36/05/11


تحمیل
الموضوع:- الرخصة المعلقة على عنوان وجودي ( القاعدة النائينية ) - قواعد وفوائد.
بيد أنّه في حاشيته على العروة الوثقى[1] في مسألة أنّ المكلف لو رأى امرأة لا يدري أنها أخته حتى يجوز النظر إليها أو أنها أجنبية حتى لا يجوز ذلك قال لأنّ الرخصة الثابتة لعنوانٍ وجوديّ لا تثبت إلّا إذا أحرز ذلك العنوان الوجودي ونصّ عبارته:- ( تعليق الرخصة على أمر وجوديّ يدلّ على لزوم أحراز ذلك الامر الوجودي وعدم جواز الاقتحام عند الشك ).
إذن في موردنا توجد رخصة في النظر ولكنها عُلّقت على عنوان الأخت ونفس تعليق الرخصة على عنوانٍ وجوديّ يدلّ على لزوم إحراز ذلك العنوان الوجودي في ثبوت الرخصة.
وما هو مدرك هذه القاعدة ؟
يجيب(قده) فيقول:- لا مدرك لذلك إلّا العرف والعقلاء، فحينما تقول لشخصٍ يجوز لك أن تنظر إلى أختك يفهم -ولنسمّه مدلولاً التزامياً عرفياً - أنّ هذه الرخصة لا تثبت إلّا إذا أُحرِز ذلك العنوان الوجودي، وهكذا إذا قال اشرب الشاي أو كل الخبز والجبن وشككت هل هذا شاي أو لا فالرخصة هنا لا تثبت إلا إذا أحرزت أنّ هذا شاي وكذلك في الجبن، فالشيخ النائيني(قده) يقول مادمت لا تعلم أنّ هذا جبن أو شاي فالرخصة لا تثبت حينئذٍ، فهو لا يوجد عنده دليل غير الفهم العرفي العقلائي ولذلك يعبّر عن هذا الفهم فيقول هو مدلولٌ التزاميّ عرفيّ، ولو أردنا أن نمثّل للمدلول التزامي العرفي في المنطق فأحده هذا المورد في نظر الشيخ النائيني(قده)، نعم كنا نمثّل للمدلول العرفي بأنّه لو قلت جئني بالشاي فالمدلول الالتزامي العرفي أن تكون معه ملعقة لا أن تأتي بالقدح بدونها , وكلّ هذه مداليل التزامية عرفيّة والشيخ النائيني(قده) يضيف مدلولاً عرفياً ثانياً.
السؤال:- هو انّ تعبير الشيخ النائيني(قده) قد اختلف في تقريريه عنه في حاشيته على العروة، ففي التقريرين قال يلزم أن يكون هناك حكم إلزامي استثني منه حكم ترخيصي ثبت لعنوان وجودي .... الخ، أمّا في تعليقته على العروة الوثقى فإنّه حذف البداية واكتفى بالفقرة الثانية - وهي أنه يوجد حكم ترخيصي معلّق على عنوان وجودي - فهل هذا اختلافٌ في رأيه أو أنّه اختلافٌ في التطويل والإيجاز ؟
والجواب:- المناسب أنّ نقول هو فارقٌ لفظيّ والروح واحدة، والوجه في ذلك:- هو أنّا إذا شككنا في العنوان الوجودي فقد ذكر(قده) إنه إذا لم نحرز العنوان الوجودي فالعرف يرى أنّ الرخصة لا تثبت ولكن لابد وأن نفترض وجود حكم إلزامي إذ لو لم نفترض وجوده لكان المرجع هو أصل البراءة وحينئذٍ لا تظهر ثمرة عمليّة، فيلزم أن نفترض وجود شيءٍ يمنع من الرجوع إلى أصل البراءة وهو دليل الحكم الإلزامي.
إذن الفارق على هذا لفظيّ وليس جوهرياً.
أجل استدرك وأقول:- لعلّ مقصود الشيخ النائيني(قده) شيئاً أعمق مما أشرنا إليه، وذلك بأن يكون مقصوده هو أنّ نفس الرخصة الثابتة للعنوان الوجودي يفهم منها العرف مطلبين، فحينما يقول له يجوز لك أن تنظر إلى أختك فحتى لو لم يكن هناك حكم إلزامي - أي حرمة نظر إلى مطلق المرأة - فنفس هذه الرخصة الثابتة لعنوان الأخت يفهم منها العرف مطلبين أحدهما بالدلالة المطابقة والآخر بالدلالة الالتزاميّة الأوّل هو أنّه يجوز لك أن تنظر إلى أختك والثاني هو أنّه إذا لم تحرز أنها أختك فلا يجوز لك أن تنظر إليها وإن كان الأصل يقتضي البراءة لكن نفس هذا الدليل هو فيه دلالتان مطابقية والتزاميّة بالشكل الذي أوضحناه، وبناءً على هذا سوف يكون الفارق ليس مجرّد فارق لفظيّ بل بناءّ على هذا سوف لا نحتاج إلى افتراض حكمٍ لزوميّ مسبقٍ، بل حتى لو كان لدينا أصل البراءة ولا يوجد حكم إلزاميّ فمع ذلك تعطي هذه القاعدة ثمرتها، وهو شيءٌ ظريفٌ وتحقيق في مقصود الشيخ النائيني(قده).
وبعد أن اتضح هذا قد يشكل على الشيخ النائيني(قده) ويقال:- أليس هذا هو من باب التمسّك بالعام في الشبهة الموضوعيّة أو المصداقيّة ؟ يعني أنّك تريد أن تقول إنّي أخالف جمهور الأصوليين وأقول في هذا المورد لا يتمسّك بالرخصة بل يتمسّك بعموم العام وهو مثل لا تنظر إلى المرأة فإنّه خرج منه عنوان الأخت وأنا لا أحرز أنّ هذه أخت أو ليست بأخت فدليل الرخصة لا يمكن التمسّك به فنتمسك حينئذٍ بالعام وهو وإن كان تمسّكاً بالعام في الشبهة الموضوعيّة ولكنه يجوز في مثل هذه الموارد التي استثني منها حكم ترخيصيّ.
وأجاب(قده) وقال:- إنّي لا أقصد هذا وإلا لو كنت أرى ذلك فلأتمسّك بعموم دليل الرخصة لأنّ الشك في عموم دليل الرخصة هو شك في شبهة موضوعيّة أيضاً لأنّ الرخصة قد ثبتت لعنوان الاخت وأنا أشك هل هذه أخت أو لا فلو كنت أريد أن أبني على جواز التمسّك بالعام في الشبهة الموضوعيّة لكان الاجدر لي التمسّك بعموم دليل الرخصة وأثبت الرخصة، فأنا لا أريد أن أنظر إلى هذا وإنما أريد أن أقول إنَّ العرف يفهم هذا المعنى أي يفهم أنّ الرخصة لا تثبت إلّا مع الإحراز، فمدركي هو هذه النكتة لا مسألة التمسّك بالعام.
ورتّب على هذا المطلب جملة من الثمرات:-
الثمرة الأولى:- لو فرض أنا وجدنا ماءً لا ندري أنّه كرّ أو ليس بكرّ وقد لاقته نجاسة بأن وضعنا فيه قطرة دم فإن كان كرّاً فحينئذٍ لا يتنجّس وإن كان أقل من كرّ فسوف يتنجّس وكانت حالته السابقة مجهولة - إذ لو كانت معلومه بأن كان كرّاً فنستصحب الكرّية وإن لم يكن كرّاً فنستصحب عدم الكريّة، - فهنا ما هو الحكم ؟
حكم جماعة من العلماء بالنجاسة تمسّكاً باستصحاب العدم الأزلي، يعني أنّه قبل أن يخلق هذا الماء لم تكن ذاته موجودة ولا وصف الكرّية وبعد ذلك وجدت ذاته ونشك هل أنّ وصف الكريّة باقٍ على العدم أو تبدّل إلى الوجود فنستصحب العدم الأزلي لوصف الكريّة فنثبت عدم الكرية، فنقول هذا الماء ليس بكرٍّ باستصحاب العدم الأزلي والجزء الآخر وهو أنّه لا قته نجاسة ثابت بالوجدان فإذن قد تنجّس، والشيخ النائيني(قده) لا يقبل الاستصحاب في الأعدام الأزليّة فطبّق هذه القاعدة وقال هناك رخصة ثبتت في عدم التعامل معاملة النجس والمتنجّس مع الماء الكرّ إذا لاقته نجاسة وهذا الماء مشكوكٌ أنّه كرّ أو ليس بكرّ فتثبت عدم الرخصة حينئذٍ بلا حاجة إلى تطبيق العدم الأزلي والعدم النعتي.


[1] العروة الوثقى، اليزدي، كتاب النكاح، مسألة 50، ط قديمة، ج5، ص500، ط جديدة.