36/07/08


تحمیل
الموضوع:- قاعدة المورد لا يخصص الوارد - قواعد وفوائد.
القاعدة الخامسة عشرة:- المورد لا يخصّص الوارد.
هذه القاعدة ليست قاعدة دلّ عليها نصّ أو إجماع أو غير ذلك وإنما هي حوزويّة، وماذا يقصد من ذلك ؟ يقصد أنّه إذا فرض وجود موردٍ معيّن لكلام الإمام عليه السلام وشأن نزول معيّن للنّص القرآني مثلاً ولكن ما ذكره القرآن أو الإمام هو شيءٌ عامٌّ - فشأن النزول خاصّ والمورد خاصّ ولكن المقدّم والمعطى عامّ - فهنا هل نأخذ بعموم الجواب الذي ذكره الإمام أو أشار إليه القرآن الكريم أو أنه نحصّص هذا بمورد النزول لا أكثر ؟ هنا يقال نتمسّك بعموم ما ذكر وملا نخصّص الحكم المذكور بخصوص المورد الخاص، ونذكر لذلك بعض الأمثلة:-
المثال الأوّل:- قوله تعالى:- ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة ﴾[1]، إنّ شأن النزول هي قضيّة الوليد المعروفة، فشأن النزول خاصّ ولكن ما ذكرته الآية الكريمة شيء عام وهو ( إن جاءكم فاسق )، والمورد وإن كان الفاسق فيه هو الوليد لكن لا يختصّ الحكم المذكور في الآية الكريمة بما إذا كان المخبر هو الوليد بل يشمل كلّ فاسق والوليد هو شأن النزول ومورده فيؤخذ بالعموم وشأن النزول لا يخصّص الوارد بخصوص المورد.
ولو كان المورد يخصّص الوارد للزم أنّ الكثير من آيات القران الكريم أن تكون خاصّة بمواردها وهذا شيءٌ بعيد، وهذا لا أذكره كدليلٍ بل كمنبّهٍ على أنّ المورد لا ينبغي أن يكون مخصّصاً للوارد.
المثال الثاني:- صحيحة زرارة الواردة في باب أجزاء الصلاة ونصّها:- ( قلت لأبي عبد الله عليه السلام:- رجلٌ شك في الأذان وقد دخل في الاقامة، قال:- يمضي، قلت:- رجل شك في الأذان والاقامة وقد كبّر، قال:- يمضي، قلت:- رجل شك في التكبير وقد قرأ، قال:- يمضي، ........ قال:- يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء )[2]، إنّ مورد الرواية خاصّ وهو باب الصلاة ومن شك في جزءٍ بعد الدخول في جزءٍ آخر، ولكن القاعدة التي ذكرها الإمام عليه السلام والحكم الذي بيّنه هو حكمٌ عامٌّ حيث قال ( يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء ) فهنا قد يقال إنَّ المورد - وهو باب الصلاة - لا يخصّص الوارد بل يبقى الوارد عامّاً وشاملاً لكلّ الأبواب، يعني يكون شاملاً حتى للطواف فمن شكّ في أنّه أتى بالشوط السابع وقد دخل في الصلاة فشكّه ليس بشيءٍ، وهكذا بالنسبة إلى السعي إذا شك فيه وقد دخل في التقصير .... وهكذا، فبناء على قاعدة المورد لا يخصّص الوارد سوف نستفيد من هذه الرواية قاعدة عامّة - وهي قاعدة التجاوز - تعمّ جميع الأبواب لا خصوص باب الصلاة.
ومن باب الكلام الجانبي نقول:- ينبغي أن لا تصير المصطلحات والألفاظ مقيّدة لنا، فنحن لابد وأن نبلغ مرحلة نتمكن فيها من أن نتحرّر من الألفاظ والمصطلحات ونتأمّل بما في وجداننا ونأخذ بما يقتضيه وجداننا ومرتكزاتنا، ففي هذا المثال مثلاً فإنه من يسمع كلامنا هذا قد يقول صحيحٌ أنّ الرواية عامّة لأنّ المورد لا يخصّص الوارد، ولكن هذا مصطلحٌ ولفظٌ قد قيّدنا، ولكن علينا أن ننظر إلى واقع الحال ونلاحظ وجداننا فهل نفهم العموم هنا أو لا نفهمه ولا نتقيّد بقضيّة المورد لا يخصّص الوارد وماذا نفهم من النصّ فقد يتلاءم تأملنا مع القاعدة وتنتهي إلى العموم وهذا لا بأس به.
ومن باب الفائدة العلمية نقول:- إنَّ صاحب الكفاية(قده) في هذا المثال وما شاكله قال لا يوجد عموم، ولماذا ؟ قال:- يوجد قدر متيقّن في مقام التخاطب لأنّ الحوار هو عن الصلاة فمادام الحوار في الصلاة فالقدر المتيقّن في مقام التخاطب - وليس من الخارج - من هذه القاعدة هو الصلاة، وبالتالي مادام يوجد قدرٌ متيقّن في مقام التخاطب لا يمكن التمسّك بالعموم[3].
وواضحٌ أنّ هذا بحسب النتيجة هو أنّ المورد قد خصّص الوارد لكنّه صار إلى هذا لا من باب أنّ المورد يخصّص الوارد بل يقول مادام يوجد قدرٌ متيقّنٌ في مقام التخاطب فهو يمنع من التمسّك بالإطلاق.
وما هي النكتة التي استند إليها ؟
هي أنّ اللازم على المتكلّم أن يبيّن تمام مراده، ولكن اللازم عليه أن يبيّن تمام المراد بالحمل الشائع ولا يلزم أن يبيّنه بالحمل الأوّلي، يعني إذا بيّن واقع تمام المراد فهو يكفي ولا يلزم أن يقول لك هذا تمام مرادي - فقوله ( هذا تمام مرادي ) هو البيان بالحمل الأوّلي - فإذا بيّن الواقع والمصداق الحقيقي كفى، وهنا قد بيّن تمام مراده من خلال القدر المتيقّن في مقام التخاطب.
إذن هو(قده) سلك هذا المسلك وأشار إليه في الكفاية[4]، ووقع كلامه هذا محلّاً للقيل والقال وأنّه كلامٌ تامٌّ أو ليس بتام.
وأمّا نحن فنسلك طريقاً آخر ونقول:- إنّه يمكن أن يقال لا نستفيد العموم من جهة أنّ شرط انعقاد الإطلاق هو أن يستهجن الإطلاق على تقدير كون المراد واقعاً هو المقيّد، وهنا لو ظهر الإمام عليه السلام وقال إنّ مقصودي من هذه القاعدة هو باب الصلاة لا جميع الموارد فهل يستهجن منه ذلك ويقال له إذن لماذا لم تقيد أو لا يستهجن ذلك ؟ كلّا فإنه يمكن أن يقال لا يستهجن من ذلك إذ من حقّه أن يعتذر ويقول إنّ حديثنا كان في باب الصلاة وأنا أريد أن أبيّن وأقول لزرارة بأنّ هذه قاعدة عامّة في باب الصلاة ولا تسألني عن الموارد الأخرى في الصلاة التي لم تذكرها فأيّ جزءٍ من أجزاء الصلاة أمره يكون كذلك.
ولكن في نفس الوقت نذهب إلى العموم لكن من باب آخر:- وذلك من باب أنّا نشعر بعدم وجود خصوصّيةً لباب الصلاة عن غيرها، فهناك جزمٌ عرفيٌّ، فهو من باب قاعدة عقلائية.
إذن ذهبنا إلى التعميم ولكن منشأ التعميم ليس هو من باب أنَّ المورد لا يخصّص الوارد بل لشعورنا الوجداني بأنّه لا خصوصيّة لباب الصلاة ولا امتياز لها عن غير باب الصلاة فنذهب إلى العميم لأجل هذه النكتة.
ومع غضّ النظر عنها المناسب عدم انعقاد الإطلاق لما أشرنا إليه من مبنانا في باب الإطلاق.
إذن قلنا أنّه قد يذكر مثالٌ ثانٍ لقاعدة المورد لا يخصّص الوارد وهو صحيحة زرارة فيقال إنَّ موردها وإن كان هو باب الصلاة لكن الوارد يبقى على عمومه.
المثال الثالث:- رواية الكاهلي:- ( عن رجلٍ عن أبي عبد الله عليه السلام:- يسيل عليَّ من ماء المطر أرى فيه التغيير ....... قال:- ما بذا بأسٌ كلّ شيءٍ يراه ماء المطر فقد طهر )[5]، إنّ مورد السؤال خاصّ عن قضيّةٍ خاصّةٍ بشخصٍ وبمورد ذلك الشخص الخاصّ المرتبط به وأنّه يسيل عليه ماءٌ متغيّر، فالشخص خاصٌّ ومورده خاصٌّ والإمام عليه السلام في مقام الجواب أعطى شيئاً عامّاً فقال ( كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر )، إنّنا نستفيد من ذلك حكماً عامّاً لا يختصّ بهذا السائل ولا بمورد سؤاله بل يعمّ جميع الأشخاص وجميع الموارد فإنّ المورد لا يخصّص الوارد.
وألفت النظر إلى شيء:- وهو أنَّ الفقهاء يقولون إنَّ ماء المطر له خصوصيّة ومن خصوصياته أنّه لو كان عندك شيء متنجّس كالفراش مثلاً فبمجرّد أن يراه ماء المطر - أي اصابه كلّه ولو بمقدار ثانية - فقد طهر ولا يحتاج إلى عصرٍ ولا تعدّد ومستندهم هو هذه الرواية لأنّ الرواية قالت ( كلّ شيءٍ يراه ماء المطر فقد طهر ).
ولكن هذه الرواية ضعيفة السند فإنّها مرسلة، ولكن مع ذلك عمل بها الفقهاء وأنَّ الفتوى على ذلك، وهذا من أحد مصاديق كون عمل الفقهاء جابراً لضعف السند مع انحصار المدرك بروايةٍ ضعيفة.