36/01/18


تحمیل
الموضوع:- صحيحة حمزة ابن الطيار – ادلة البراءة - الأصول العملية.
كان الكلام في صحيحة عبد الصمد وبالخصوص في مقطع (أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه)[1] وقلنا:
قد يقال :- انه اذا فسرنا معتبرة عبد الرحمن ابن الحجاج بالجهالة العذرية الوضعية فلا تكون شاهدا لما نحن فيه من ارادة العذرية التكليفية باعتبار ان فرض المسالة في الشبهة الحكمية فسوف يكون اللازم على المكلف الفحص فجهالته غير معذور بها مع عدم الفحص او في الشبهة الموضوعية مع وجود حالة سابقة من العدة فاللازم عليه ايضا الفحص فالعذرية الوضعية غير العذرية التي هي محل الكلام التي هي العذرية التكليفية؟
الجواب :- ان الجهالة موجبة للعذرية التكليفية وان كان مورد الرواية هو العذرية الوضعية فهي كذلك موجبة للعذرية التكليفية غاية الأمر فيما كانت الجهالة من جهة التكليف او العذرية التكليفية فان اطلاقات البراءة اما تخصصا او تخصيصا كما هو المعروف وتخصيصا يعني بأدلة لزوم التعلم والفحص او تخصصا يقال انها بعد القيام بوظيفة الفحص هي في صدد العذرية في مورد ما بعد الفحص، فكون مورد الرواية ليس فيه عذر تكليفي لا ينافي تصدي الكبرى الموجودة في جوابه عليه السلام وهي ان الجهالة موجبة للعذرية اعم من العذرية الوضعية او العذرية التكليفية غاية الأمر هي في موارد تخصصا بعد الفحص او تخصيصا بعد الفحص فلا تتصادم مع مورد الرواية.
وحينئذ يظهر هنا سؤال من معتبرة عبد الرحمن او صحيحة عبد الصمد وهو ان (أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه) هل مخصوصة بنفي الكفارة ونفي المؤاخذة التكليفية او هي في مورد العذرية الوضعية فاذا كانت في مورد العذرية الوضعية فيكون مفادها مثل مفاد لا تعاد في ابواب عديدة فتكون حينئذ قاعدة مهمة،والمعروف بين الاعلام ان هذه الجملة في صحيحة عبد الصمد هو حملها على نفي المؤاخذة التكليفية ونفي الكفارة والقليل بنى على انها في صدد نفي الاثار الوضعية ايضا وطبعا اذا كانت الاثر الوضعي مرتب على اسناد الفعل للمكلف اسنادا اختياريا لانه كما مر بنا في تنبيهات حديث الرفع ان بعض الاثار الوضعية ليست مسندة الى فعل المكلف بل مسندة الى الموضوع الخارجي فالماء القليل الذي يلاقي النجاسة ينفعل ولا ربط له بفعل المكلف سواء كان عمدي او اختياري او بسبب الهواء او القضاء والقدر، اذن الكلام في الحكم الوضعي المترتب على صدور الفعل من المكلف عمداً ولا يبعد ان يقال ان قوله (أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه) مقيدا بان كان الحكم الوضعي مرتب على صدور الفعل عن اختيار أي ان الرواية في صدد نفي تلك الاثار،اما الآن يحتاج الى التدقيق والتمييز بين الاثار الوضعية المرتبة على الاثار الخارجية بما هي هي او الاثار الوضعية المرتبة على صدور الفعل اختيارا فانه نعم يحتاج الى تدقيق وتمييز وهذا بحث آخر، اذن على أيتي حال هذا التقريب محتمل ولعل السيد الخوئي رحمه الله بحثه في مباحث الحج أي هذا التركيب هل يشمل نفي المؤاخذة التكليفية فقط او يشمل حتى نفي الاثار الوضعية فتكون قاعدة ذات اهمية ولكن هذا المقدار لابد من الالتفات اليه وهو (أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه) أي فيما لو كان الاثر الوضعي مترتب على صدور الفعل عن اختيار .
فلا يبعد حينئذ القول بشمول القاعدة لذلك،طبعا نفس هذا العموم في هذه القاعدة وشمولها للأثر الصادر عن اختيار هو ايضا قابل للتخصيص كما لو اتى دليل خاص في مسالة خاصة يقول حتى مع الجهل يرتب الاثر فيخصصها كما لو اتى دليل خاص وخصص لا تعاد فان لا تعاد تُخصص العمومات ويأتي مخصص اخص من المخصِص ويخصصه فلا مانع من ذلك وممكن،اذن الاصل الاولي في هذا المفاد وهو (أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه) يشمل الاثار الوضعية التي رتبت على صدور الفعل عن اختيار فحينئذ لا شيء عليه، هذا تمام الكلام في هاتين الروايتين المعتبرتين.

الاستدلال على البراءة بصحيحة حمزة ابن الطيار:-
يبقى روايتان اخريان استدل بهما على البراءة رواهما الكليني رحمه الله في اصول الكافي المجلد الاول باب (البيان والتعريف ولزوم الحجة)[2] وهذا الباب الصدوق رحمه الله عقده في كتاب التوحيد باعتبار ان اسماء الابواب في تلك العصور المتقاربة هي عناوين علمية معهودة تعنوَن بها الابواب ولعل قبلهم النراقي في المحاسن ذكره وهذا الباب نفسة هو بحث حول البراءة والمنجزية ولذا تجد هذا العنوان في كتب الحديث كثيرا وهي صحيحة حمزة ابن الطيار ويرويها الكليني تارة بسند صحيح الى جميل ابن دراج عن حمزة الطيار وبسند آخر عن غير جميل ابن دراج ايضا عن حمزة الطيار وهي مستفيضة ولا يبعد ان يكون الصدوق اوردها في التوحيد ومتن الرواية كما رواها الكليني في اصول الكافي[3] [4] (عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن أبان الاحمر عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: اكتب فأملى علي: إن من قولنا إن الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم، ثم أرسل إليهم رسولا وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهى، أمر فيه بالصلاة والصيام فنام رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصلاة فقال: أنا انيمك أنا اوقظك فاذا قمت فصل ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون: إذا نام عنها هلك وكذلك الصيام أنا امرضك وأنا اصحك فإذا شفيتك فاقضه، ثم قال أبوعبدالله عليه السلام: وكذلك إذا نظرت في جميع الاشياء لم تجد أحدا في ضيق ولم تجد أحدا إلا ولله عليه الحجة ولله فيه المشيئة ولا أقول: إنهم ما شاؤوا صنعوا، ثم قال: إن الله يهدي ويضل وقال: وما امروا إلا بدون سعتهم، وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لا خير فيهم ثم تلا عليه السلام: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج " فوضع عنهم " ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم " قال: فوضع عنهم لانهم لا يجدون)
ومحل الكلام من الرواية هو المقطع (إن الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم) اذن مالم يوصل اليهم لا يحتج عليهم ولا يتنجز عليهم فهذا تقريب اولي للبراءة وطبعا دلالتها على البراءة لا كلام فيه ولكن دائما الاصوليون يتوخون ادلة ليست دالة على البراءة فقط بل يتوخون ادلة علاوة على دلالتها على البراءة تدل على نفي الاحتياط.
والفرق بين المفادين هو ان تارة يكون المفاد انه اذا لم يصلك منجز او دليل فلا شيء عليك وهذا اعم من الدليل الظاهري والدليل الواقعي وادلة الاحتياط تصلح ان تكون دليل ظاهري وظيفي فترفع ادلة البراءة تلك فلا تفيد اما بخلاف ما لو وقف الاصوليون على دليل في البراءة يدل على ان الشيء الواقعي بما هو مجهول في الظاهر لا احتياط فيه.
وحينئذ يقاوم هذا المفاد ادلة الاحتياط لان ادلة الاحتياط تقول الشيء الذي في الواقع راعه انت وانا لسان ظاهري الزمك وظيفيا بمراعاة الواقع المحتمل فاذا وجد في لسان البراءة هكذا ان الواقعي بما هو مجهول في الظاهر لا يراعى فحينئذ يقاوم ادلة الاحتياط فانه يدل على ان الوظيفة الظاهرية تجاه الواقع المحتمل ليس الاحتياط بل البراءة .
وهذه نكتة صناعية مهمة لابد من الالتفات اليها وهذا ليس مختص ببحث البراءة بل في بحوث اخرى، أي كيف تتقدم الادلة على بعضها البعض .
فتارة موضوع قاعدة او موضوع دليل اعم من الواقعي والظاهري مثلا هو معلق على نفي شيء في الواقع والظاهر فما ان يأتي شيء في الواقع او في الظاهر فيرفعه اذا وصل .
وتارة معلق على خصوص عدم وصول شيء من الواقع فيقول موضوع الدليل او القاعدة حينئذ انا اتكفل بيان وظيفة الظاهر ولا ينازعني في ذلك شيء، اذن لسان عنوان موضوع الدليل او القاعدة مؤثر يجب التثبت والتحري فيه وبذلك يعلم ان أي دليل يتقدم على أي دليل انما هو بلحاظ مرتبة موضوعي الدليلين او موضوعي القاعدتين وهذا بحثه في بحث التعارض ومنه بحث الورود وبحث الحكومة،فكل هذه البحوث منوطة برتبة موضوعي الدليلين او موضوعي القاعدتين .
فمثلا حجة الاسلام مع الدين او واجبات اخرى هل تقدم عليه او لا فهذا كمثال وتوجد لها تطبيق في ابواب عديدة اخرى،لذا قال الاصوليون لو تمت ادلة الاحتياط ــ والا لو لم تتم فالأمر يهون ــ التي استدل بها الاخباريون حينئذ لابد من مجيء ادلة في البراءة تقاوم ادلة الاحتياط بحيث يؤخذ في لسان ادلة البراءة ان عدم المؤاخذة على الواقع لان الواقع لم يصل ولان الواقع مجهول .
فاذا كان لسان البراءة هذا فهو يدفع الاحتياط لانه اخذ مجهولية الواقع بما هو واقع اما لو قال لسان دليل البراءة عندما لا يأتك في الشيء وظيفة او حكم فانه وان كان يفيد البراءة ولكنه لا يفيد دفع الاحتياط لان دليل البراءة علق على اذا لم يأتك في الشيء حكم اعم من الواقعي والظاهري فهذا الدليل من البراءة لا يقاوم ادلة الاحتياط بخلاف ما اذا اتاك دليل البراءة يقول الحكم الواقعي اذا لم يصل انت بريء وغير مؤاخذ فهذا يقاوم الاحتياط لان الاحتياط يقول الرعاية بلحاظ الواقع وهذا الدليل يقول الحكم الواقعي بصفته واقعي اذا لم يصل في الظاهر انت غير مؤاخذ عليه وانت لست ملزم برعايته في الظاهر، اذن في كل ادلة البراءة التي مرت بنا التدقيق فيها من قبل الاصوليين من هذه الحيثية وهو ان موضوع البراءة هو عدم العلم بمطلق الحكم للشيء فهذا يفيد البراءة ولكن براءة معلقة على عدم تمامية ادلة الاحتياط بخلاف ما اذا اخذ في دليل البراءة عدم العلم بخصوص الحكم الواقعي وهذا الدليل من البراءة اكثر فائدة فلاحظوا هذا اللسان الذي مر بنا وهو اذا لم تعلم حكم الشيء اعم من حكمه الواقعي او الظاهري فحينئذ انت غير مؤاخذ فلاحظوا هذا اللسان من البراءة الذي لم يقاوم ادلة الاحتياط فانه اذا لم يأتي دليل احتياط فانه يصير في مرتبة الظاهر فهو حينئذ يعين الوظيفة الظاهرية وانها ليس فيها تقييد او الزام فاذا اتت ادلة الاحتياط فهذا الدليل لا يبقى في مرتبة الظاهر بل يرتفع ويتأخر الى مرتبة ظاهر الظاهر .
اذن لدينا ثلاث مراتب بل اكثر يمكن ان تصير فعندنا مرتبة الواقع وهو الحكم الواقعي ومرتبة الحكم الظاهري الاولى وان كان هو في المرتبة الثانية فان الاصوليون دائما يعبرون عن الحكم الظاهري انه في المرتبة الثانية لان الواقعي في المرتبة الاولى وتسمى احكام ثانوية وليس المراد من الثانوية هنا المعنى الموجود في الفقه مثل الحرج والضرر بل مقصودهم ثانوي بلحاظ الموضوع فهذه المرتبة الثانوية او الثانية هي المرتبة الاولى من الظاهري وهناك مرتبة ثانية من الحكم الظاهري فيكون في المرتبة الثالثة
وقد تجد حكم ظاهري مرتبته رابعة كما في الاصول العملية فانهم قالوا اصول عملية محرزة واصول عملية تنزيلية في المرتبة الثانية واصول وظيفية شرعية في المرتبة الثالثة واصول عملية وظيفية عقلية في المرتبة الرابعة ونفس الاصول العملية المحرزة الشرعية كالاستصحاب هي مرتبة اولى في الاصول العملية ولكنه في المرتبة الظاهرية ليست في المرتبة الاولى بل المرتبة الاولى خبر الواحد او الظهور وهكذا مراتب متعدة في المرتبة الظاهرية وذلك لان موضوعات الادلة نفسها ذات مراتب .
اذن هذا البحث ليس في خصوص البراءة والاحتياط ولا في خصوص علم الاصول بل هذا البحث الصناعي حتى في الابواب الفقهية في القواعد الفقهية في الادلة.