34/11/10


تحمیل
 الموضوع:- تنبيهات ( التنبيه الثالث:- الاستصحاب التعليقي ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 الجواب الثالث:- ما أفاده الشيخ الاصفهاني(قده) في نهاية الدراية [1] وتبناه السيد الشهيد أيضاً [2] وحاصله:- إنك أشكلت على استصحاب الحكم المشروط - الذي هو الاحتمال الثالث في كلام الشيخ النائيني(قده) - وقلت إنه أمرٌ انتزاعي فالشارع قال ( العصير المغلي حرام ) والعقل أو العقلاء ينتزعون قضيّة شرطيّة ويقولون ( العصير إن غلى أو العنب حَرُمَ ) فهذه القضية الشرطية أو الحكم المشروط هو أمرٌ انتزاعي فلا يجري استصحابه ونحن نقول إن هذا صحيح ولكنة يتم لو فرض أن النصّ كان يقول ( العنب المغلي حرام ) فإذا كان النصّ يعبّر هكذا فيتم ما ذكرته أيها الشيخ النائيني من أن الحكم المشروط أمر انتزاعي وليس مجعولاً من قبل الشارع ولكن يمكن أن نفترض أحياناً أن النصّ يعبّر ويقول ( العنب إن غلى حرم ) إنه إذا عبّر هكذا فسوف يكون المجعول من قبل الشارع هو الحكم المشروط لا أنه يكون أمراً انتزاعياً عقلياً إنه في هذه الحالة لا يتم ما ذكرته أيها الشيخ النائيني يعني سوف يثبت أن الشارع إذا عبّر بهذا الشكل ( العنب إن غلى يحرم ) فإن عبّر بهذا الشكل فسوف يثبت أن الاستصحاب التعليقي قابل للجريان لأن الحكم المشروط مجعول من قبل الشارع فاستصحابه حينئذ يكون استصحاباً لأمر مجعول ولا مشكلة آنذاك إذن ما أفدته أيها الشيخ النائيني لا يتم بشكل مطلق وإنما يتم في مساحة دون أخرى يتم فيما إذا كان النصّ يعبّر ويقول ( العنب المغلي حرام ) أما إذا عبّر وقال ( العنب إن غلى حرم ) فلا يم ما ذُكِر . هذا ما أفاده العلمان.
 والسيد الروحاني في منتقى الاصول [3] ذكر أن الشارع حتى لو فرض أنه عبّر وقال ( العنب إن غلى حرم ) فالحق مع الشيخ النائيني - يعني لا يجري استصحاب الحكم المشروط - والوجه في ذلك هو أن كلمة ( العنب ) الواردة في النصّ حينما قال ( العنب إن غلى ) فيقصد منها العنب الكلّي والموضوع الكلّي لا العنب الجزئي والمفروض أننا نريد أن نجري الاستصحاب في العنب الجزئي يعني هذا العنب أو هذا الزبيب أي نشير الى الزبيب ونقول هذا سابقاً يعني حالة العنبية - كان لو غلى حرم والآن كذلك ، وعلى هذا الأساس لا يمكن جريان الاستصحاب في هذا الجزئي لأن الشارع لم يجعل الحكم المشروط له - أي لهذا الجزئي - وإنما جعله للكلي فعاد الإشكال من جديد . هذا ما أفاده السيد الروحاني(قده) انتصاراً للشيخ النائيني(قده) . هذا ما ذكر في هذا المجال.
 ونحن في مقام تحقيق الحال فيما ذكره الاعلام بلحاظ هذا الوجه الأول من الوجوه الثلاثة لعدم جريان الاستصحاب التعليقي نقول:- إن هناك كلاماً للشيخ النائيني(قده) - وهو الوجه الاول الذي ذكره وكان مركباً من احتمالات ثلاثة - وهناك ردٌّ عليه من قبل العلمين الاصفهاني والسيد الشهيد وهناك انتصار من قبل السيد الروحاني للشيخ النائيني . إذن هناك كلامٌ للأعلام بالشكل المذكور .
 ويمكن أن نتأمل في الجميع:-
 أما بالنسبة الى ما أفاده الشيخ النائيني(قده) في أصل الوجه الأول:- (( من أن الاحتمالات ثلاثة فأصل الجعل لا يمكن استصحابه لأن الشك ليس في النسخ ، وهذا وجيه . والحكم الفعلي لا يمكن استصحابه لأنه لا فعليّة حالة العنبية حسب الفرض ، وهذا شيء وجيه . ثم قال [4] :- إنه إذا أريد استصحاب الحكم المشروط فهو حكم انتزاعي عقلي ليس مجعولاً فلا يجري استصحابه )).
 ونحن هنا نقف مع الشيخ النائيني(قده) ونقول له:- أنت من خلال كلامك هذا يظهر منك أنه يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون المستصحب أمراً مجعولاً للشارع وأما إذا لم يكن كذلك فلا يجري ، ونحن نقول:- نحن لا نسلّم بهذا بل مقتضى دليل الاستصحاب هو أنّ كل شيءٍ متيقن سابقاً حتى وإن لم يكن مجعولاً شرعاً لا محذور في جريان استصحابه مادام يترتب على استصحابه أثر شرعي - أعني التنجيز أو التعذير - أما إذا لم يترتب على استصحابه أثر شرعي فالتعبد ببقائه يكون لغواً وعبثاً إذ أي فائدة في التعبّد ببقاء شيءٍ لا أثر شرعي له ؟! أما إذا كان له أثر شرعي فأي مانع من جريان الاستصحاب فيه وعلى هذا الأساس لا مانع من جريان استصحاب الحكم المذكور - أعني الحكم المشروط - فإذا استصحبناه ترتّب على ذلك أثر شرعي وهو حرمة الزبيب إذا غلى ، إن هذا أثرٌ شرعيّ ، فإذن لا مانع من جريان الاستصحاب بعد أن فرض أنه لا يلزم في المستصحب أن يكون أمراً مجعولاً ، ومن الغريب أنهم ينبهون على ذلك ، يعني وإن كانت هذه النقطة موضع خلاف بين الأعلام ولكن الكثير يقول إنه لا يلزم في المستصحب أن يكون مجعولاً بل يكفي أن يترتب عليه تنجيز أو تعذير فكيف هنا لم يُشَر الى ذلك ويقال ( إنه بناءً على عدم الاشتراط يلزم هنا جريان الاستصحاب بلا مانع ) ؟!
 إن قلت:- إن الاستصحاب لو جرى هنا فهو معارض باستصحابٍ آخر أو هو من قبيل الأصل المثبت.
 قلت:- هذا كلامٌ واعتراضٌ آخر فإن الاستصحاب التعليقي وجّهت له ثلاثة اعتراضات وما ذكرته هو أخذٌ بالاعتراض الثاني والثالث ونحن الآن نغض النظر عن الاعتراضين الأخيرين ونريد أن نلحظ أن الاستصحاب التعليقي في حدّ نفسه وبقطع النظر عن محذور المعارضة أو المثبتية هل يمكن أن يجري أو لا فكلامنا في هذا المجال ولا ينبغي الخلط من هذه الناحية.
 إن قلت:- إنك حينما تستصحب الحكم المشروط نسأل هل هو نحوٌ من الوجود أو هو عدمٌ ؟ فإن كان عدماً فلا معنى لاستصحاب العدم فإنه لا ينفعنا ، وإذا كان وجوداً عدنا حينئذٍ الى مقالة الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل - حيث قال إن الحكم المشروط له حظّ من الوجود فلا هو عدمٌ محضٌ ولا هو وجودٌ محضٌ - وأنت فيما سبق رفضت هذه المقالة وقلت أنه لا مدرك لها وإلا يلزم أن نفرح بالقضايا الشرطية الكثيرة - فأقول ( إني لو كنت ابن العلامة الحلي لكنت فخر المحققين ) وأفرح بذلك - إذن ماذا تريد أن تستصحب الآن ؟
 قلت:- إنني استصحب هذه القضيّة الشرطيّة - أي نفس الشرطية يعني ( إن غلى هذا حرم ) - إن هذه قضية شرطيّة فاستصحب وأقول إن هذه القضيّة كانت صادقة وثابتة قبلاً والآن حينما أشك في بقائها فأستصحب بقاءها وأقول هي ثابتة ويترتب على ذلك تنجيزٌ أو تعذيرٌ وهذا لا مانع منه - يعني استصحاب نفس القضية الشرطية - وهذه القضية الشرطية تصدق على بعض الأشياء دون بعضٍ فتصدق مثلاً على الزبيب فنقول ( هذا إن غلى سابقاً حرم ) ولكن لا تصدق على مثل التفاح فلا نقول ( التفاح إن غلى سابقاً أو الآن حرم ) كلا لا يوجد هكذا شيء فهذه القضية الشرطية أو هذه الملازمة كانت سابقاً صادقة والآن نشك في صدقها وبقائها فنستصحب بقاءها.
 وعلى هذا الأساس ننتهي من جواب الشيخ النائيني(قده) باختيار الشقّ الثالث وهو استصحاب الحكم المشروط رغم أنه أمرٌ انتزاعي عقليّ وليس شرعياً إذ نقول لا يشترط في المستصحب أن يكون أمراً مجعولاً . هذا بالسبة الى كلامنا مع الشيخ النائيني.
 وأما ما أفاده العلمان الاصفهاني والسيد الشهيد فنقول:- كان من المناسب أن يردّا على الشيخ النائيني(قده) بما أشرنا إليه لا أن نفصّل بين ما إذا عبّر النص هكذا أو عبّر هكذا فإنه مع وجود جوابنا لا معنى لذلك الجواب ، بل نقول أكثر وهو أنّا وإن كنّا نقبل التساير مع ألفاظ النص لا أن نطرح التعابير جانباً ولا نعير لها أي أهمية ولكن في نفس الوقت لسنا نتساير مع ألفاظ النص تسايراً كاملاً وبالدّقة كما هو الحال في المقام حيث نقول إن الانسان العرفي لو سمع من الإمام عليه السلام أن العصير المغلي حرام فكما يصحّ له في مقام النقل بأن يعبّر بهذا اللفظ يصح أن له أن يعبّر بقوله ( العصير إن غلى حرم ) فكلاهما تعبيران عرفيّان مقبولان والمفروض أن النقل بالمعنى قضيّة جائزة باعتبار أنها قضيّة عقلائية قبل أن تكون جائزة من قبل الشرع فالعقلاء فيما بينهم حينما ينقلون كلام الآخرين فإنهم يتساهلون بهذا المقدار ولا يفرّقون بين هذه الجملة وبين تلك - أي بين جملة ( العنب إذا غلى حرم ) وجملة ( العنب المغلي حرام ) - وعلى هذا الأساس ليس من الصحيح التساير مع ألفاظ النص الى هذا الحدّ فإنه لا معنى له بعد انعقاد السيرة على التساهل في النقل في حدود معيّنة وتجويز الشرع ذلك كما جاء ذلك في بعض الروايات . فإذن ليس من الفنّي إن عبّر النص هكذا فالاستصحاب التعليقي يجري وإن عبر هكذا فهو لا يجري إن المسايرة بهذا الشكل لا أراها فنيّة ، وهذه قضية ننتفع بها في مجالات أخرى ، وهذا المطلب قد رتّب عليه البعض بعض الآثار.
 وأما بالنسبة الى ما أفاده السيد الروحاني فنقول:-
 أولاً:- هو(قده) ذكر أن الحرمة المعلقة المشروطة قد صُبّت على العنب الكلّي دون العنب الجزئي ونحن نقول صحيح أنها صُبّت على العنب الكليّ ولكن يكفينا إجراء الاستصحاب في العنب الكلّي ولا حاجة الى أن نشير الى هذا العنب بخصوصه فنقول العنب الكلي إن غلى حرم - وواضح أنه بما هو ملحوظ كمرآة وعين الخارج - فإذا صار زبيباً نشك هل أن الحرمة باقية أولا فنستصحب بقاءها . إذن إجراء الاستصحاب في الكلّي شيءٌ ممكن ولا يتوقف على أن يكون الموضوع جزئياً.
 وثانياً:- يمكن أن نضيف ونقول إن الحكم وإن صُبَّ على الكليّ ولكنه في الحقيقة هو مرآة لمصاديقه ، يعني أن المولى يريد أن يصبّ الحكم على المصاديق من خلال صبّ الحكم على الكليّ فالشرع حينما يريد أن يقول ( الخمر حرام ) فهو بالتالي قد صبّ الحكم على هذا الخمر وعلى ذاك الخمر وهكذا ولذلك يصح أن نقول هذا الخمر حرام أو ذاك الخمر حرام بينما على تعبير السيد الروحاني(قده) لا يصح التعبير بذلك بل يلزم أن نقول هذا مصداق للحرام لا أنه هو حرام ، وعلى هذا الأساس لا مشكلة من هذه الناحية
 ومن خلال هذا الكلام كلّه اتضح أنه لا إشكال من جهة هذا الاعتراض أو الوجه الأول الذي ذكره الشيخ النائيني(قده) لعدم جريان الاستصحاب التعليقي إذ نستصحب تلك القضيّة الشرطية مادام يترتب عليها تنجيز أو تعذير.


[1] نهاية الدراية، الاصفهاني، ج3، ص89.
[2] الحلقة الثالثة، القسم الثاني ، السيد الشهيد ، ص282 ، 283 ، وهكذا ذكره في التقرير، ص6، ص288.
[3] منتقى الاصول، السيد الروحاني، ج6، ص201.
[4] ووقفتنا نحن هنا.