34/11/11


تحمیل
 الموضوع:- تنبيهات ( التنبيه الثالث:- الاستصحاب التعليقي ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 الوجه الثاني من الوجوه التي اشكلت على جريان الاستصحاب التعليقي:- إن الاستصحاب التعليقي إن جرى فهو لا يجري بلحاظ الحكم الفعلي لفرض أن الحرمة ليست فعليّة حالة العنبية لعدم تحقق الغليان فإذا أردنا أن نستصحب فلابد وأن نستصحب الحرمة المشروطة فنبقيها الى حالة الزبيبية ولكن من المعلوم أن بقاء الحكم المشروط الى حالة الزبيبية من دون أن يتحوّل الى حكمٍ فعليّ هو لا يسمن ولا يغني من جوع فإن التنجيز فرع فعليّة الحكم والمفروض أن الباقي بواسطة الاستصحاب التعليقي هو الحكم المشروط دون الفعلي فلا ينفعنا الاستصحاب المذكور شيئاً في إثبات التنجير - أي تنجّز الحرمة -.
 واذا قلت:- إن هذا الحكم المشروط يمكن تحويله الى حكمٍ فعليّ وذلك بأن نغلي الزبيب فالحرمة المشروطة إذا كانت باقية الى حالة الزبيبية فاذا حققنا الغليان للزبيب الآن فسوف تصير الحرمة فعليّة إذ الشرط قد تحقق وهو الغليان وبتحقق الشرط يصير التالي والجزاء - يعني الحرمة - فعلياً . إذن بالإمكان تحويل الحرمة المشروطة الى فعليّة من خلال غلي الزبيب.
 قلت:- إن هذا أصل مثبت إذ أن الاستصحاب غاية ما يقوله هو أن الحرمة المشروطة باقية وأما ما زاد عن ذلك فهو ساكت عنه ولا لسان له فهو يعبدنا بهذا المقدار - أي يعبدنا ببقاء ما كنّا على يقين منه سابقاً وما كنّا على يقين منه هو الحرمة المشروطة - أما أن هذه الحرمة صارت فعليّة بسبب تحقق الشرط - أعني الغليان - فهذا ثابت بسبب ضمائم خارجية وهي ضمائم غير شرعية وكلما كانت الضميمة ضميمة غير شرعية فالأصل يكون مثبتاً فإن الأصل المثبت هو عبارة عن الأصل الذي يُستعان لإثبات المطلوب من خلاله بضّم مقدمة غير شرعيّة وهذا صادق على المقام ، وعلى هذا الأساس تكون النتيجة هكذا:- ( أنه من دون أن نحوّل الحرمة المشروطة الى فعليّة فلا يمكن ثبوت التنجّز ، وعمليّة التحويل غير ممكنة إلا بعد ضم ضميمة غير شرعية فيكون المورد من الأصل المثبت وهو ليس بحجّة ) ، فالتنجز إذن لا يمكن ثبوته لعدم إمكان ثبوت الحرمة الفعليّة بل الثابت من خلال الاستصحاب التعليقي هو الحرمة المشروطة وهو غير قابل للتنجيز ، هذا اعتراضٌ ثانٍ وجّه الى الاستصحاب التعليقي.
 والجواب عن ذلك:- من أين لكم أن شرط التنجز عقلاً هو الفعلية وأن التنجز هو فرع الفعلية - والمقصود من التنجز هو لزوم الانبعاث عقلا واستحقاق العقوبة على المخالفة عقلاً - ؟! كلا بل نقول إن التنجز هو حكم عقلي والعقل يرى أن التنجز - يعني استحقاق العقوبة ولزوم الانبعاث - يكفي فيه وصول الكبرى والصغرى ، والمقصود من الوصول العلم الأعمّ من الوجداني والشرعي وفي المقام قد تحقق وصول الكبرى من خلال الاستصحاب فإن الاستصحاب يثبت لي أن الجعل الشرعي وسيعٌ - يعني جعل الملازمة بين الحرمة والغليان - لا يختص بحالة العنبية بل يعمّ حالة الزبيبية فببركة الاستصحاب تثبت أن جعل الملازمة - يعني الحرمة المشروطة - ثابت في حالة الزبيبية ، كما أن المفروض أن الصغرى محققّه وأقصد من الصغرى أنه قد غلى لأنه بالوجدان قد اشعلنا النار تحت هذا الزبيب وغلى فالصغرى محقّقة بالوجدان والكبرى قد وصلت بالعلم التعبّدي وهذا المقدار يكفي لإثبات التنجّز ولا ينبغي أن تقيدنا المصطلحات بأن نقول ( إذا لم يصر الحكم المشروط واصلاً الى مرحلة الفعليّة فلا يتنجّز ) كلا فإن التنجّز بما أنه حكم عقلي يكفي فيه وصول الصغرى والكبرى وإن لم يثبت كون الحكم فعلياً.
 إن قلت:- إذن ما هو دو دور الفعلية ؟ - يعني إن التنجز مادام يثبت ولو لم يكن الحكم فعلياً ففعلية الحكم لا ثمرة لها - ؟
 قلت:- تظهر الثمرة في موارد أخرى فهي بلحاظ التنجّز لا تظهر ولكنّها تظهر بلحاظ أمور أخرى من قبيل وجوب القضاء فإن من استطاع للحج مثلاً ولم يعلم أنه مستطيع فالتنجّز غير ثابت في حقه لأنه لا يعلم بكونه مستطيعاً والجهل مانعٌ من ثبوت التنجّز ولكن الحكم في حقّه فعلي إذ هو مستطيع ويُنسب إليه وجوب الحج فيقال ( إنه قد وجب عليك الحج لأنك مستطيع ) ومادام مستطيعاً فيلزمه أن يحج في السنة الثانية وإذا مات فإنه يُقضى ويُخرج من تركته . إذن الفعلية بلحاظ مقامنا لا أثر لها لا أن الفعليّة لا أثر لها دائماً حتى يقال إن عدّها مرتبة ومرحلة من مرحلتي الحكم شيء لغوي وبلا فائدة.
 إذن اتضح من ناحية هذا الاعتراض الثاني أنه لا مشكلة على الاستصحاب التعليقي إذ يكفي في إثبات التنجّز وصول الصغرى والكبرى بلا حاجة الى تحويل الحكم من مشروط إلى فعليّ حتى يقال إن ذلك موقوفٌ على فكرة الأصل المثبت.
 الوجه الثالث من الوجوه التي اشكلت على الاستصحاب التعليقي أن يقال:- إن الاستصحاب التعليقي لو جرى فهو دائماً معارضٌ بالاستصحاب التنجيزي وما من استصحاب تعليقي إلا ويوجد إلى جنبه استصحابٌ تنجيزي وفي موردنا نقول إن هذا الزبيب صحيح أنه حَرُم في حالة العنبية ولكن هو الآن - أي قبل أن يغلي - هو مباحٌ وهذه الإباحة والجواز فعليٌّ تنجزيٌّ وليس معلّق فإذا شككنا بعد الغليان في صيرورته حراماً فكما أن الحرمة المشروطة يجري استصحابها كذلك الإباحة الفعلية يشملها دليل الاستصحاب وهي قابلة للجريان وحيث إن هذين الاستصحابين متعارضان فجريانهما غير ممكن للتعارض وجريان خصوص التعليقي ترجيح بلا مرجّح فلا يجري الاستصحاب التعليقي.
 والفارق بين هذا الوجه وبين الوجهين السابقين هو أنه على هذا الوجه يقال بعدم جريان الاستصحاب لوجود المانع وهو المعارضة ، وأما على الوجهين السابقين فيقال إن الاستصحاب التعليقي هو بحدّ نفسه وبقطع النظر عن المعارضة ليس بقابلٍ للجريان ، فذانك الوجهان لا يجري الاستصحاب للقصور في المقتضي وهذا لوجود المانع.