36/03/11


تحمیل
الموضوع:- تعريف علم الأصول.
هذا وقد حاول الشيخ الخراساني التغلب على الاشكال:- وذلك بإضافة قيد ( أو التي ينتهى إليها في مقام العمل )، يعني أنّ علم الأصول عبارة عن القواعد التي تعطي حكماً شرعياً أو القواعد التي يُنتَهى إليها في مقام العمل.
وهذه الاضافة قد يفهم منها أنّ المرتكز في ذهنه هو البيان الأوّل من البيانين للاعتراض المذكور حيث إنّه أخذ قيد ( التي ينتهى إليها في مقام العمل ) يعني هي تشخّص الوظيفة العمليّة وهذا يتناسب مع البيان الأوّل.
وعلى أيّ حال أمّا بالنسبة إلى البيان الأوّل:- فما ذكره صاحب الكفاية(قده) قابل للمناقشة باعتبار أنّه يدفع الأشكال بصيغته الأولى وبيانه الأوّل، بل لا ينفعه حتى ببيانه الأوّل فإنه من المناسب في مقام التعريف اعطاء الضابط العام الذي يضمّ ويحوي جميع المسائل الأصولية لا أن تُذكَر المسالة بعنوانها وإلا أمكننا أن نعرّف علم الأصول هكذا فنقول:- ( هو العم بمسألة حجّية الخبر وبمسألة الاصول العمليّة وبمسألة كذا .... ) ونذكر المسائل كلّ مسألة، إنّ هذا ليس شيئاً فنيّاً، وصاحب الكفاية(قده) صنع هكذا حيث جاء بالأصول العمليّة وأدخلها بعنوانها لا أنّه غيّر في الضابط والمناسب له أن يغيّر الضابط ويجعله حاوياً للأصول العمليّة لا أن يذكر الأصول العمليّة بعنوانها.
والجدير في دفع البيان الأوّل أن يقال:- إنّ المقصود من الحكم الشرعي هو الموقف الشرعي، فوقعت خيانة في التعبير وانما لابد وأن تلتفت إلى المقصود، فحينما قيل في التعريف ( علم الأصول هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي ) أي الممهّدة لتحديد الموقف الشرعي أعم من أن يكون حكماً شرعياً أو وظيفةً عمليّةً ولكن كانت هناك خيانة في التعبير. هكذا كان من المناسب أن يجيب لا كما ذكر.
وأما بالنسبة إلى البيان الثاني للاعتراض الأوّل:- فيمكن أن نقول إنّه لابد من التفرقة بين الاستصحاب وبين غيره من الأصول العمليّة، فالاستصحاب يمكن أن نقول هو مسألة أصوليّة ومن القواعد الأصوليّة بينما بقيّة الأصول العمليّة - أعني البراءة والاحتياط والتخيير - فهي في الحقيقة مسائل فقهيّة لا أصوليّة ولكنها زُجّت في علم الأصول.
أمّا أنّ حجّية الاستصحاب مسألة أصوليّة فلأن الاستصحاب يعطينا حكماً شرعياً آخر مغايراً لنفس مضمونه فإن نفس مضمونه هو ( لا تنقض اليقين بالشك ) أي هو نهيٌ عن نقض اليقين في مقام العمل ونتيجة ذلك قد يكون هي بقاء وجوب صلاة الجمعة أو حرمة العصير الزبيبي إذا غلى أو غير ذلك وهذه نتائج للاستصحاب وهي مغايرة لمضمونه فبقاء وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة الذي ثبت بالاستصحاب حيث نقول كان عندنا يقينٌ بالوجوب سابقاً والآن نشك أو أنَّ العصير الزبيبي كان سابقاً لو غلى لحرم والآن كذلك .... وهكذا، إنّ هذه النتائج عبارة عن أحكامٍ شرعيّة مغايرةٍ للحكم الشرعي الذي هو مضمون قاعدة الاستصحاب ولكن هذه النتائج استنبطت من ذلك الحكم الشرعي العام - أعني ( لا تنقض اليقين بالشك ) - فيمكن أن نقول إنَّ الفقيه يستعين بقاعدة الاستصحاب لاستفادة أحكامٍ شرعيّةٍ أخرى مغايرة فهو من علم الأصول.
وهذا بخلافه في بقيّة الأصول فأصل البراءة مثلاً - أي ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) - هو حكمٌ شرعيٌّ من قبيل ( كلَّ ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر )، فإذا مرض الشخص أو أصابته الغيبوبة فحينئذٍ لا تجب عليه الصلاة ولا الصوم لا أداءً ولا قضاءً فهذه قاعدة نستفيد منها هذه الأحكام، وهل هذه قاعدة أصوليّة ؟ كلّا إنها ليست قاعدة أصوليّة وإنما هي حكم شرعيٌّ يعني أنَّ الله يعذر من طرأ عليه شيءٌ خارجٌ عن اختياره فصاحب الغيبوبة معذورٌ ولا يجب عليه شيء، إنّ هذا في الحقيقة هو نفس ذلك المضمون وليس شيئاً مغايراً فلا تكون قاعدة ( كلّ ما غلب الله ) قاعدة أصوليّة ولا يقول أحدٌ بذلك وإنما هي حكمٌ شرعي.
أو مثل ( كلّ مسكر حرام ) فإن هذا حكمٌ شرعيٌّ فقهيٌّ ولا يحتمِل أحدٌ أنها قاعدة أصوليّة وهو نطبقه على أنّ الخمر حيث إنّه مسكرٌ فهو حرام والفقّاع حيث إنه مسكرٌ فهو حرام ..... وهكذا، إنَّ هذه المضامين هي نفس ذلك المضمون ولكن في دائرةٍ أضيق ولا يكون المورد من القاعدة الأصوليّة.
ونفس هذا الكلام نذكره في قاعدة ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) يعني أنَّ كلّ شيءٍ لا تعلم به فهو مرفوعٌ عنك وأنت ليس مكلّفاً به، وهذا حكمٌ شرعيٌّ وبتطبيقه لا يعطيك حكما شرعيّاً ثانيا ًمغايراً بل يعطيك حكماً شرعياً بنفس المضمون ولكن بدائرةٍ أضيق كما في مثل ( كل ّمسكر حرام ) فإنه بتطبيقه يعطيك نفس المضمون ولكن في دائرةٍ أضيق.
إذن بقيّة الأصول العلميّة غير الاستصحاب هي أحكام شرعيّة وبتطبيقها لا تعطينا أحكاماً شرعيّة مغايرة بل تعطينا نفس ذلك الحكم الشرعي ولكن في دائرةٍ أضيق، فهي نظير ( كلّ مسكرٍ حرام ) فإنه كما نقول بأنّها ليست قاعدة أصوليّة بل هي حكم شرعي ومسألة فقهيّة فموردنا - أي أصل البراءة والتخيير الاحتياط - هي نفس الشيء.
وهذا بخلافه بالنسبة إلى الاستصحاب فإنه يعطينا حكماً آخر مغايراً، فهو يعطينا وجوب صلاة الجمعة وحرمة العصير إذا غلى وما شاكل ذلك وهي أشياءٌ أخرى ليست نفس مضمون الاستصحاب، نعم هي مستقاة ومستنتجة من حجيّة الاستصحاب لا أنّها نفس المضمون.
إذن من المناسب أن نفصّل بين الاستصحاب فهو مسألة أصوليّة وبين بقيّة الأصول العمليّة فإنّها مسائل فقهيّة ولكنها زُجّت في علم الأصول، وبهذا يندفع الإشكال على الاعتراض الأوّل ببيانه الثاني حيث قيل إنّ الأصول العمليّة هي أحكامٌ شرعيّة ولا يستفاد منها حكم شرعيّ مغاير ونحن نقول إنَّ هذا وجيه في غير الاستصحاب ونحن نلتزم بأن غير الاستصحاب ليس مسألةً أصوليّة وأما في الاستصحاب الذي نلتزم بأنّه مسألة أصوليّة فهو لا يتمّ لأن الاستصحاب يعطينا حكماً شرعيّاً مغايراً.
هذا كلّه بالنسبة إلى الاعتراض الأوّل ببيانيه وقد اتضح أنّه قابلٌ للاندفاع بالشكل الذي أشرنا إليه.
الاعتراض الثاني:- إنّ التعريف المذكور يشمل القواعد الفقهيّة فإنها أيضاً تقع في طريق الاستنباط مثل قاعدة الفراغ - المعبّر عنها بقاعدة الصحّة - فإنها قاعدة فقهيّة ويستنتج من تطبيقها حكمٌ آخر وهو صحّة الصلاة إذا شكنا بعد الفراغ منها، وهكذا مثل قاعدة التجاوز - يعني أنَّ العمل الذي يكون له أجزاء وشككنا في الإتيان بجزءٍ منه بعد الدخول في الجزء الآخر - فإنها تقع في طريق الاستنباط يعني يستنبط منها حكمٌ شرعيٌّ آخر وهو تحقّق الجزء الذي نشكّ في الاتيان به، وهكذا في بقيّة القواعد الفقهية . إذن القواعد الفقهيّة سوف تدخل في التعريف أيضاً باعتبار أنّه يستفاد من هذه القواعد الفقهيّة أحكام شرعيّة.
وفيه:- إنّ القواعد الفقهيّة بحسب طابعها العام لا تعطي نتائجاً كليّةً مغايرةً لمضمونها، كما أنّ نتائجها ليست كليّة بل غالباً هي جزئية، وأيضاً هي ليست عامّة لغير موردها بل هي مختصّة بموردها، إنّها في الغالب لها هذه الخصوصيّات الثلاث والمفروض في المسألة الأصوليّة أنّها تعطينا حكماً شرعياً مغايراً وأيضاً أن يكون كليّاً لا أنّه يكون جزئياً فإنّ المقصود من الأحكام الشرعيّة المذكورة في التعريف يعني الكلّية وإذا لم يذكر ذلك في التعريف فذلك من باب حذف الواضح استغناءً بالوضوح وثالثاً هي قواعد لا تختصّ ببابٍ بل هي عامّة لأكثر من باب.
أما كيف أنّ القواعد الفقهيّة هي متّسمة بهذه السمات الثلاث ؟
فهذا واضحٌ، فقاعدة الفراغ مثلاً فإنّها في واقعها تعني أنّه كلّما شكّ المكلف في صحّة العمل بعد الفراغ منه فلا يعتني للشكّ وبتطبيقها نستنتج أنّ هذا العمل الذي فرغ منه كالصلاة أو الصوم أو الحج هو تامٌّ ولا خلل فيه، فالنتيجة التي حصلنا عليها لا تغاير مضمون القاعدة بل هي نفس مضمون القاعدة غايته هي أضيق، وهذه النتيجة جزئية أيضاً يعني هي خاصّة بباب الصلاة يعني نقول إنَّ هذه الصلاة صحيحةٌ وذلك الحج من هذا الشخص صحيحٌ وهذا الوقوف بعد الفراغ منه صحيحٌ.
إذن النتائج دائماً هي جزئية ومتّحدة مع مضمون القاعدة، وأيضاً هي خاصّة ببابٍ خاصّ وليست عامّة وموردها هو الشك في الصحّة فالشك في الصحّة هو موردٌ خاصٌّ . وإذا فرض أنّ شخصاً قال:- إنّ الشك في الصحّة عامٌّ يشمل العبادات والمعاملات فنمثّل هنا بقاعدة الطهارة فإنها خاصّة بباب الطهارة ولا تعمّ بقيّة الأبواب.
إذن الطابع العام في القواعد الفقهيّة هو ما أشرنا إليه، فحينئذ لا تكون أصوليّةً وتكون خارجةً عن التعريف.
نعم قد تكون نتائج بعض القواعد الفقهيّة عامّة ومغايرة لمضمون القاعدة ولا تختص ببابٍ دون باب، يعني بعبارةٍ أخرى يوجد فيها جميع خصائص المسألة الأصولية - أي الخصائص الثلاث - فكيف نخرج هذه عن التعريف ؟
ومثال ذلك قاعدة لا ضرر ولا حرج فإنّ لا ضرر يعطي حكماً عامّاً وهو أنّ الضرر مرفوعٌ في الاسلام، يترتب على ذلك أنّ أداء الصوم إذا كان مضراً فهو مرفوع الوجوب فلا يكون واجباً والحج لو كان مضراً للشخص يكون وجوبه مرفوعاً، إنّ هذه نتائج كليّة وليست جزئيّة حيث نقول ( كلّ صومٍ وكلّ وضوءٍ وكلّ حجٍّ )، وهي مغايرة أيضاً لمضمونها لأنّ مضمون القاعدة هو أنّ الضرر مرفوعٌ في الاسلام بينما النتيجة التي حصلنا عليها هي أنّ الوجوب غير ثابتٍ للحجّ المضر أو للوضوء المضر فالمغايرة موجودة، كما أنّها لا تختصّ ببابٍ دون باب بل هي تعمّ مختلف الأبواب سواء كان أبواب الصلاة أو الوضوء أو الجهاد أو الحج أو غير هذه الموارد فإنه يمكن أن نطبّق عليها قاعدة لا ضرر.
وعلى هذا الأساس يبقى الإشكال منحصراً بقاعدتي لا ضرر ولا حرج فإنّه قد يقال هي واجدةٌ لهذه الميزات الثلاث للمسألة الأصوليّة فيلزم أن تكون مشمولةً للتعريف وبذلك يُسَجّل هذا نقضاً على التعريف فكيف الجواب ؟