36/06/29


تحمیل
الموضوع:- قاعدة إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال - قواعد وفوائد.
المثال الثاني:- المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً هل هي زوجة أو بحكم الزوجة ؟ هي لا إشكال أنها ليست بائنة ولذلك يجب على الزوج الانفاق عليها وهذا معناه أنها ليست أجنبية بالكامل إذ بلو كانت أجنبيةً بالكامل وتوجد بينونة فلا يجب الإنفاق عليها، بل قال الفقهاء إنَّ اثار الزوجية تترتّب، بل يمكنها التزيّن للرجل كما ورد في الرواية حيث ذكرت ( فلتشوّفه ) وهذا يدل على أنها ليست بائنة، إنما الكلام أنّها زوجة حقيقًة أو بحكم الزوجة ؟
وتظهر الثمرة هي أنّه إذا قلنا هي زوجة حقيقةً فجميع آثار الزوجية سوف تترتّب بلا حاجة إلى دليل خاص، أما إذا قلنا هي بحكم الزوجة فالآثار تترتب بمقدار ما دلّ عليه الدليل . نعم لو فرضنا أن شخصاً ادّعى أنه يوجد عندنا إطلاق يدلّ على أنها بحكم الزوجة من ناحية جميع الآثار فيعود هذا البحث عقيمًا وبلا فائدة، فإذن يصير هذا النزاع ذا فائدة فيما إذا فرض أنّه لم يدلّ دليل على أنّ المطلقة الرجعيّة تترتب عليها جميع آثار الزوجية - ؟
وقد تكرر السيد الخوئي(قده) في كلماته أنها زوجة حقيقةً وتمسّك لذلك بالرواية التي تقول:- ( إذا مضت أقراؤها فقد بانت منه )[1]، بتقريب أنّ قوله عليه السلام:- ( إذا مضت أقراءها فقد بانت منه ) يعني أوّلاً كانت هي زوجة والآن انقطعت الزوجيّة وزالت، فانقطاع الزوجية يكون إذا انتهت العدّة[2].
ولكن يمكن أن يقال:- إنّ قوله عليه السلام:- ( فقد بانت منه ) لا يريد منه أنّه انقطعت الزوجيّة وإنما المقصود هو أنّه لا يتمكّن من الرجوع إليها، أي زال عنه حقّ الرجوع، فحقّ الرجوع موجودٌ مادامت العدّة موجود فإذا انتهت العدّة زال حقّ الرجوع وعبّر عن وزوال حقّ الرجوع بتعبير ( بانت منه )، وهذا احتمالٌ وجيهٌ ولا نريد ان نجزم به، ومعه يتزعزع أصل الظهور فلا نتمكّن أن نقول لها ظهور في أنّ المقصود أنّه بانت وزال أصل الزوجية عند انقضاء العدّة بل تعود الرواية مجملة ومردّدة بين المعنيين.
المثال الثالث:- ما استدل به السيد الخوئي(قده) أيضاً على وجوب ستر المرأة وجهها، فإنّه يرى أنّ المرأة هل يجوز لها إبراز وجهها أو كفيها أو لا - هذا من ناحيتها - ؟ ومن ناحيةٍ أخرى هل يجوز للرجل أن ينظر إلى ذلك أو لا ؟ وهو(قده) كأنه يميل إلى لزوم ذلك وكان يستدلّ عليه ولكن لم يفتِ بذلك وترك المجال في المسألة مفتوحاً حتى يمكن الرجوع في المسألة إلى الغير، ولعلّه لم يفتِ بذلك إمّا لأجل أنّ الأدّلة التي استند إليها بَعدُ لا يركن قلبه إليها ركونا تامّاً فهو ركونٌ علميٌّ وليس ركوناً وجدانياً أو لأجل أنّه بما أنّ هذه مسألة ابتلائية ومهمّة فأراد أن يترك المجال فيها.
وأحد الروايات التي استدلّ بها على وجوب ستر الوجه والكفين صحيحة الصفّار التي يذكرها أصحاب الحديث في كتاب الشهادات ونصّها:- ( كتبت إلى الفقيه عليه السلام في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان أنها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها أو لا تجوز له الشهادة عليها حتى تبرز ويثبتها بعينها ؟ فوقّع عليه السلام:- تتنقّب[3]وتظهر للشهود )[4].
وهذه الرواية قد وراها الشيخ الصدوق(قده)، والمقصود من لفظ ( الفقيه ) الوارد في الرواية هو الإمام العسكري عليه السلام لأنّ الشيخ الصدوق(قده) صرّح[5] وقال:- ( وكتب محمد بن الحسن الصفار إلى أبي محمد الحسن بن عليه عليهما السلام ) ثم في النهاية قال:- ( هذا التوقيع عندي بخطه عليه السلام ).
وقد استدل بها السيد الخوئي(قده) على أنّ ستر الوجه لازمٌ على المرأة إذ لو لم يلزم ستره كان من المناسب للإمام أن لا يحكم عليها بالتنقّب بل يقول ( تخرج أمامه وتبرز قرص وجهها )، اللهم إلا أن تقول إنّ الإمام صنع ذلك من باب حياء المرأة.
أجاب(قده) وقال:- إن ظاهر كلام الإمام كلما يتحدّث ويبيّن حكماً هو أنه يبيّن حكماً شرعياً لا أنّه يبين قضايا ترتبط بالحياء دون الأحكام الشرعيّة فإنّ هذا لا معنى له وهو خلاف الظاهر . فإذن يفهم من الرواية أنه يجب على المرأة أن تستر كامل وجهها.
ولو قيل:- إذا كان يلزم ذلك كيف قال الإمام ( تتنقب ) ولازم التنقّب بروز مقدارٍ من الوجه فعادت المشكلة ؟
قال(قده):- هذا بمقدار الضرورة لأجل الشهادة.
وفيه:- إنّه يمكن أن ندّعي أنّ الإمام عليه السلام يبيّن حكماً شرعياً لا أنّه يبيّن حكماً يرتبط بالحياء والعّفة فإنّ هذا خلاف ظاهر الإمام عليه السلام كما قال(قده) وأنّ الحكم الشرعي في باب الشهادة هو أنّ المرأة تتنقّب إذا أريد الشهادة عليها، ولكن لماذا تتنقّب والحال أنّه يجوز لها أن تبرز كامل وجهها - بناءً على أنه يجوز الإبراز - ؟ ذلك من باب رفع الحرج عن المرأة، فالإمام عليه السلام لأجل أن لا يلزم الحرج على المرأة رغم أنه يجوز لها الإبراز فحينئذ قال ( تتنقب )، فإذن الأمر بالتنّقب هو بيانٌ لحكمٍ شرعيّ نشأ هذا الحكم الشرعي من باب رفع الحرج عن المرأة فإنها قد تستحي من إبراز كامل ووجهها، نظير ذلك بالنسبة إلى البكر حيث ورد أنّ ( سكوتها إقرارها )[6]، إن هذا الاحتمال موجود ومعه لا يصير ظهورٌ للرواية في حرمة إبراز المرأة وجهها بل تعود مجملةً من هذه الناحية وتلتئم مع كلا الاحتمالين.
والخلاصة من كلّ هذا:- هناك موارد تقبل فيها هذه القاعدة وهناك موارد ترفض فيها، لكني أُأَكّد بأن الأمثلة التي ذكرتها للقبول لم أذكرها من باب الحصر بل من باب المثال.