36/11/13


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ إطلاق الجزئية لحالة النسيان.
كان الكلام في الوجه الثالث الذي نقلناه عن الشيخ الأنصاري(قدس سره) في الرسائل،[1] وكان حاصله إعمال العناية العرفية في الموضوع بدعوى أن وجود الجزء المتعذر وعدمه من الحالات المتبادلة على الموضوع، فوحدة الموضوع تكون متحققة في القضية المتيقنة والمشكوكة، فيجري الاستصحاب.
أورد عليه ــــــــ والمورد هو المحقق العراقي(قدس سره) ــــــــــــ بأن هذا إنما يتم في ما لا يكون الجزء المتعذر من الأجزاء المقومة للموضوع، أما إذا كان الجزء المتعذر مقوماً للموضوع ؛ حينئذٍ يُقطع بارتفاع الموضوع لتعذر ذلك الجزء، ومع القطع بارتفاع الموضوع؛ حينئذٍ لابد أن يكون الشك في الحكم بعد ارتفاع الجزء المتعذر لا يكون شكاً في البقاء حتى يجري الاستصحاب، وإنما يكون شكاً في حكم إضافي؛ لأنه بتعذر الجزء ارتفع الموضوع قطعاً، فالحكم لو ثبت بعد ارتفاع الجزء لا يكون بقاءً للحكم السابق، وإنما يكون حكماً جديداً، فإذا شككنا في الحكم هذا الشك ليس شكاً في البقاء حتى يجري فيه الاستصحاب، وإنما هو شك في ثبوت حكم جديد، فلا يجري الاستصحاب.
إذن: لكي يجري الاستصحاب لابدّ من إحراز أن هذا الجزء المتعذر ليس من الأجزاء المقومة للموضوع. ومن هنا قد يقال: أن إحراز ذلك مشكل بالنسبة إلينا، في المركبات الشرعية لا في المركبات العرفية، إحراز أن هذا الجزء المتعذر مقوم فلا يجري الاستصحاب، وأن هذا الجزء المتعذر ليس مقوماً، فيجري فيه الاستصحاب بناء ً على الوجه الثالث الذي ذكره الشيخ الأعظم(قدس سره) هذا ليس أمراً متيسراً لنا، فإذا شككنا في الجزء المتعذر أنه مقوم أو لا، لا يجري هذا الاستصحاب؛ لأن إجراء الاستصحاب يتوقف على إحراز وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، ومع الشك في أنّ هذا الجزء المتعذر مقوم لا يمكننا إحراز وحدة الموضوع ووحدة القضية المتيقنة والمشكوكة.
نعم، إذا أحرزنا أنه ليس مقوماً؛ حينئذٍ يكون هناك مجال لإجراء الاستصحاب بالعناية التي ذكرها الشيخ(قدس سره). هذا هو الإيراد.
نحن نتكلم: أولاً في أصل الإيراد، ونتكلم ثانياً في ما فُرّع على هذا الإيراد مما نقلناه عن السيد الخوئي(قدس سره) حيث ذكر بأن معرفة كون الشيء مقوماً أو غير مقوم هو أمر موكول إلى العرف حيث لا يرد بيان من قبل الشارع، فيكلها إلى العرف، والعرف هو الذي يحدد، وذكر هو طريقة نقلناها عنه في الدرس السابق.
أمّا بالنسبة إلى اصل إيراد المحقق العراقي على كلام الشيخ(قدس سرهما). بالنسبة إلى اصل الإيراد واضح من كلام الموِرد أنه يجعل الميزان في جريان الاستصحاب بناءً على الوجه الذي ذكره الشيخ(قدس سره) وعدم جريانه هو كون الجزء المتعذر مقوماً أو عدم كونه مقوماً، واضح من الإيراد أنه يرى أن الجزء إذا كان مقوماً لا يجري الاستصحاب، وإذا لم يكن مقوماً يجري الاستصحاب. هذا الميزان بهذا الشكل يمكن أن يلاحظ عليه بأنه ليس من الصحيح أن نقول كلّما كان الجزء غير مقوم يجري الاستصحاب. هذا الكلام ليس صحيحاً؛ لأنه في بعض الأحيان قد يكون الجزء غير مقوم ومع ذلك لا يجري الاستصحاب، فهذه الضابطة ليست تامة، والملاحظة على الثانية(كلّما كان الجزء غير مقوم يجري الاستصحاب) هذا ليس صحيحاً؛ لأنه في بعض الأحيان قد يكون الجزء غير مقوم للموضوع ومع ذلك لا يجري الاستصحاب، وذلك حينما نفترض أنّ هذا الجزء المفقود دخيل في ثبوت الحكم لموضوعه حدوثاً وبقاءً، قد نفترض أن الشيء المتعذر ــــــــــ كلامنا ليس فقط في الأجزاء، وإنما الأجزاء والشرائط وكل ما يدخل في محل الكلام ــــــــــ إذا كان دخيلاً في ثبوت الحكم للموضوع حدوثاً وبقاءً، في هذه الحالة لا يجري الاستصحاب حتى لو كان هذا الشيء المتعذر ليس من الأجزاء المقومة للموضوع؛ للقطع بارتفاع الحكم بتعذر ذلك الشيء وارتفاعه؛ لأن المفروض أنه دخيل في الحكم حدوثاً وبقاءً، فإذا ارتفع هذا الشيء في مرحلة البقاء، بطبيعة الحال أن الحكم سوف يرتفع، فلاشك في البقاء حتى يجري الاستصحاب، الشك لا يكون شكاً في البقاء؛ لأننا نقطع حينئذٍ بارتفاع الحكم على فرض أن يكون هذا الشيء المتعذر دخيلاً في الحكم حدوثاً وبقاءً، في هذه الحالة، بالرغم من أن الشيء المتعذر ليس مقوماً لا يجري الاستصحاب لعدم تحقق الشك في البقاء الذي هو شرط في تحقق الاستصحاب، فإذا فرضنا أننا شككنا؛ الشك حينئذٍ بعد ارتفاعه لابدّ أن يكون شكاً في حكم آخر وليس شكاً في بقاء ما كان حتى يجري فيه الاستصحاب بالرغم من عدم كونه مقوماً. هذا إذا لم يكن الجزء مقوماً، قلنا لا ملازمة بين كون الجزء غير مقوم وبين جريان الاستصحاب؛ بل قد يجري الاستصحاب وقد لا يجري.
وأمّا إدا كان الجزء مقوماً، هو قال بعدم جريان الاستصحاب. صحيح لا يجري الاستصحاب، لكن عدم جريان الاستصحاب هنا ليس لأجل العلّة التي لم يجرِ فيها الاستصحاب في الفرض السابق، في الفرض السابق كان لا يجري الاستصحاب باعتبار عدم كون الشك شكاً في بقاء ما كان في حالة ما إذا كان دخيلاً في الحكم حدوثاً وبقاءً، هنا الشك ليس شكاً في بقاء ما كان فلا يجري الاستصحاب، عندما يكون الشيء مقوماً لا يجري الاستصحاب، لكن في بعض الأحيان يكون الشك شكاً في البقاء بالرغم من كون الشيء مقوماً كما إذا فرضنا أنه دخيل في الحكم حدوثاً ونشك في دخله في الحكم بقاءً، في هذه الحالة قهراً يُشك في البقاء؛ لأنه على تقدير أن يكون دخيلاً في الحكم بقاءً، فالحكم مرتفع بارتفاعه، وعلى تقدير أن لا يكون دخيلاً في مرحلة البقاء، وإنما هو دخيل فقط في مرحلة الحدوث؛ فحينئذٍ الحكم باقٍ بالرغم من ارتفاعه؛ أذن هناك شك في بقاء الحكم السابق، عندما نفترض أن الشيء دخيل في الحكم حدوثاً ويُشك في دخله بقاءً، الشك في البقاء متحقق، لكن هنا لا يجري الاستصحاب؛ لفقد شرطٍ آخر من شروط الاستصحاب الذي هو وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، يعني حينما يكون الجزء مقوماً سوف لن نحرز وحدة الموضوع بالرغم من أن الشك شك في البقاء في حالة ما إذا أحرزنا كونه دخيلاً في الحكم حدوثاً وشككنا في كونه دخيلاً بقاءً، هنا لا نحرز وحدة الموضوع؛ ليس بإمكاننا أن نشير إلى هذا ونقول هذا كان حكمه كذا والآن حكمه كما كان مع كون الجزء مقوماً للموضوع؛ لأنه بانتفاء الجزء المقوم ينتفي الموضوع المركب، ويكون الباقي بعد انتفاء الجزء المتعذر المنتفي غير الموضوع المركب الذي ثبت له الحكم سابقاً. إذن: هذا الباقي بعد التعذر غير المركب التام قبل التعذر، هذا غير ذاك؛ لأن الجزء مقوم، فتنثلم وحدة الموضوع ولا يمكن إجراء الاستصحاب من أجل عدم وحدة الموضوع وعدم وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة. ومن هنا يظهر أن عدم جريان الاستصحاب في الحالة الأولى وهي حالة ما إذا كان الجزء غير مقوم مع افتراض دخله في الحكم حدوثاً وبقاءً، عدم جريانه باعتبار عدم تحقق الشك في البقاء الذي هو شرط في جريان الاستصحاب، بينما عدم جريان الاستصحاب في الحالة الثانية التي فرضناها والتي هي أن يكون الجزء مقوماً، لكنه دخيل في الحكم حدوثاً قطعاً ويُشك في دخالته في الحكم بقاءً، هنا الشك في البقاء موجود، يُحرز الشك في البقاء، لكنه لا يجري الاستصحاب لعدم وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة. ومن هنا يظهر أن الميزان الحقيقي لجريان الاستصحاب هو مهما كان الشيء المتعذر، جزء كان أو شرط، هو أن يقال: أن هذا الشيء المتعذر ـــــــ اي شيءٍ كان ـــــــ وهذه الجهة المفقودة من جهة التعذر ـــــــــ أي شيء كانت ــــــــــ إن كان الشيء المتعذر دخيلاً في الحكم حدوثاً وبقاءً، فلا يجري الاستصحاب، سواء كان الجزء مقوماً أو غير مقوم؛ لأنه ينتفي الحكم بانتفائه في مرحلة البقاء، فلا يجري الاستصحاب من دون فرق بين أن يكون الجزء المتعذر مقوماً أو لم يكن مقوماً. وأمّا إذا فرضنا أنه لم يكن دخيلاً حدوثاً وبقاءً، وإنما كان دخيلاً في الحكم حدوثاً مع الجزم بعدم دخله بقاءً، هنا لا يجري الاستصحاب مطلقاً، يعني سواء كان الجزء المتعذر مقوماً أو لم يكن مقوماً، لوضوح أننا في هذه الحالة نعلم ببقاء المستصحب، باعتبار تحقق تمام ما له دخل فيه؛ لأن المفروض أن هذا الشيء المتعذر دخيل فيه حدوثاً، وفي مرحلة الحدوث المفروض وجود هذا الجزء المتعذر. إذن: تحقق تمام ما له دخل في ثبوت هذا الحكم وبقائه، فإذا تعذر هذا الجزء؛ حينئذٍ يكون هذا الحكم باقياً من هذه الجهة يمكن أن نجزم ببقاء المستصحب ولا يكون هناك شك في بقاء المستصحب ونحتاج الاستصحاب.
وأمّا إذا فرضنا ـــــــــــ الفرض الثالث ـــــــــ أن الشيء المتعذر كان دخيلاً في الحكم حدوثاً قطعاً، وشُك في كونه دخيلاً في الحكم في مرحلة البقاء. هذا الفرض هو الذي يقع فيه الكلام، لا يجري الاستصحاب في هذا الفرض إذا كان مقوماً ــــــــــ هنا يجري التفصيل بين المقوم وغير المقوم ـــــــــ الشيء المتعذر إذا كان مقوماً؛ حينئذٍ لا يجري فيه الاستصحاب وإن تحقق فيه الشك في بقاء ما كان، باعتبار أن هنا لا وحدة للقضية المتيقنة والمشكوكة؛ لأن الجزء مقوم ـــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــ وينتفي المركب بانتفاء جزئه المقوم، بحيث لا يستطيع العرف أن يقول أنّ هذا كان كذا والآن كما كان. وأمّا إذا كان غير مقوم؛ حينئذٍ يجري الاستصحاب بناءً على العناية العرفية التي ذكرها الشيخ الأنصاري(قدس سره) فأن الشك في البقاء موجود ـــــــــ بحسب الفرض ـــــــــ لأننا نشك في كونه دخيلاً في الحكم في مرحلة البقاء، وواقعاً يُشك في بقاء الحكم. هذا من جهة. وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، وإن كانت غير متحققة بالدقّة، لكن بإعمال العناية العرفية التي ذكرها الشيخ الأنصاري(قدس سره) إذا تمّت؛ حينئذٍ يمكن إجراء الاستصحاب. هذا هو الميزان في جريان الاستصحاب وعدم جريانه، وليس الميزان هو كون الشيء مقوماً أو عدم كونه مقوماً. ومن هنا يظهر أن التفصيل بين المقوم وغير المقوم في جريان الاستصحاب وعدم جريانه إنما يصح في خصوص ما إذا شككنا في دخل الشيء المفقود بقاءً مع إحراز دخله حدوثاً.هذا الكلام كله من ناحية عامة.
الآن نأتي إلى محل كلامنا، في محل الكلام جزء من أجزاء الصلاة تعذر، السورة تعذرت أو الركوع تعذر ـــــــــ فرضاً ــــــــ فأصبح المكلف غير قادر على الإتيان بها في هذه الحالة. هنا هذا يدخل في أي ضابطٍ من الضوابط المتقدمة ؟ هذا الجزء المتعذر هل هو دخيل في الحكم حدوثاً وبقاءً ؟ أو هو دخيل في الحكم حدوثاً فقط مع عدم دخله في الحكم بقاءً ؟ أو أننا نعلم أنه دخيل في الحكم حدوثاً، لكننا لا نعلم هل أنه دخيل في الحكم بقاءً أو غير دخيل ؟ هذا مهم جداً حتى نطبق الميزان السابق عليه، إذا كان دخيلاً في الحكم حدوثاً وبقاءً، لا يجري الاستصحاب حتى لو كان مقوماً، ونقول بضرس قاطع لا يجري الاستصحاب؛ لأنه دخيل في الحكم بقاء، فيرتفع الحكم بتعذره وارتفاعه، ولا يكون الشك شكاً في البقاء، قبل أن نأتي إلى وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، الشك ليس شكاً في البقاء، فلا يجري الاستصحاب.
وأمّا إذا كان دخيلاً في الحكم حدوثاً وشككنا في كونه دخيلاً في مرحلة البقاءً؛ حينئذٍ يأتي التفصيل السابق؛ حينئذٍ نأتي إلى قضية وحدة الموضوع، إذا قلنا أن العرف يُعمِل عناية هنا؛ فحينئذٍ تُحرز وحدة الموضوع عرفاً، وتتم أركان الاستصحاب وشروطه فيجري الاستصحاب، وإذا قلنا أنه لا يُعمِل عناية؛ لأن هذا مقوم، فلا يجري الاستصحاب. ما هو الصحيح في المقام ؟ الحكم الذي ثبت على هذا المركب سابقاً، الشارع أوجب عليّ الصلاة، والصلاة مؤلفة من عشرة أجزاء كما بيّنها الشارع، يعني أوجب عليّ عشرة أجزاء، هذا المركب التام، كل جزءٍ من أجزائه كيف يكون دخيلاً في الحكم ؟ هل هو دخيل في الحكم حدوثاً وبقاءً ؟ أو أنه دخيل في الحكم حدوثاً ؟ الصحيح أنه دخيل في الحكم حدوثاً وبقاءً، بمعنى أن هذا الحكم الثابت لهذا المركب التام من عشرة أجزاء ينتفي بانتفاء أحد الأجزاء؛ وحينئذٍ يكون الحكم الثابت للباقي بعد انتفاء أحد الأجزاء ثابتاً لمركب آخر، المركب من عشرة أجزاء غير المركب من تسعة أجزاء؛ لأن الحكم يكون كل جزء من أجزاء المركب في موضوعه دخيلاً فيه حدوثاً وبقاءً، كما أنه في مرحلة الحدوث يكون دخيلاً فيه، وينبسط عليه الوجوب الضمني وعلى كل جزءٍ من الأجزاء، كذلك هو يكون دخيلاً في مرحلة البقاء، انتفاء هذا الوجوب الضمني لهذا الجزء في مرحلة البقاء يستلزم انتفاء كل الوجوبات الضمنية بالنسبة لباقي الأجزاء ممّا يعني انتفاء الوجوب الذي كان ثابتاً سابقاً للمجموع المركب؛ لأن المفروض في محل الكلام أنّ الأجزاء مترابطة، هناك جهة ارتباط فيما بينها، فالوجوب الضمني لأحد الأجزاء عندما يرتفع بسببٍ ما، هذا معناه لا يبقى وجوب ضمني، لا لهذا الجزء ولا لهذا الجزء، وهذا معناه أن الوجوب النفسي الاستقلالي السابق الذي ثبت سابقاً أيضاً يكون مرتفعاً، وهذا معناه أنه يكون دخيلاً في ثبوت الحكم حدوثاً وبقاءً. ومن هنا بناءً على هذا الكلام؛ حينئذٍ لا معنى للتفصيل بين ما إذا كان مقوماً وبين ما إذا لم يكن مقوماً، كان مقوماً أو لم يكن مقوماً هذا دخيل في الحكم بقاءً ويرتفع الحكم بارتفاعه؛ وحينئذٍ لا يكون الشك شكاً في بقاء ما كان حتى يجري فيه الاستصحاب، وإنما إذا فُرض وجود شك في الحكم، فهو شك في حكم جديد آخر لا علاقة له بالحكم السابق ولامجال حينئذٍ للتفصيل بين المقوم وبين غير المقوم، على كلا التقديرين لا يجري الاستصحاب لعدم تحقق الشك في البقاء. هذه هي الملاحظة التي تلاحظ على هذا الإيراد الأخير.
ومنه يظهر الإيراد على أصل الوجه الثالث، الوجه الثالث جيء به لغرض التوصل إلى التمكن من إجراء الاستصحاب في محل الكلام والذي هو تعذر أحد أجزاء المركب، ويستصحب الوجوب الاستقلالي أو الوجوب النفسي الذي كان ثابتاً سابقاً باعتبار إعمال عناية في الموضوع بنظر العرف أن هذا هو ذاك، والإيراد عليه واضح، وهو أنّ هذا الكلام قد يكون صحيحاً، لكن عندما نحرز الشرط الآخر لجريان الاستصحاب وهو أن الشك يكون شكاً في بقاء ما كان، وهذا إنما يكون عندما يكون الشيء المفقود والمتعذر دخيلاً في الحكم حدوثاً ويُشك في دخالته في مرحلة البقاء، وأمّا إذا كنا نعلم بدخالته في الحكم حدوثاً وبقاءً لا تصل النوبة إلى الكلام في أن الموضوع واحد أو ليس واحداً؛ لأن الشك ليس شكاً في البقاء، وإنما يُعلم بارتفاع الحكم السابق، وعلى تقدير ثبوت حكم آخر بعد التعذر، فهو حكم آخر، هذا غير ما كان سابقاً، فلا يكون الشك شكاً في البقاء. الشيخ الأنصاري(قدس سره) يريد تطبيق هذا على محل الكلام، طبعاً بضميمة الإيراد لابدّ أن نقول أن مقصوده في الأجزاء غير المقومة، حتى في الأجزاء غير المقومة نقول أن هذا الكلام غير تام بهذا المعنى، كبروياً قد يكون تاماً إذا تحققت شروطه، لكن تطبيقه في محل الكلام غير واضح؛ لأن الجزء المتعذر دخيل في الحكم حدوثاً وبقاءً، ومع كونه دخيلاً في الحكم حدوثاً وبقاءً لا يجري الاستصحاب، وإن لم يكن ذلك الجزء المتعذر مقوماً، وإن كان تبذل فيه العناية العرفية إذا لم يكن مقوماً، لكن الشك ليس شكاً في البقاء.
هناك مطلب ذكره بعض المحققين لا بأس بالإشارة إليه، أيضاً يدخل في محل الكلام، لمنع جريان الاستصحاب في محل الكلام الذي هو تعذر جزء من أجزاء المركب، بينّا عدم جريان الاستصحاب باعتبار أن الشك في البقاء غير متحقق؛ لأن الجزء هو دائماً دخيل في الحكم حدوثاً وبقاءً. هو يذكر بياناً آخر لمنع جريان الاستصحاب في محل الكلام، خلاصته: مسألة المسامحة العرفية إنما تصح في موضوعات الأحكام ولا تصح في متعلقات الأحكام، والسر هو أن ارتباط موضوعات الأحكام بالأحكام يكون بتوسّط المتعلقات، عندما يقول(أكرم العالم)، أو(قلّد المجتهد)، هذا الموضوع الذي هو(العالم) و(المجتهد) ارتباطه بالحكم الذي هو الوجوب يكون بتوسّط الإكرام في الأول، وبتوسط التقليد في الثاني، يقول: ارتباط الموضوع بالمتعلّق هو ارتباط تكويني واقعي لا جعلي، في هذه الحالة هنا بالإمكان أن يقال أن العرف يحدد نوع هذا الارتباط بين الموضوع والمتعلّق، فقد يقول أن هذا الارتباط متحقق، وقد يقول أن هذا الارتباط غير متحقق، هنا هناك مجال لإعمال هذه العناية العرفية، ويُمثل لذلك يقول: هناك فرق بين مسألة(أطعم العالم) وبين(قلّد العالم) العرف هنا يتدخل، (أطعم العالم) يرى العرف أنه في هذا المثال الموضوع هو ذات العالم، وجهة علمه لا ربط لها بالإطعام، فيصير موضوع الحكم هو ذات العالم، العرف هكذا يرى، وأما جهة العلم فليست دخيلة في المتعلق الذي يرتبط الموضوع بالحكم بتوسّطه، فإذا كان الموضوع هو ذات العالم، فإذا زالت جهة العلم؛ حينئذٍ بالإمكان إجراء الاستصحاب؛ لأن العرف يرى أن الموضوع باقٍ؛ لأن الموضوع الذي ثبت له الحكم سابقاً ليس هو العالم بما هو عالم، وإنما ذات العالم، وهي موجودة، فإذا شككنا في بقاء الحكم، فبالإمكان إجراء الاستصحاب مع إحراز وحدة الموضوع بإعمال هذه العناية العرفية. أمّا في مسألة(قلّد العالم) فالكلام يختلف، فالعرف يرى أن جهة العلم دخيلة في ارتباط العالم بالتقليد الثابت له الوجوب. إذن: الموضوع في المثال الثاني هو العالم بما هو عالم، هذا هو موضوع الحكم الثابت سابقاً، فإذا زالت جهة العلم؛ حينئذ العرف لا يرى جريان الاستصحاب؛ لأنه يرى أن هذا الموضوع الذي زالت عنه حيثية العلم غير الموضوع الذي ثبت له الحكم سابقاً، هذا غير ذاك حتى بنظر العرف؛ ولذا لا مجال لجريان الاستصحاب. يقول: بالنسبة إلى موضوعات الأحكام يمكن أن يُتصور جريان هذه العناية العرفية، ويمكن أن يُفصّل بين نوعين من موضوعات الأحكام بحسب النظر العرفي المسامحي. وأما في متعلقات الأحكام، بالنسبة إلى متعلقات الأحكام يقول: الأمر ليس هكذا، ارتباط المتعلّق بالحكم ارتباط جعلي، ارتباط الحكم بمتعلّقه ارتباط مجعول من قِبل جاعل، أي شيء كان هو الجاعل ولو كان هو العرف، بالنتيجة هذا الارتباط ارتباط جعلي اعتباري، وهذا الارتباط الجعلي يتقيّد بالجاعل، والعرف أيضاً يتقيّد بالجاعل نفسه، العرف هنا لا يُعمِل عنايات بالنسبة إلى متعلق الموضوع، إذا فرضنا أن الشارع أوجب الصلاة قال(صلِ) هنا لا يوجد موضوع، يوجد فقط متعلق، والصلاة مؤلفة من عشرة أجزاء، صلِ، يعني يجب عليك هذه العشرة أجزاء التي حددها الشارع، وارتباط هذه العشرة أجزاء بالحكم ارتباط جعلي محدد من قِبل الشارع، هنا العرف لا يتدخل ويقول مع فقد أحد هذه الأجزاء هي نفس المركب الذي أوجبه الشارع عليّ، هنا لا يتدخل العرف؛ لأن القضية جعلية، والجاعل نفسه هو الذي يحددها والعرف يتقيّد بهذا الجعل، فلا نستطيع أن نقول عند تعذر أحد أجزاء المركب العرف يُعمِل عناية ويقول أن هذه التسعة أجزاء الباقية هي نفس العشرة أجزاء التي تعلّق بها الحكم، لا مجال لهذه العناية العرفية، وبالتالي لا يمكن إجراء هذه العناية العرفية في محل الكلام؛ لأن الغرض من كل هذه المحاولات هو تطبيق هذه الوجوه التي تُذكر في محل الكلام. هذا الوجه الثالث لا يمكن تطبيقه في محل الكلام لهذه النكتة التي ذكرها، وهي نكتة تستحق العناية.
هذا كلّه ما يرتبط بأصل الوجه الثالث والإيراد عليه، وتبيّن أن الصحيح أن هذا الوجه الثالث ليس تامّاً في محل الكلام، كبروياً قد يكون تامّاً، عندما نفترض أن الجهة المفقودة هي دخيلة في الحكم حدوثاً ويُشك في دخلها بقاءً، الوجه الثالث يكون تامّاً؛ لأن الشك في البقاء نحرزه حينئذٍ، فتبقى مسألة وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، فتُبذل هذه العناية، فيكون له وجه، ويتم حينئذٍ، لكن تطبيقها في محل الكلام غير صحيح.