36/04/05


تحمیل
الموضوع:- مراحل الحكم - مباحث الحكم.
والأنسب في مقام الجواب عن أصل الشبهة أن يقال:- إنّ الله عزّ وجلّ حينما خلق الإنسان خلق معه الإرادة وأيضاً جعله مختاراً في إعمالها فإعماله لإرادته بهذا الشكل أو بذاك الشكل هو قد منحه له وأودع في ذاته هذه القدرة، وبناءً على هذا فلا نحتاج آنذاك في إعمال الارادة إلى علّةٍ فذلك التساؤل لا يأتي وسوف ينقطع - أعني أنّ الإرادة ممكنٌ من الممكنات وكلّ ممكنٍ يحتاج إلى علّة – لأنّ صفة الاختياريّة لإعمال الارادة صفة ذاتيّة فلا تحتاج آنذاك إلى علّة إذ لو احتاجت الإرادة في إعمالها بهذا الشكل أو بذاك إلى علة لم تكن اختياريّة والمفروض أن الله عزّ وجلّ كما أعطى الإنسان الإرادة أعطاه القدرة على إعمالها بهذا الشكل أو بذاك الشكل ومادام قد أعطاه القدرة المذكورة فلا يحتاج آنذاك في إعماله للإرادة إلى علّة حتى يقال سوف ننتهي إلى الارادة الألزليّة، كّلا فإن هذه صفةٌ ذاتيّة لهذا الشيء، مثل نوريّة النور فنوريّة النور لا تحتاج إلى علّة وهنا أيضاً كذلك فاختياريّة الإرادة هي من لوازم الإرادة أو أنَّ الله عزّ وجلّ منحها للإنسان وبعد أن منحها له لا يحتاج حينئذٍ في إعمالها بهذا الشكل أو ذاك إلى علّة.
وإذا قلت:- إنّ هذه دعوى فما هو المثبت لها، يعني أنّ الله عزّ وجلّ حينما أعطانا الإرادة منحنا القدرة على إعمالها بهذا الشكل أو بذاك فهذه دعوى تحتاج إلى دليلٍ وما هو الدليل ؟
قلت:- إنَّ الوجدان قاضٍ بذلك فإننا نجد بوجداننا أنّ الأفعال التي تصدر منّا تصدر بإرادتنا وأنّ إعمالنا لإرادتنا هو تحت اختبارنا وإرادتنا فأنا مختار في أن أُعمِل إرادتي بهذا الشكل أو بذاك الشكل ومادمت مختاراً في إعمال إرادتي فلا أحتاج حينئذٍ إلى علّة أخرى حتى يقال سوف ننتهي إلى الإرادة الأزليّة، وبهذا الجواب نتخلّص من الإشكال السابق.
نعم أقول:- صحيحٌ أنّا تخلصنا من الإشكال السابق ولكن ربّ سائل يقول:- إنَّ الله عزّ وجلّ إذا خلق الناس وأودع فيهم الإرادة كما أودع فيهم القدرة على إعمالها والكل بمستوىً واحدٍ فلماذا رجّح فلان إعمال إرادته بهذا الشكل السيء بينما فلان الآخر رجّح إعمال إرادته بذلك الشكل الحسن فمن أين نشأ هذا بعدما كان الله عزّ وجلّ قد أعطى الجميع بدرجة واحدة ؟ إنّ هذا التساؤل تساؤل جديد وأجنبيٌّ عن الإشكال السابق فالإشكال السابق قد اندفع حيث اتضح أنّه لا نحتاج إلى الإرادة الأزليّة في إعمال الإرادة باعتبار أنّ إعمال إرادة هو شيء اختياريّ لأنّ الله منحنا الاختيار في كيفيّة إعمال الارادة فلا نحتاج إلى الارادة الأزليّة كما اندفعت شبهة الجبر ولكن هذا تساؤلٌ آخر بمنأى عن شبهة الجبر .
وفي الجواب نقول:- لا يبعد أن يكون منشأ الاختلاف عوامل خارجيّة وليست ذاتيّة، وأعني بذلك أنّ فعل الآباء له تأثيرٌ وضعيٌّ - والروايات قد أشارت إلى هذا الشيء فإنها أشارت إلى أنّه إذا فعلت شيئاً معروفاً فسوف يؤثّر في عقبك - ففعل الآباء يؤثّر على الأبناء فإذا كان والدي وجدّي يصنعا المعروف فهذا يؤثر على إعمال إرادتي، أو دعاء الاباء والأجداد فإبراهيم عليه السلام دعا لذرّيته فخرجت هذه الذريّة الصالحة التي منها النبي صلى الله عليه وآله - وهذا كمثالٍ من باب حصر العوامل ولعله هناك عوامل أخرى - . إذن هذه عوامل خارجيّة لعلّها هي الأسباب في اختلاف الناس في إعمال إرادتهم.
لا أن يقال:- إنَّ الشقاوة الذاتيّة أو السعادة الذاتيّة كما ورد في الحديث:- ( الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه ) تلك الشقاوة وتلك السعادة تؤثّر في مجال إعمال الإرادة بهذا الشكل أو بذاك الشكل، وواضح أنه لا نقول إنّ تلك الشقاوة هي شقاوة على مستوى العلّة التامّة بل نفسّرها بنحو المقتضي فمحذور الجبر سوف يندفع حينئذٍ مادامت تلك الشقاوة ليست على مستوى العلّة التامّة، ولكن الذي أريد أن أقوله هو إنّه حتى لو فسّرناها على نحو المقتضي فالتساؤل يبقى لأنّه بالتالي أنا انتخبت إعمال إرادتي بهذا الشكل استناداً إلى الشقاوة الذاتيّة التي هي بنحو المقتضي فحينئذٍ يقال فلماذا صار هذا شقيّاً بنحو المقتضي وذاك صار سعيداً بنحو المقتضي فهذا كلّه من الله عز وجل ؟ فعاد الإشكال من زاويةٍ أخرى، فلماذا جعل الله عزّ وجلّ أبا ذر الغفاري سعيداً في بطن أمّه على مستوى المقتضي وجعل معاوية وأمثاله شقيّاً على مستوى المقتضي ؟ فهذه الفكرة تحلّ المشكلة.
وكذلك حديث:- ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ) فإنّ المناسب أن لا يستند إلى هذا بل لابد وأن يفسّر بتفسيرٍ آخر فحديث ( السعيد سعيد في بطن أمه ) نفسره بما جاءت به بعض الروايات من أنّ المقصود بالسعيد هو من علم الله أنّه سعيدٌ وهو في بطن أمّة لا أنّ الله يعرف أنّ هذا سعيدٌ بعد وجوده وبعد أن يتكامل فهو قبل تكامله يعرف أنّه سعيدٌ أو شقيٌّ فقد روى عن أبن أبي عمير:- ( سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله " الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه " فقال:- الشقي من علم الله وهو في بطن أمه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء والسعيد من علم الله وهو في بطن أمه سيعمل أعمال السعداء )[1] . إذن هذا الحديث لابد من تفسيره بمعنىً آخر لا أن نفسّره بمعنى أنّه في بطن أمّه هو سعيد لكن بنحو المقتضي فإنّ هذا لا يدفع الإشكال، نعم هو يدفع إشكال الجبر ولكن لا يدفع إشكال أنّه لماذا جعل الله عز وجل السعادة بنحو المقتضي عند هذا والشقاء بحو المقتضي عند ذاك ؟
وأما حديث ( الناس معادن ) فلابد أيضاً من توجيهه بتوجيهٍ آخر وذلك بأن يقال إنَّ المقصود هو أنّ الناس في سلوكهم وأخلاقهم وفضائلهم مختلفون فبعضٌ أخلاقه أخلاق حسنة وجيدّة كجودة معدن الذهب وبعضٌ أخلاقه رديئة كرداءة النحاس مثلاً، كما فسّر بذلك الشيخ المجلسي(قده) في مرآة العقول كما جاء في هامش الكافي حيث جاء فيه:- ( إنه إشارة إلى أنّ الناس في كمالاتهم وأخلاقهم مختلفون كاختلاف المعادن في جودة بعضها ورداءة البعض الآخر )[2].
إذن المناسب في الجواب ما أشرنا إليه، وندفع التساؤل الأخير أيضاً بمسألة بالاستناد إلى العوامل الخارجيّة من دعاء الآباء أو أعمالهم أو ما شاكل ذلك، وأما حيث ( الناس معادن ) أو حديث ( السعيد ) فهنا لا نستند إلى مسألة الشقاوة أو السعادة الذاتيتين فإنّ هذا يجرّنا إلى إشكالٍ آخر بل لابد من تفسير الحديثين بما أشرنا إليه.



[2] الكافي، الكليني، ج8، ص177 نقلاً عن مرآة العقول.