36/04/11


تحمیل
الموضوع:- إمكان جعل الأحكام الظاهرية - مباحث الحكم.
وفيه:- إنّه يظهر من خلال جواب العلمين أنّ المشكلة تكمن في وجود حكمين ولذلك حاولا أن يزيلا الحكم الثاني الناشئ من الأمارة وفسّرا الحجية بالمنجزيّة أو بجعل العلميّة فلا يلزم اجتماع حكمين، ونحن نقول إنّ هذه ليست هي المشكلة بل المشكلة أعمق فإن وجود حكمٍ آخر إلى جنب الحكم الأوّل لا ضير فيه باعتبار أنّ الحكم كما نعرف هو اعتبارٌ ولا محذور في وجود اعتبارين متضادّين، فأنا بالإمكان أن اعتبر هذا اليوم يوم الجمعة وأعتبره في نفس الوقت أعتبره يوم السبت فهذا كاعتبار لا بأس به غايته أنّه يلزم اللغوية من اعتبار المتضادين فإذا فرضنا وجود نكتة مصحّحة للاعتبار الثاني زال محذور اللغوية، وفي مقامنا نقول إنَّ المولى جعل الحكم الظاهري لنكتةٍ وهي خفاء الحكم الواقعي إذ الحكم الظاهري يُجعَل عن الجهل والشكّ في الحكم الواقعي فهناك نكتة مبرّرة للاعتبار الثاني فلا يلزم محذور اللغوية . إذن لو كانت المشكلة هي اجتماع حكمين فهذه محلولة ويمكن دفعها بسهولة ولا يحتاج إلى مسلك جعل المنجزيّة وجعل العلميّة بل يمكن حلّ المشكلة بلا حاجة إلى هذين المسلكين.
إذن المشكلة أعمق من اجتماع الحكمين وهي أنّ الحكم دائماً ينشأ من مصلحةٍ أو مفسدةٍ على رأينا العدليّة خلافاً للأشاعرة، وحينئذٍ يقال إنَّ الحكم الواقعي يوجد على طبقه مصلحة وإرادة فإذا كان الحكم واقعاً هو وجوب شيءٍ فهناك مصلحة وهناك إرادة في ذلك الشيء وهو فعل صلاة الجمعة في زمن الغيبة مثلاً والحكم الظاهري يوجد أيضاً على طبقة ملاك وإرادة أو كراهة فإذا دلّ على الوجوب أيضاً لزم اجتماع مصلحتين وإرادتين وإذا دلّ على الحرمة يلزم اجتماع مفسدة ومصلحة وإرادة مع الكراهة، وحيث إنّ المصلحة والمفسدة هي من الأمور التكوينيّة وليست من الأمور الاعتبارية والإرادة كذلك فبالتالي سوف يلزم محذور اجتماع مصلحة ومفسدة أو إرادة وكراهة، وهذا المحذور لا يندفع برفع الحكم الثاني وإثبات منجزّيةٍ أو عليمّةٍ وإنما لابد وأن نحلّ المشكلة في مرحلةٍ أعمق وأسبق وهي مرحلة لزوم اجتماع إرادةٍ وكراهةٍ أو مصلحةٍ ومفسدةٍ وهذا المحذور لا يندفع بمجرد دعوى أنّه لا يوجد حكمٌ آخر، فهذا الحلّ لا ينفع.
الجواب الثاني:- ما أفاده الشيخ العراقي(قده)[1]، وقد ذكر في هذا المجال كلاماً مطوّلاً ومركّباً من مقدّماتٍ وأنا أذكره باختصار وحاصله:- أنّ الأحكام لا تتعلّق بالوجودات الخارجيّة وإنما تتعلّق بالصور الذهنية، وإذا قبلنا بهذا نقول:- إنّ الصورة الذهنية التي يتعلّق بها الحكم الواقعي هي ذات الخمر مثلاً فالمولى ينظر إلى صورة ذات الخمر من دون قيدٍ ويثبت لها الحكم الواقعي وهو مثلاً الحرمة، ثم ينظر إلى صورةٍ ثانيةٍ وهي الخمر المشكوك في كونه حراماً أو في كونه خمراً - فإذا كان في كونه خمراً فهذه شبهة موضوعيّة وإذا كان في كونه حراماً فهذه شبهة حكميّة - ويثبت لها حكماً وهو ما يصطلح عليه بالحكم الظاهري، ومعه فلا إشكال.
وفيه:- إنّه وجيهٌ لو كانت الأحكام تتعلّق بالصور الذهنيّة بما هي صور ذهنيّة لا بما هي عنين الخارج، ولكن الأمر ليس كذلك - أي لا تتعلّق الأحكام بالصور الذهنية بما هي صور ذهنية لأنّها ليست مركز الآثار - وإنّما هي تتعلّق بالصور الذهنيّة بما هي عين الخارج والخارج حسب الفرض واحدٌ فإنّ الخمر الخارجي لا يتغيّر بالصورتين فالصورة الأولى وهي ذات الخمر يكون محكيّها الخارجي هو الخمر الخارجي والصورة الثانية - أي مشكوك الخمرية أو الخمر مشكوك الحرمة - يكون محكيّها الخارجي أيضاً هو هذا الخمر الخارجي، فالمحكيّ واحدٌ وبالتالي عاد الإشكال، ولو كان تغاير الصورة يكفي وحده لحلّ المشكلة فسوف يلزم محاذير نستبعد أن يلتزم بها الشيخ العراقي(قده) من قبيل أنّ لازم ما ذكره(قده) - من أنه يكفي تغاير الصورة - أنه لا محذور في صبّ الحكم على المطلق بما هو مطلقٌ فيأمر بإكرام العالم مطلقاً سواء كان عادلاً أو غير عادلاً ثم ينهى عن إكرام العالم غير العادل فإنه يلزم أن لا تنافي بين الحكمين وبالتالي لا حاجة إلى التقييد وسوف تبطل فكرة التقييد والتخصيص لأنّ متعلّق الحكم الأوّل شيءٌ ومتعلّق الحكم الثاني شيءٌ آخر، ويلزم يلزم من ذلك أيضاً أنّه لا محذور في تحريم ذات الخمر وإباحة الخمر مقطوع الخمريّة إذ الحكم الأوّل - وهو التحريم - ثابتٌ لصورة ذات الخمر والذي ثبتت له الاباحة هو صورة مقطوع الخمرية وهذه الصورة غير تلك الصورة ومعه لا محذور في أن تثبت الإباحة لإحدى الصورتين وتثبت الحرمة للصورة الأخرى، وهكذا في أمثلةٍ وموارد أخرى . إذن ما أفاده واضح الإشكال لما أفدنا.
الجواب الثالث:- ما أفاده السيد الخوئي(قده)[2]، وقد ذكرنا فيما سبق أنّه بعدما ذكر الجواب الشيخ النائيني(قده) ارتضاه، فذاك جوابٌ حيث ارتضاه وهو بنفسه له جوابٌ آخر وحاصله:- أن التنافي بين الحكمين الواقعي والظاهري له أحد مناشئ ثلاثة فإذا رفعنا المحذور بلحاظ هذه المناشئ فلا مشكلة وهي:-
المنشأ الأوّل:- أن يكون التنافي بين الحرمة الواقعيّة والإباحة الظاهريّة مثلاً بما هي حرمة وإباحة، فالحرمة بما هي حرمة والإباحة بما هي إباحة لا تجتمعان بما هما هما.
وهذا باطلٌ فإنّ الحكم اعتبارٌ ولا محذور في اجتماع الاعتبارين.
المنشأ الثاني:- أن تكون المشكلة من حيث الملاك - يعني المصلحة والمفسدة - فيلزم اجتماع مصلحةٍ ومفسدةٍ في شيءٍ واحدٍ، مثلاً فإذا فرض أنّ الحكم الواقعي هو حرمة الجمعة فهناك مفسدةٌ ودلّت الأمارة على الوجوب فهناك مصلحةٌ فيلزم بذلك اجتماع مصلحة ومفسدة وهما أمران تكوينيان وليسا اعتباريين فيلزم اجتماع الأمرين المتنافيين التكوينيّين في شيءٍ واحدٍ لأنّ صلاة الجمعة سوف تصير ذات مصلحةٍ ومفسدة.
وهذا يمكن رفعه أيضاً بأن يقال إنَّ مركز المصلحة والمفسدة متغايرٌ فالحكم الواقعي ناشئٌ من مصلحةٍ في متعلّقه بينما الحكم الظاهري ناشئٌ من ملاكٍ في أصل الجعل وليس في المتعلّق - يعني صلاة الجمعة -، فلو كان الملاك في صلاة الجمعة لزم أن يكون في صلاة الجمعة - التي هي متعلّق للواقع والظاهر - مصلحة ومفسدة فالإشكال يكون ثابتاً ومستقراً ولكن الصحيح أنّ ملاك ومصلحة الحكم الظاهري قائمة بأصل الجعل وليس بالمتعلّق فلا مشكلة بعد تغاير متعلّق الملاكين.
المنشأ الثالث:- أن يكون التنافي من حيث عالم الامتثال لأنّ الوجوب امتثاله يكون بالتحرّك نحو صلاة الجمعة مثلاً أمّا التحريم فامتثاله يصير بالإحجام عنها فيلزم أن يكون أحد الحكمين يدفعني إلى صلاة الجمعة والآخر ينهاني فيلزم من ذلك التنافي في عالم الامتثال.
ولكن هذا يتمّ لو كان الحكم الواقعي يحرّك نحو الذهاب إذا كان وجوبٌ أو نحو البقاء إذا كان تحريماً ولكنّه ليست فيه القابليّة على التحريك لأنه مجهولٌ أذ لو لم يكن مجهولاً لما كان هناك وجودٌ للحكم الظاهري فإن الحكم الظاهري فرع الجهل بالحكم الواقعي ومعه الجهل بالحكم الواقعي لا يستدعي ولا يقتضي إقداما أو إحجاماً بل التحريك يكون لحكم الظاهري فقط فلا يلزم من ذلك اجتماع تحريكين متنافيين وبذلك ارتفع المحذور.
وجوابه قد اتضح ممّا سبق:- وهو أنّنا لا نقبل أنّ الملاك قائمٌ بأصل الجعل كما بيّنا.