36/04/24


تحمیل
الموضوع:- مسقطات التكليف- مباحث الحكم.
مسقطات التكليف:-
لا إشكال في أنّ التكليف يسقط بكلّ قيدٍ أخذ عدمه في ثبوت التكليف، فمثلاً كلّ حكمٍ هو مشروطٌ بعدم الضرر وعدم الحرج وعدم النسيان وعدم الإكراه، فإذا تحقق الإكراه زال التكليف، وإذا تحقق الاضطرار زال التكليف .... وهكذا، وهذا مطلب مسلّم ومتّفق عليه، ووجهه واضح حيث إنّ عدمه أخذ في ثبوت التكليف ولازم ذلك أنّه متى ما تحقّق ذلك الشيء - أي تحقق النسيان مثلاً - فلامه أن لا يثبت التكليف والقضيّة بديهية من هذه الناحية.
إنما الكلام في أنّ الامتثال والعصيان هل هما من مسقطات التكليف أو لا ؟ فإذا فرض أنّ المكلف امتثل التكليف فهل يزول بذلك التكليف كما لعله هو المعروف والمركوز في أذهاننا أو أنه لا يزول ؟
قد يقال:- إنّ الذي يزول هو فاعليته وتحريكه وأمّا وجوده الفعلي فلا يزول بل هو باقٍ، والدليل على ذلك هو أنّ الوجوب مثلاً في واقِعِهِ عبارة عن الإرادة والحب للشيء ومن الواضح أنّ إرادة الشخص لشيءٍ لا تزول بتحقّق المراد بل هي باقية وإنما الذي يزول هو باعثيّة الإرادة ومحركيّتها نحو الفعل، فالطعام مثلاً نحن نحبّه ونريده فإذا أكلنا هل زالت الإرادة له أو هي باقية ؟ إنّها باقية وإنما الزائل هو محركيّتها بدليل أننا نهيئ للوجبة الثانية من الآن أو نقول احتفظوا بالباقي لنأكله في الوجبة الثانية، إن هذا معناه أنّ الإرادة والشوق بَعدُ موجودٌ غايته لأجل امتلاء البطن لا محركيّة لهذه الإرادة لا أنه لا وجود لها بالفعل، وعليه فحيث أنّ الوجوب مثلاً هو في روحه وحقيقته عبارة عن الإرادة فيلزم بقاؤه حتى بعد تحقّق الواجب وإنما الذي يزول هو محركيتّه وباعثيته.
وتظهر الثمرة لهذا البحث في بعض الأبحاث الأصوليّة أحدها ما لو فرض أنّ المكلف شك في داخل الوقت هل أتى بالواجب أو لا كما لو شك قبل أن غروب الشمس هل صلى صلاة الظهر والعصر أو لا فالقاعدة ماذا تقتضي - بقطع النظر عن صحيحة زرارة التي تقول إذا شك داخل الوقت فيأتي بها وإن شك خارج الوقت فقد دخل حائل وهذا ما يعبر عنه بقاعدة الحيلولة - ؟ يمكن أنّ يقال:- إنّ القاعدة تقتضي لزوم الاتيان بالصلاة لأنّ ذمته قد استغلت يقيناً بالتكليف ولكن يشك هل امتثله أو لا والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني والفراغ اليقيني يتحقّق بأن ائت بالصلاة من جديد ولا ينفع احتمال الاتيان بها سابقاً، هنا قد يشكل ويقال:- إذا قلنا بأنّ التكليف يسقط بالامتثال ففي مثل هذه الحالة حيث نحن نحتمل الامتثال فيلزم أن نحتمل عدم ثبوت التكليف وبالتالي يصير المورد من موارد الشك في ثبوت التكليف وهو مجرى للبراءة !! وهذا إشكالٌ فنّي على رأي المشهور.
إنّ هذا الإشكال يندفع لو قلنا بأن فعليّة التكليف لا تزول بالامتثال وإنما التي تزول هي فاعليته، فعلى هذه الأساس ليس المورد من موارد الشكّ في ثبوت أصل التكليف وإنما الشكّ في فاعليته تحريكه لا في أصل ثبوته، نعم يأتي هذا الإشكال على رأي المشهور الذي يقول بأنّ الامتثال من مسقطات التكليف إذ يقال إنّه مادمنا نحتمل الامتثال فلا نجزم بثبوت التكليف الآن وبالتالي يصير المورد من موارد الشك في ثبوت التكليف ومورد الشك في التكليف مجرى للبراءة.
إذن هذا المبنى قد نستفيد منه في بعض المجالات مثل هذا المورد فلذلك لا بأس بتحقيق هذا الأمر.
ولكن يمكن أن نجيب ونقول:- إنّ قياس المراد التشريعي على المراد التكويني أمرٌ في غير محلّه، ففي باب المراد التكويني كإرادة الطعام نسلّم أنّ الإرادة لا تزول بمجرّد تحقق المراد وإنما تزول الفاعلية أو التحريك والوجدان قاضٍ بذلك، وأمّا في باب المراد التشريعي - ونقصد منه أنّ المولى يريد الفعل منّي كالصلاة والصوم أي يريد فعل الغير ومتى ما أريد فعل الغير فهذه يعبّر عنها بالإرادة التشريعية في مقابل إرادة فعل نفس المريد فهذه إرادة تكوينية - فيمكن أن نفترض أنّه بتحقّق المراد يزول أصل الإرادة وقياس هذا على ذاك في غير محلّه فإنّه في الإرادة التشريعية يريد المولى الفعل طبقاً لملاكٍ ومصلحةٍ معيّنةٍ ومن المحتمل أن ذلك الملاك يتحقّق بالفعل مرّة واحدة دون المرّة الثانية، إنّه إذا كان الملاك من هذا القبيل فحينئذٍ يلزم من تحقّق المرّة الواحدة زوال الإرادة لا أنها تبقى بعد ذلك.
إذن هذا الكلام صحيحٌ في باب الإرادة التكوينيّة وليس بصحيحٍ في باب الإرادة التشريعية بعد الالتفات إلى أنّ الإرادة التشريعية تنشأ من ملاكات ومصالح معيّنة ولا محذور في أن يتحقّق الملاك والمصلحة بالامتثال مرّة واحدة وبعد الامتثال لا مصلحة ولا إرادة فأيّ مانع ذلك ؟!! ولذلك اتفقت كلمة الفقهاء على أنّ المكلف بعد أن أتى بالواجب كاملاً لا يمكنه أن يأتي به ثانياً - كما لو أتى بصلاة الظهر بكامل الشرائط والأجزاء - ولا يصحّ وما ذاك إلّا لأجل أنّ المراد سنخ مرادٍ تتحقّق مصلحته بالمرّة الواحدة، فالارادة قد زالت وسقطت فما معنى أن يأتي بالفعل مرّةً ثانية.
وهذا بخلافه على أنّ الإرادة باقية والفاعليّة هي الزائلة فإنّ الإرادة مادامت باقية فلا محذور آنذاك في الإتيان بالواجب مرّةً ثانية لأجل وجود إرادة فعليّة، نعم إلزام وتحريك ليس موجوداً فيلزم صحّة الفعل والحال أنّه لا يلتزم أحدٌ بذلك.
إذن قياس الإرادة التشريعيّة على الإرادة التكوينيّة ليس في محلّه.
وإذا قلت:- كيف يسقط التكليف بالامتثال والحال أنّه لم يؤخذ عدمه قيداً في التكليف وإنما الذي أخذ عدمه قيداً في التكليف هو الضرر والحرج والنسيان والاضطرار والإكراه فيسقط التكليف بتحقّق الإكراه والنسيان والاضطرار في محلّه أمّا التكليف فلم يؤخذ فيه قيد أن لا يتحقّق الامتثال فإذا لم يؤخذ هذا القيد فإذن بتحقّق الامتثال كيف يسقط التكليف ؟
والجواب:- صحيحٌ أنّه لم يؤخذ عدمه قيداً ولكن لم يؤخذ بذلك من باب أنّه بعد تحقّق المطلوب لا طلبَ، فسقوط الطلب شيءٌ قهريٌّ بعد تحقّق المطلوب ولا يتوقّف على أخذ العدم قيداً إنما يلزم أخذ العدم قيداً في غير الامتثال أمّا فيه فبما أنّه قد تحقّق المطلوب فعلى هذا الأساس سوف يسقط سقوطاً قهرياً، فإرادة المولى وطلبه محدودان من البداية مادام الفعل لم يتحقّق فإذا حصل الفعل فحينئذٍ يسقط الأمر بشكلٍ قهريّ.
والنتيجة:- لا بأس بأن نقول إنَّ الامتثال من مسقطات نفس التكليف فإنّه شيءٌ محتملٌ ووجيهٌ ولا يقاس بالمرادات التكوينيّة.