33/07/29


تحمیل
 الموضوع: الثابت والمتغير في الشريعة
 كان الكلام في الثابت والمتغير أو مايعبر عنه بتأثير الزمان والمكان في الأحكام والقوانين الشرعية وقد يعبر عنه أيضا بالزمكانيات وهو اختصار للزمان والمكان وبحسب تعبير آخر هو بحث النسخ في الشرائع أو النسخ في الأحكام الفرعية وقد تقدمت جملة من النقاط
 وقد انتهينا الى النقطة الثالثة في البحث السابق وهي نقطة مهمة جدا وقد يتمسك بها الحداثويون أو السفسطيون أو العلمانينون أو الماديون أو التجربيون وهي ان كل شيئ متغير
 وهذه النظرية تعرف قديما بالديالكتيك أو التضاد حيث يدعى ان كل شيئ يحمل ضده وهو متغير بالتالي فلا ثبات في البين
 والنقاشات أساسية مع هذه النظريات فهل ان نفس هذه النظرية ثابتة أو غير ثابتة فان كانت ثابتة فهناك مساحة من الثبات وعلى ضوئه تثبت هذه النظرية وان لم تكن ثابتة فلابد من وجود مساحة للثبات فبالتالي لايمكن لهذه النظرية الفرار من الثبات
 ونأتي الى هذا الجانب من هذه النظرية بحيث يمكن ردها وهو البرهان على وجود مساحة كبيرة من الثبات في بدن وروح ووجود الانسان وفي الطبقات العليا من روح الانسان مضافا الى وجود مساحات كبيرة من الانسان في كل البيئآت التي تحيط بالانسان
 فمثلا الحاجة الى الأكل والشرب فان كل الحيوانات تحتاج الى الأكل والشرب والنوم وان الماء له طبيعة معينة والتراب كذلك وغير ذلك من طريقة التوليد والجنس فهي هي كما كانت فهناك جوانب كثيرة جدا للثبات في قبال بعض التغيرات الطفيفة
 ثم القوانين الحاكمة سواء التكوينية أو الاعتبارية لامحالة هي قوانين ثابتة بل ان نفس العلوم تواصل البحث والتنقيب للوقوف على الثوابت الموجودة في البيئة المختلفة فالعلم دائما يبحث عن شيئ ثابت ليكون قانون ومعادلة تسير بها الامور
 فالصحيح ان مساحة الثبات هي الجانب الغالب في الموجودات وان مساحة المتغير هي أعراض طفيفة وحتى هذه المتغيرات لها قواعد في كيفية التغيير فحتى في المتغيرات هناك ثوابت
 وعلى ذلك فمن الممتنع ان تكون قوانين الانسان متغيرة كلها بل بالضرورة لابد ان تكون جملة وآفرة من تلك القوانين ثابتة وهذا هو بنفسه دليل ثبات الدين وثبات الشريعة في جملة من مساحتها نعم في جملة اخرى تحتاج الى تغيّر لكن سنبين ان هذا التغيّر ليس هو النسخ كما سيأتي
 فنفس البيئة التكوينية للانسان والبيئة المحيطة به نرى ان المساحة الأكبر فيها ثابتة وان التغيّر هو في المساحة الأقل فقط وتحكم هذا التغيّر قوانين ثايتة
 وتتميما لهذا الدليل نقول انه سواء في الانسان أو في البيئآت المحيطة بالانسان من العوالم فكلما تصاعدت تلك البيئات في الوجود أصبحت مجردة أكثر فان الثبات فيها يكون أكثر كالوجود العقلي المجرد والوجود الجسماني اللطيف فكلما كان العالم فيه علو كان الثبات أكثر وكلما تنزّل تزايدت المتغيرات فالعالم الجسماني متغيراته أكثر من العالم الروحي والعالم الروحي متغيراته أكثر من العالم العقلي وهكذا
 ولكن رغم هذا وجدنا ان العالم الجسماني المساحة الأكبر فيه هي الثبات
 النقطة الرابعة: ان من اشتباهات العلمانيين أو الحداثوين انهم يظنون ان القوانين الشرعية العملية أو النفسانية أو التوصيات الروحية العقائدية للدين هي مختصة بنشأة الأرض التي هي نشأة التغيّر بينما الدين يتجاوز نشأة الأرض وإنما يربط الأفعال وتأثيراتها في نشأة الأرض مع آثارها في نشئات اخرى ولو نشأة جسمانية كنشأة البرزخ ونشأة الاخرة الأبدية فهي عوالم جسمانية لكن الثبات فيها أكثر من الأرض
 بل الدين يبحث عن أفعال النفس والروح وطبقات عليا من الروح وهذه الافعال ليست أرضية فهي الآن مرتبطة بعوالم ليست جسمانية فيخطئ الباحث المادي أو العلماني أو الحداثوي حيث يظن بأن الدين هو منهاج للبدن فقط بل ان الدين منهاج لأبدان من عوالم مختلفة ومنهاج الى طبقات الروح والنفس ولها طبقات الآن لعوالم اخرى فالدين في الحقيقة ليست نشأته أرضية
 وذكرنا في النقطة السابقة انه كلما ازداد الانسان علوّا ازداد ثباتا فالدين منهاج يحيط بالعوالم فهو صراط مستقيم من نشأة الأرض الى نشات أكثر فأكثر
 لذاك نرى ان الدين ليس فيه نسخ بل الشريعة فيها نسخ لان الدين في الاصل يمثل دائرة المعارف وهذا ليس فيه تغيير بالنحو الموجود في العالم الجسماني بينما الشريعة التي غالبا مرتبطة بالبدن ومرتبطة بالأرض فيها نسخ
 وان الشريعة مختصة بالثقلين الجن والانس بينما الدين لايختص بالثقلين بل يشمل الملائكة ومافوق السموات ومافوق الأرض
 ومن ثم سميت النشأة الأرضية بالشريعة باعتبار انها الشروع بالحركة والتكامل وتسمى أيضا حافة مستقى النهر بالشريعة أي البداية
 النقطة الخامسة: مر بنا في بحث النسخ ان حقيقة النسخ عند المتقدمين ليس بمعنى التغيّر الذي يظنه الماديون فان الماديون يفهمون من التغير هو الازالة التكوينية بالمرة ولكن النسخ كما مر بنا في تعريف القدماء ليس بمعنى الزوال والارتفاع بالمرة بل هو بمعنى تجميد المنسوخ أي انه صالح لمرحلة سابقة أو لمرحلة نازلة في الانسان نازلة ثم متوسطة وهكذا
 فالنسخ ليس معناه التغير بل معناه التكامل بين درجات الثابت فالسير هو المتغير ولكن المسير ثابت في الطبقات والمراحل
 النقطة السادسة: هناك أنواع كثيرة من المتغير وان التغير له اقسام عديدة بما فيه النسخ كلها لاتتوافق مع مدعى القائل بالتغير ونسخ الشرائع
 فالنتيجة ان التغير المقرر في الشرائع لايوصل الى مدعى الخصم من عدم ثبات الدين أو عدم خلود الدين أو زوال التشريع الالهي وما شابه ذلك بينما التغير الذي سنتحدث عنه باقسامه العديدة كل اقسامه لاصلة لها بمدعى الخصم
 فمدعى الخصم ان التغيّر هو الزوال التكويني لما سبق وعدم عوده وانكشاف عدم واقعية هذه المعادلة ولو بقاء بينما هذه الأنواع من التغير لاصلة لها بهذا المدعى
 اما القسم الأول من التغير وهو النسخ على ماذهب اليه القدماء هو ثبات تكويني غاية الامر هناك درجات من التكوين يطويها الانسان وهو لايعني النسبة التشكيكية
 واما القسم الثاني من التغير وهو تغير الاحكام بحسب الموضوعات وهذا لايعني التغير التقنيني بل التقنين على حاله وان القوانين لها موضوعات مختلفة فاذا تبدل هذا الموضوع فتاتي معادلة اخرى
 وان أحد أسباب جدارة الدين والشريعة ان احكامها مرهونة بالموضوعات والموضاعات باب للتغير وهذه زاوية في التغير غير منكرة في الدين وحتى في القوانين البشرية
 وان التغير من جهة الموضوع باب واسع وكبير فيدخل فيه قاعدة الورود والحكومة وقاعدة اصول القانون أو المبادئ الاحكامية ويمكن ان نقول هذا مقسم يدخل فيه اقسام منها الورود ومنها الحكومة وغير ذلك
 وهذا النوع من التغير لايخدم مدعى الخصم لانه ليس فيه زوال القانون او المعادلة وانما انطبافقها وعدم انطباقها
 وجانب اخر من التغير كالتزاحم والعناوين الثانوية للموضوع والمحمول فهي متغيرة ولكن ليست بمعنى عدم خلود الشرية والدين وليست بمعنى انكشاف الخطأ