمه فهذه قد ناقشناها أيضاً ورفضناها وقلنا إن هذه تتم في باب الأمور التكوينية وفي العلم الوجداني التكويني الحقيقي لا بالعلم التعبّدي وإنما حجيّة الخبر في لوازمه هو لأجل انعقاد السيرة العقلائية على ذلك فإنها قد جرت على الأخذ بالخبر بلحاظ لوازمه غير الشرعية ، فنحن إذن نقول إن خصوص الخبر من بين الأمارات هو حجّة في لوازمه غير الشرعية - هذا هو رأي السيد الخوئي(قده) في هذه المسألة - والمدرك في ذلك هو السيرة وأما ما غير ذلك - يعني بقية الأمارات من ظهورٍ وغيره - فليست حجّة في إثبات اللوازم كالأصل العملي وما ذكره المشهور من أن كل أمارة - من دون اختصاص بالخبر - هي حجة كلامٌ لا أساس له وهو مرفوض رفضاً تاماً ، ونحن نقول إنه لا دليل على حجيّة الأمارة في لوازمها كما لا دليل على حجيّة الأصل في لوازمه بل نقول إن الخبر فقط من بين الامارات هو حجّة في اثبات اللوازم والمدرك في ذلك هو انعقاد السيرة . هذا توضيح ما أفاده(قده).
 وفيه:- إن دعوى انعقاد السيرة في باب الخبر على حجيّة الخبر في لوازمه غير الشرعية شيء صحيح وجيّد ولكن نقول إن العقلاء كما نعرف ليست عندهم قضايا تعبديّة فهم حينما يبنون على شيءٍ فلابد وأن يكون ذلك لنكتةٍ عقلائيةٍ وإلا فالتعبّديات والتعبّد بعيدٌ عن القضايا العقلائية ، وإذا قبلنا بهذا المطلب نقول:- لابد وأن نفتّش عن تلك النكتة فلعلّها سنخُ نكتة لا تختصّ بباب الخبر بل تعمّ الخبر وغيره وبذلك تثبت حجيّة جميع الأمارات في لوازمها لا خصوص الخبر مادامت تلك النكتة نكتة عامة.
 وبعد اتضاح هذه الوجوه الثلاثة والتعليق عليها نقول:- إن الأجدر في مقام توجيه حجيّة الأمارات في لوازمها غير الشرعية أن يقال إن العقلاء إنما يبنون على الأخذ بالأمارة سواء كانت خبراً أم ظهوراً أم شيئاً ثالثاً إنما يأخذون بها من باب كاشفية ذلك عن المؤدّى فالخبر إنما يأخذون به لأنه يكشف عن مؤدّاه والإخبار به والإخبار عن ثبوته بدرجة 70% مثلاً - أي بدرجةٍ من الكاشفية - وهكذا الظهور يأخذون به لكونه كاشفاً عن ذلك المعنى الذي يدلّ عليه بدرجة 70 أو 60% ، فإذا قبلنا بهذا - وهو أن العقلاء يأخذون بالأمارة من باب وجود كاشفية لها عن المؤدّى - نضم الى ذلك مقدّمة وجدانيّة وهي أن كاشفية الشيء عن مداليله الالتزامية تساوي من حيث الدرجة كاشفيته عن مؤدّاه المطابقي فإذا كان الخبر كاشفاً بدرجة 70% عن أن الولد حيٌّ فهو كاشف بنفس الدرجة أيضاً عن كونه الآن قد نبتت لحيته فدرجة الكاشفية إذن واحدةٌ ولا تختلف وهذه قضيّة وجدانيّة ، وإذا قبلنا بهذا فنقول آنذاك إن العقلاء ما داموا قد أخذوا بالأمارة لدرجة كاشفيتها 70% مثلاً عن مؤدّاها المطابقي فحتماً يأخذون بها بلحاظ مدلولها الالتزامي لفرض أن درجة الكاشفيّة هي هي وإذا فرض أنهم لم يأخذوا بها فهذا يعني أن عملهم صار للتعبّد وليس لنكتة عقلائية فيصير خلف الفرض . إذن مادمت قد فرضت أن عملهم هو لهذه النكتة - وهي الكاشفية بدرجة 70% - وأن هذه الدرجة من الكاشفية كما هي موجودة بلحاظ المدلول المطابقي موجودة بلحاظ المداليل الالتزامية فإذا قلبت بذاك وهذا فيلزم أن تقبل بأنهم يأخذون بالأمارة في مداليلها الالتزامية لفرض أن درجة الكاشفية نفسها موجودة وإلا إذا لم يأخذوا بها فهذا يعني أن قضاياهم مبنيّة على التعبّد وهو خلف الفرض . إذن بهذا البيان سوف تثبت حجيّة الأمارة بلحاظ مداليلها الالتزامية ، ولكن هذا الذي ذكرته مبنيّ على مبنى ينبغي أن يكون واضحاً وهو أن مدرك حجيّة الأمارات هو السيرة العقلائية في جميعها وما دلّ من الشرع على الحجيّة إن كان موجوداً فهو إرشادٌ لما عليه سيرة العقلاء أما لو فرضنا أنه توجد عندنا أمارة ليست عقلائية وإنما هي من الشرع تعبّداً فحينئذ لا يأتي هذا الكلام ولكن لا توجد عندنا أمارة من هذا القبيل ، فإذن بالتالي سوف تثبت حجيّة الأمارة بلحاظ مداليلها الالتزامية لهذا البيان الذي أشرنا إليه.
 وبعد أن انتهينا من هذا المطلب نشير الى مطلب آخر:- وهو أن الاستصحاب إذا قلنا بأنه أصل -وكلامنا هو في الاستصحاب - فعدم حجيّته في لوازمه يكون أمراً واضحاً وبالاتفاق ، وأما إذا قلنا هو أمارة كما يبني على ذلك السيد الخوئي(قده) فإنه يبني على أن المستفاد من حديث ( لا تنقض اليقين بالشك ) هو جعل الطريقيّة والعلميّة والكاشفية فلا يوجد فرق بينه وبين الخبر فكلاهما أمارة ولكن الخبر عنده حجّة في لوازمه والاستصحاب ليس بحجّة في لوازمه ، وسبب التفرقة في نظره(قده) هو أنه في الخبر توجد سيرة عقلائية على الأخذ به في لوازمه وهذه السيرة مختصة بالخبر ولذلك هو(قده) يخصّص حجيّة الأمارة في لوازمها بخصوص الخبر ، ولكن تعال لنا فنحن لو بنينا على أن الاستصحاب أمارة يعني بتعبير آخر أن الملحوظ في وجه حجيّته هو قوّة الكشف فيه كما يدل على ذلك هو أنه حجّة مهما اختلف المستصحب فهو يجري من دون ملاحظة شخص المورد فلا يختصّ جريانه بباب الطهارة أو بباب الملكيّة أو الزوجية بل يجري في مختلف الأبواب وهذا معناه أن الملحوظ فيه هو قوّة الكشف كالخبر فالخبر يؤخذ به من باب قوّة الكشف ، وكيف ؟ لأنّا لا نلحظ نوعيّة الشيء المخبر عنه فأي شيءٍ جاء الخبر يدلّ عليه أخذنا به وهذا يدلّ على أن الملحوظ فيه هو قوّة الكشف والاحتمال وفي باب الاستصحاب الأمر كذلك فالشارع قد جعله حجّة لقوّة الكشف والاحتمال وليست المدخليّة لشخص المحتمل بل إن شخص المستصحب وكونه هذا دون ذاك ليس له خصوصيّة ، فإذا صارت حجيّته من باب قوّة الكشف فهل تلتزم إذن بحجيّته في لوازمه غير الشرعية ؟
 والجواب:- نحن نحتمل أن وجه الحجيّة هو الكشف كما ذكر - أي قوة الكشف - ولكن نقول إن الذي له قوّة الكشف ما هو ؟ يعني أن الذي يكشف عن البقاء ما هو ؟ والجواب:- هو ثبوت الحالة السابقة فالحالة السابقة مادامت ثابتة فهي الآن باقية وينكشف أنها باقية يعني أن الحدوث السابق يدلّ على البقاء ولعلّه من ناحية أن الغالب فيما حدث أنه يبقى ويدوم وبالتالي يكون الكاشف عن البقاء هو ما إذا فرض أن هناك حالة سابقة فتلك الحالة السابقة المتيقّنة تكشف عن البقاء ، وإذا عرفنا هذا حينئذٍ في مثال الولد وحياته إذا أردنا استصحاب حياة الولد الذي له حالة سابقة - وهي الحياة - فحياته لها حالة سابقة وهي متيقّنة فتكشف هذه الحالة السابقة عن الاستمرار والبقاء فنقول هو الآن حيٌّ وأما نبات اللحية فلم تكن له حالة سابقة بل كان الأمر على العكس فهو لم يكن له نبات لحية سابقاً إذن لا معنى حينئذٍ لأن نقول إن الحالة السابقة تكشف عن البقاء إذ لا توجد حالة سابقة لنبات اللحية - أي لتحقق نبات اللحية - حتى يكشف عن ثبوته وبقاءه بل كانت اللحية منعدمة سابقاً ، إذن هذا الكشف لا يمكن أن يتحقق بلحاظ اللوازم وإنما يتحقق بلحاظ شيئين الأوّل هو نفس الحياة - أي نفس المؤدى المستصحب - فإن الحياة كانت حالة سابقة متيقّنة ومادامت كانت حالة سابقة فيكشف ذلك عن بقائها لغلبة أن ما حدث وكان يكون باقياً والشيء الثاني الذي يمكن تحقق الكشف بلحاظه أيضاً هو تلك اللوازم الملازمة للحياة من البداية كالتنفس والأكل والشرب والمشي والنوم فإنها لوازم كانت لها حالة سابقة إذ الحياة مادامت موجودة سابقاً فمثل هذه اللوازم موجودة سابقاً فهناك إذن حالة سابقة لثبوت هذه اللوازم وهذه الحالة السابقة تكشف عن البقاء فتثبت مثل هذه اللوازم أما اللوازم التي ليست لها حالة سابقة فلا يمكن أن يتحقق الكشف بلحاظها ، وعليه فلا يمكن أن نحكم بأن الشارع مادام قد جعل الاستصحاب حجّة لأجل الكاشفيّة فيلزم أن يكون حجّة في لوازمه غير الشرعيّة ، كلا إن هذا الكلام لا يمكن أن نقوله والوجه في ذلك ما أشرنا إليه . إذن دليل جعل الحجيّة للاستصحاب شرعاً حتى لو قلنا أنه أمارة لا يمكن أن نستنتج منه أن الاستصحاب حجّة بلحاظ لوازمه غير الشرعيّة لأجل النكتة التي أشرنا إليها.


[1] مصباح الاصول، ج3، ص155.