36/04/18


تحمیل
الموضوع:- شرطية القدرة في متعلّق التكليف - مباحث الحكم.
ثم أضاف(قده) كلاماً آخر ليس كدليلٍ وإنما هو بيان واقع وحاصله:- إنّ الخلط بين كون الحكم موجّهاً للعنوان وبين كونه موجهاً للأفراد وتخيّل أنّ الأحكام الشرعيّة هي من القبيل الثاني صار سبباً لبعض الاشتباهات لدى الفقهاء والأصوليين أحدها في باب العلم الاجمالي، فقد قرأنا في الكفاية والرسائل أنّ شرط منجزيّة العلم الاجمالي أن تكون جميع الأطراف داخلة تحت محلّ ابتلاء المكلّف فلو كان بعضها خارجاً عن ابتلائه فلا يكون هذا العلم الاجمالي منجّزاً لأنّ شرط تنجيز العلم الاجمالي أن يكون مولّداً للعلم بالتكليف بحيث أقول حتماً قد توجه إليَّ التكليف وإلا إذا ما صار علماً بالتكليف فلا تستطيع أن تقول قد توجّه إليّ التكليف جزماً باجتناب أحد الاناءين فهذا ليس علماً إجمالياً بل هو شكٌّ فيكون مجرى للبراءة، وهنا لو كان النجس هو الإناء الداخل تحت محل الابتلاء فقد توجّه إليّ خطاب ( اجتنب ) أمّا إذا كان النجس هو الإناء الخارج عن محلّ الابتلاء فخطاب ( اجتنب ) لا يتوجّه لي لأنّه خارجٌ عن محلّ الابتلاء فقبيحٌ عرفاً أن يتوجّه لي أمرٌ بالاجتناب عن الطرف الخارج عن محل الابتلاء، وعلى هذا الأساس على أحد التقديرين يوجد تكليفٌ متوجه لي وعلى التقدير الثاني لا تكليف متوجّه لي . إذن أنا ليس عندي علمٌ جزميٌّ بتوجّه خطاب اجتنب عن النجس إليَّ بل يوجد عندي شكٌّ واحتمالٌ وهو مجرى للبراءة، وحينئذٍ متى ما صار العلم الاجمالي دائراً بين طرفين أو أطراف بعضها خارج عن محلّ الابتلاء فسوف يكون ساقطاً عن المنجزيّة.
وهذا الذي ذكره الفقهاء منشأه تصوّر أن الأحكام الشرعيّة موجّهة بنحو الخطابات الجزئية، فإذا قلنا هي بنحو الخطابات الجزئية فنعم لا يصحّ أن يتوجّه إليك خطاب ( اجتنب عن هذا الاناء النجس ) إلا إذا كان داخلاً تحت محلّ الابتلاء أما إذا قلنا أنّ الخطابات الشرعيّة موجهة إلى العنوان فحينئذٍ يكفي لصحّة توجيه التكليف المتعلّق بالعنوان أن يكون محّلاً لابتلاء بعض الأشخاص، إنّه بناءً على هذا لا يكون دخول الأطراف في محلّ الابتلاء شرطاً في منجزيّة العلم الاجمالي، فلذك قال أنا لا أبني على أنّ شرط منجزيّة العلم الاجمالي أن تكون جميع الأطراف داخلة تحت محلّ الابتلاء.
ثم أضاف(قده) وقال:- لو كان الدخول في محلّ الابتلاء شرطاً لصحّة توجّه التكليف يلزم أن يكون الأمر كذلك في الحكم الوضعي مثل النجاسة، فمثلاً الدم الموجود في القمر نجاسته حكمٌ وضعيٌّ فهو نجسٌ جزماً، وهو يقول كيف هو نجس ؟ فإنَّ هذا حكمٌ وذاك الدم خارج عن محلّ الابتلاء فثبوت النجاسة له يكون حينئذٍ كخطاب ( اجتب ) التكليفي فكما أنّ خطاب ( اجتنب عن الدم الموجود في القمر ) يكون قبيحاً في نظركم يلزم أن يكون اعتبار النجاسة له قبيحاً أيضاً لأنّه خارج عن محلّ الابتلاء فما معنى أن يعتبر المولى النجاسة له ؟!! والحال أنّ الفقهاء لا يختلفون في أنّ الدم أينما كان هو نجسٌ حتى إذا لم يكن ضمن محلّ الابتلاء . من هنا يبني أنّ الدخول في محلّ الابتلاء ليس شرطاً في ثبوت الحكم إذ لو كان شرطاً يلزم أن يكون شرطاً في الحكم الوضعي أيضاً والحال أنّه في الحكم الوضعي ليس بشرطٍ فيثبت أنّه في الحكم التكليفي ليس بشرطٍ أيضاً.
وفي مقام التعليق نقول:-
أما بالنسبة إلى ما أفاده في دليله الأوّل:- من أنه تثبت ثلاثة محاذير لو كانت القدرة شرطاً في متعلق التكليف - فنقول:-
أمّا بالنسبة إلى المحذور الأوّل- أعني يلزم إجراء البراءة عند الك في القدرة - فيردّه:- أنّ المناسب هو ذلك لولا وجود ما يدلّ على لزوم الاحتياط وعدم إجراء البراءة، فلولا ما سوف نشير إلية نقول إنَّ المناسب هو البراءة، فلو احتملت المرأة أنه سوف يفاجئها الحيض في وسط نهار شهر رمضان فسوف تشك في وجوب الصوم عليها من البداية فيكون مجرى للبراءة فإنّ المناسب هو هذا لولا ما سوف نذكره ....، وهكذا في جميع الأمثلة، فأنا احتمل احتمالاً معتداً به أن أموت في وسط الصلاة فنقول هنا يجري أصل البراءة لولا وجود دليلٍ آخر وهو ما يثبت بقاء القدرة وهو أحد أمرين:-
الأوّل:- الاستصحاب الاستقبالي، فإني الآن قادرٌ وحيٌّ وأشك بعد ذلك - أي إلى نهاية الصوم أو الحج - هل تزول الحياة أو لا، فزمان اليقين الآن وزمان الشك هو المستقبل، وبناء على أنّ خطاب ( لا تنقض اليقين بالشك ) له إطلاقٌ وسعة يشمل كلّ يقينٍ وشكّ فيشمل هذا المورد ويثبت أنّ اليقين مستمرّ إلى زمان الشك، أي أنت باقٍ حياً وقادراً إلى نهاية الحج بالاستصحاب . هذا إذا قلنا بوجود الإطلاق ولم نقل باختصاصه باليقين والشك في الحالات المتعارفة وهي أن يكون زمان المتيقّن متقدّماً والشك الآن فإذا قلنا أنّ ( لا تنقض اليقين بالشك ) مطلق وبإطلاقه يشمل جميع أفراد اليقين والشك فهو يشمل هذا اليقين والشك بالشكل الذي أشرنا إليه، وهل نقبل مثل هذا الاطلاق ؟ فيه تأمّل وإشكال.
الثاني:- جريان السيرة العقلائية على إنّه يلزم البناء على القدرة في المستقبل فإنّها جرت على أنّ الإنسان إذا كان حيّاً الآن فهو يبني على أنه حيّ بعد شهرٍ أو سنةٍ ولذلك تراه يتزوج والحال أنه يحتمل أنه يموت قبل ليلة زواجه فهو لا يعتني لهذا الاحتمال وهكذا في كلّ أفعالنا، فهذه الاحتمالات المستقبليّة لا يعار لها أهمية بالسيرة العقلائية، وهذه السيرة العقلائية ثابتة في عهد المعصوم والإمام سكت عنها وسكوته يدلّ على الإمضاء.
إذن رغم أننا نلتزم في أنّ القدرة شرطٌ في متعلق التكاليف ولكن نتغلب على المشكلة إما بالاستصحاب الاستقبالي بناءً على وجود إطلاقٍ في دليله أو بالسيرة العقلائية أو بكليهما.