36/06/28


تحمیل
الموضوع:- قاعدة إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال - قواعد وفوائد.
المورد الثاني:- ما إذا فرض أنّ روايةً دلّت على حكمٍ معيّن وكان غرضنا لا يرتبط بهذا الحكم بل على لازمه وأردنا استنتاج الملازم من الحكم الذي دلّت عليه الرواية، ففي مثل هذه الحالة إذا وجد الاحتمال قد يؤثر على الملازمة التي يراد منها الاستكشاف.
ونذكر بعض الأمثلة لذلك:-
المثال الأوّل:- توجد عندنا روايات تنهى عن سؤر اليهودي أو النصراني من قبيل صحيحة سعيد الأعرج:- ( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني، فقال:- لا )[1]، إنها دلت على حكمٍ وهو عدم جواز تناول سؤر اليهودي والنصراني، وبالملازمة نستكشف أنّه نجسٌ إذ لو لم يكن نجساً فلماذا نهى الإمام عن سؤره ؟! إنّ النهي عن سؤره يدلّ بالالتزام على نجاسته ومن ثم يثبت المطلوب وهو نجاسة الكتابي.
ولكن يمكن أن يقال:- إنّ النهي عن السؤر لعلّه لا من باب النجاسة بل من باب أنّ السؤر بما هو سؤرٌ – أي هو فيحدّ نفسه - فيه حزازة لا لأجل النجاسة، وهذا هذا احتمال وجيه، من قبيل كراهة سؤر الحائض والجنب فإنّ ذلك لا من باب أنّ الحائض أو الجنب نجس بل من باب أنه مادام الشخص جنباً فنفس سؤره يصير مكروهاً وفيه حزازة، فشرعاً نحتمل أنّ سؤر بعض الحيوانات أو بعض الناس فيه حزازة في حدّ نفسه لنكتةٍ يعلمها الله عزّ وجلّ لا للنجاسة، وهذا الاحتمال موجودٌ ومادام موجوداً فلا يمكن التمسّك بهذه الرواية لإثبات نجاسة اليهودي والنصراني.
المثال الثاني:- قد يستدلّ على حجّية خبر الثقة بصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام:- ( الرجل يشتري الأمة من رجلٍ فيقول إنّي لم أطأها، فقال:- إن وثقت به فلا بأس أن يأتيها)[2]، فهذه الرواية قد يستدّل بها على حجّية خبر الثقة فإنّ الإمام عليه السلام قال:- ( إن وثقت به فلا بأس أن يأتيها ) يعني إن كان ثقةً فلا بأس، ولازمه أنها تدلّ على حجيّة خبر الثقة.
ونحن نقول:- يحتمل أنّ حجّية الأخذ بكلام البائع الثقة لا لأجل حجّية خبر الثقة بل لأجل أنّه إخبارُ صاحبِ اليد، فصاحب اليد متى ما أخبر يكون إخباره حجّة من باب أنّه صاحب يد، غايته أنّ الرواية دلّت على أنّه مضافاً إلى كونه صاحب يد يشترط أن يكون ثقة وهذا الاحتمال موجود وعليه فلا يمكن أن نستكشف من هذه الرواية أنّ خبر الثقة حجّة.
إن قلت:- إذا كان ذلك من جهة أنه صاحب يد فلا يشترط في حجّية قول صاحب اليد أن يكون ثقةً !! إذن اعتبار أن يكون ثقة لا من باب أنّه صاحب يد بل من باب أنّ خبر الثقة حجّة بنفسه.
قلت:- من أين لك أنّ قول صاحب اليد حجّة وإن لم يكن ثقة ؟ إنّك لابدّ وأن تستدل بفتوى الفقهاء، ومن الواضح أنْ تحُمِّل فتوى الفقهاء على الرواية وتفهم الرواية من خلال فتواهم ليس بصحيح، بل لعلّ الرواية تريد أن تبيّن مطلباً على خلاف ما عليه فتوى الفقهاء وروايتنا هذه كذلك، وهو احتمال وجيهٌ . إذن هذه الرواية لا يمكن أن نستدلّ بها على حجيّة خبر الثقة لاحتمال أنّ الإمام عليه السلام حينما قال ( إن وثقت به ) لا من باب أنّ خبر الثقة بما هو خبر ثقة حجّة بل من باب كونه صاحب يد انضمَّ إلى كونه ثقة، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
المثال الثالث:- صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال:- ( جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل، فقال:- أمّا السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله والزيت يبيعه ويبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به )[3]، إنها قالت:- ( والزيت يبيعه ويبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به )، وقد يقال هي تدلّ بالملازمة على حجيّة إخبار ذي اليد، ولابد وأن يكون المقصود بالملازمة أنّه يلزم على المشتري أن يقبل وإلا فوجوب البيان من قبل البائع مع عدم لزوم المشتري لغوٌ ولا فائدة في الإخبار المذكور.
إذن حينما يقول الإمام عليه السلام:- ( يبيّنه لمن اشتراه ) فهذا يعني أنّه يجب قبول قول صاحب اليد - وهو البائع - فهذه الرواية يستدلّ بها على حجّية إخبار صاحب اليد فإذا أخبر بشيءٍ فإخباره يكون حجّة.
ولكن ربما يبرز احتمالٌ وهو أن يقال:- إنّ صاحب اليد لا حجّية لإخباره بما هو صاحب يد، ولكن هنا لو اخبر صاحب اليد فالمشتري سوف يطبّق حتماً وبشكلٍ قهريّ بقطع النظر عن مسألة حجيّة إخبار صاحب اليد، ولماذا ؟ ذلك باعتبار أنّه يخبر عن شيءٍ هو على خلاف مصلحته، من قبيل ما إذا قال ( هذا الزيت رديء ) فهنا يحصل للمشتري الاطمئنان بذلك بحساب الاحتمال، وحينئذٍ يقال عند إخبار البائع بأنّ هذا نجس سوف ينفذ المشتري ما أخبر به البائع لا من باب حجيّة إخبار البائع وأنه صاحب يد بل من باب حصول الاطمئنان له بحساب الاحتمال . وهذا الاحتمال موجودٌ ومعه كيف تستنتج من الملازمة حجيّة إخبار صاحب اليد ؟! فالملازمة ليست موجودة، وعليه فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
هذه أمثلة ثلاثة وعلى منولها الكثير.
المورد الثالث:- ما إذا فرض أننا أردنا التمسّك بظهور آية أو رواية وفرض أنّه أُبرِزَ احتمالٌ في مقابل الظهور بحدٍّ يزعزع الظهور، فهنا فالمورد يصير مصداقاً للمجمل فيكون الاحتمال مبطلاً للاستدلال بالظهور لزوال الظهور من الأساس.
إذن ينبغي التفرقة بين هذا المورد الثالث من موارد قبول القاعدة وبين المورد الذي قلنا فيه أنّه ترفض فيه قاعدة إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، فهناك قلنا ترفض القاعدة فيما إذا فرض أنّ الاحتمال لا يزعزع الظهور لأنّه دائماً يوجد احتمالٌ في مقابل الظهور إذ لو لم يوجد الاحتمال المخالف صار المورد من النصّ والصريح ولا يصير ظهوراً، فدائماً يوجد احتمالٌ مقابلٌ للظهور، ولكن هذا الاحتمال المقابل على نحوين مرّة لا يزعزع الظهور وهو ما ذكرناه سابقاً وقلنا أنّه لا تشمله قاعدة إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، أمّا هنا فنحن نفترض أنّ الاحتمال يزعزع الظهور من الأساس وعليه ففي مثل هذه الحالة لا يمكن التمسّك بالظهور من باب السالبة بانتفاء الموضوع لأنّه لا يوجد ظهورٌ حينئذٍ,
ونذكر بعض الأمثلة لذلك:-
المثال الأوّل:- قوله تعالى:- ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾[4]، إنّ هذه الآية الكريمة قد يستدلّ بها على وجوب ستر الفرج، يعني يلزم على كلّ إنسانٍ - غير الزوجين - أن يستر فرجه.
وقد يقال بادئ ذي بدء إنَّ هذا صحيح لأنّ ( لفروجهم حافظون ) أي عن نظر الآخرين وهذا هو عبارة عن التستّر.
نعم لك أن تقول إنَّ هذا التعبير ليست فيه دلالة على اللزوم بل هو مدحٌ يعيني هو بيانٌ لصفات المؤمنين الممدوحة فأقصى ما يدلّ عليه محبوبيّة هذه الصفة.
ولكن قلنا إنّه عند قراءة ذيله الآية الكريمة الذي يقول:- ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هو العادون ﴾ نفهم اللزوم.
والكلام:- هل هذه الآية الكريمة تدلّ على لزوم ستر العورة أو لا ؟
قد يقال:- نعم هي تدلّ على ذلك.
ولكن في المقابل نقول:- لعلّ المقصود هو الكناية عن عدم الزنا، يعني أنَّ المؤمن لا يزني ويحفظ فرجه إلّا مع الزوج أو مع الزوجة، وهذا معنىً محتملٌ، ووجيهٌ إنّ هذا الاحتمال يزعزع أصل الظهور فيما أراده الفقهاء - يعني في وجوب التستر -، فعلى هذا الأساس لا يمكن أن نتمسّك بالظهور لزوال الظهور من الأساس بعد أن أبرزنا احتمال كون المقصود هو الكناية عن الزنا، وهنا يصحّ أن نقول إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، ولماذا يبطله ؟ لأنّ المطلوب هو الظهور ولا ظهور إذ بواسطة الاحتمال يبطل الظهور.