36/11/15


تحمیل
الموضـوع:- مبحث الأوامــر.
عودٌ الى صلب الموضوع:- كان كلامنا في مناشئ الدلالة على الوجوب حيث ذكرنا أنّ الأصوليين بعد أن اتفق غالبهم على دلالة المادّة والصيغة على الوجوب وقع الكلام بينهم في وجه هذه الدلالة وقلنا هناك أربعة مناشئ:-
الأوّل:- التمسّك بالنصوص.
وقد ذكر الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية جملة من النصوص التي قد يستفاد منها أنّ وضع المادّة أو الصيغة هو للوجوب، كقوله تعالى:- ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾[1]، وكقوله تعالى:- ﴿ ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ﴾[2]، وكقوله صلى الله عليه وآله:- ( لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك )[3]، بتقريب:- أنّها دلّت على التوبيخ من عدم امتثال الأمر بالسجود أو على لزوم الحذر على تقدير مخالفة الأمر أو خوف المشقّة من الأمر بالسواك وهذه تدلّ على أنّ الأمر للوجوب وإلا فلا معنى للتوبيخ أو الحذر ولا معنى لوقله صلى الله عليه وآله ( لولا أن أشق ) فإنّ هذا يتناسب مع الوجوب . وينبغي أن يكون واضحاً أنّ هذه النصوص يتمسّك بها لإثبات دلالة المادّة والصيغة معاً على الوجوب، فمثلاً الآية الكريمة الأولى قالت:- ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾ فالأمر الذي صدر هل صدر بالمادّة أو بطريق الصيغة كــ ( اسجد مثلاً ) أو غير ذلك ؟ إنّه مطلقٌ من هذه الناحية فربما يقال نتمسّك بالإطلاق.
نعم الآية الثاني التي تقول:- ﴿ ما منعك ألّا تسجد إذ أمرتك ﴾ قد يقال بأنّها قضيّة في واقعة، فلّعل الصادر من الله عزّ وجلّ خطاباً إلى إبليس هو الصيغة دون المادّة.
أمّا بالنسبة إلى قوله تعالى:- ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾ فلا وإنما هذه قاعدة وقانون عامّ فكلّ من يخالف أمر الله فليحذر سواء كان أمر الله عزّ وجلّ بالمادّة أو بالصيغة، فالآية الأولى لا بأس بالتمسّك بها.
ويرد عليه:-
أوّلاً:- إنّ هذا استعمال وقد عرفنا أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، خلافاً للسيد المرتضى(قده) لأنّه كان يرى أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة.
ثانياً:- إنّ المراد هنا واضحٌ والشك هو في كيفية الاستعمال وأصالة الحقيقة خاصّ بما إذا عُرِف المعنى الحقيقي وعُرِف المعنى المجازي، مثل الأسد فنحن نعرف معناه الحقيقي والمجازي وقال المتكلم ( جئني بأسد ) ولا ندري هل أنّ المقصود هو الأسد الحقيقي أو الرجل الشجاع فنحمله هنا على المعنى الحقيقي، أمّا إذا فرض أنّنا علمنا أنّ المتكلّم استعمل اللفظ في هذا المعنى جزماً ولكن لا ندري أنّ هذا الاستعمال حقيقي أو مجازي كما في موردنا فإنه في هذه النصوص الثلاثة جزماً الأمر قد استعمل في الوجوب للقرائن التي أشرنا إليها ولكن لا ندري أنّ هذا الاستعمال هو بنحو الحقيقة حتى يثبت أنّ الأمر موضوعٌ للوجوب أو بنحو المجاز حتى لا يمكن إثبات ذلك، فالمعنى المستعمل فيه واضحٌ ولا شك فيه وإنما الشك في أنّ استعمال اللفظ فيه هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز ؟ وهنا لا يجري أصل الحقيقة، وإنما يجري أصل الحقيقة فيما لو عرفنا المعنى الحقيقي والمجازي واستعمل المتكلّم كلمةً ولا ندري أنّه أراد منها المعنى الحقيقي أو المجازي.
وقد تسأل وتقول:- ما هو مدرك هذه الدعوى - وهي أن أصل الحقيقة يختصّ بما إذا عرف المعنى الحقيقي والمجازي واستعمل اللفظ ولا ندري هل أراد المتكلم المعنى الحقيقي أو المجازي ولا يجري إذا عرفنا المعنى المستعمل فيه ولكن لا ندري أن الاستعمال فيه كان بنحو الحقيقة أو بنحو المجاز - ؟
والجواب:- إنّ مستند هذه الدعوى قد قرأناه في الكفاية، فإنّ مدرك أصالة الحقيقة هو العرف، فالعقلاء يجرون أصالة الحقيقة والشارع قد أمضى هذا وليس له عرفٌ يغاير هذا العرف، والقدر المتيقّن من هذه السيرة هو ما إذا فرض أنّا نعرف المعنى الحقيقي والمجازي ولا نعلم أنّ المتكلّم حينما استعمل اللفظ أراد المعنى الحقيقي أو المجازي فالعقلاء هنا يوجد عندهم أصل الحقيقة فيحمل كلام المتكلّم على المعنى الحقيقي، أمّا إذا عُرِف المعنى المستعمل فيه ولم يُدرَ كيفية الاستعمال وأنه بنحو الحقيقة أو المجاز فلا نجزم بأنّ العقلاء لهم سيرة بل لعلّه نجزم بالعدم باعتبار أنّ العقلاء حينما يتمسّكون بالأصول اللفظية الخاصّة فهم لا يتمكسّون بها تعبداً وإنما لفائدةٍ والمفروض في مقامنا أنّ المعنى المستعمل فيه واضحٌ ومعلومٌ وبعد وضوحه ما فائدة أن يجري العقلاء أصالة الحقيقة لاثبات أنّ هذا الاستعمال حقيقي ؟!! إلّا أن يكون الشخص لديه نذر وهو أنّه قال ( إذا كان استعمال اللفظ في هذا المعنى بنحو الحقيقة فأنا أعطي للفقير كذا )، ولكن ليس من المعلوم أنّ هذا النذر سوف ينعقد لأنّ شرط انعقاد النذر هو أن يكون المتعلّق راجحاً وهذا ليس فيه رجحان ؟!! إنّه لا توجد فائدة ونحن إنما نجري الأصول حتى نستفيد فائدةً وهي أن نعيّن المعنى، أمّا إذا كان المعنى متعيّناً فما هي الفائدة مثل هذه النصوص ؟!! فأنا أعلم أنّ المراد هو الوجوب جزماً ولكن لا أعلم أنّ الاستعمال في هذا الوجوب هو بنحو الحفقيقة أو بنحو المجاز، إنّ هذا ليس فيه ثمرة عقلائيّة . نعم قد تكون هناك ثمرة علميّة، أمّا أنّ العقلاء يقرّرون أصلاً فهذا ليس بموجود.
ثالثاً:- يمكن أن نقول:- إنّ الاستعمال في المقام - أي الاستعمال في الوجوب - حقيقيّ ولكن رغم هذا لا تكون المادة أو الضيغة موضوعتين للوجوب، كما في كلمة ( إنسان ) فإنها موضوعة للحيوان الناطق، فإذا استعملت لفظ الأنسان في فردٍ من أفراد هذا الجامع الكلّي وقلت ( جاء إنسانٌ ) فإني أقصد منه فرداً من الإنسان وفرداً من الحيوان الناطق، وهل هذا الاستعمالٌ حقيقيّ أو مجازي ؟ قد يقال إنَّ هذا استعمال حقيقي رغم أنّه ليس موضوعاً لهذا الفرد وإنما هو موضوعٌ للكلّي الصادق على هذا الفرد.
وإذا قلنا بأنّ اسيتعمال حقيقيّ - لأنّا لا نشعر بالعناية والمسامحة حينما نقول جاءني إنسان أو جئني بقلم فاستعمال اللفظ في فردٍ من الجامع لا نشعر بالمجازيّة والعناية فيه - فحينئذٍ نأتي في موردنا ونقول إنّ الأمر مادّةً وصيغةً لعلّه موضوعٌ لكلّي الطلب الجامع بين الاستحباب والوجوب ولكن أريد في الآية الكريمة خصوص الوجوب للقرائن المذكورة من دون أن يكون الاستعمال مجازياً، فالاستعمال حقيقيّ وأصل الحقيقية لا يجدي شيئاً لأنّا نسلّم هنا أنّ الاستعمال حقيقيّ بلا إشكال، ولكن رغم هذا لا يستطيع أنّ يثبت أنّ الأمر مادّةً وصيغةً موضوعٌ لخصوص الوجوب بل لعلّه موضوعٌ لكلّي الطلب وهذا استعمالٌ في فرد الكلّي والاستعمال في فرد الكلّي لا يتنافى مع الحقيقة.
أمّا إذا لم يسلّم أحدٌ بهذا الشيء فهذا الجواب لا يتم.
هذه ثلاثة أجوبة عن الدليل الأوّل، ومقصودنا هو التعلّم والالتفات إلى النكات وإلا فهذا الدليل موهونٌ في حدّ نفسه، ونحن أشرنا إليه تبعاً لصاحب الكفاية(قده).
الثاني:- التمسّك بالوضع.
ذهب صاحب الكفاية(قده) وبعض الأصوليين إلى أنّ استفادة الوجوب من الأمر هي بسببب الوضع، يعني لأجل أنّ الأمر موضوعٌ صيغةً ومادّةً للوجوب، والدليل هو التبادر فإنّ التبادر دلليل الوضع.
وواضحٌ أنّ التبادر تامّ ولا نحتمل أنّ يشكك أحدٌ في ذلك، ولكن لعلّ هذا التباردر قد نشأ من مناشئ أخرى كمقدّمات الحكمة أو من حكم العقل والعقلاء فلذلك لابد لصاحب هذا الرأي أن يتمسّك بالتبادر بإضافة إبطال المناشئ الأخرى وإلّا لم يكن هذا مثبتاً للمطلوب كما هو واضح، وإن شاء الله تعالى سوف نتحدّث فما بعد عن المناشئ الأخرى ونرى أنّها تامّة أو لا.
ولكن نقول شيئاً:- وهو أنّه ربما يقال إنّ دعوى أنَّ المادّة موضوعة للوجوب شيء ممكن ومحتمل، وأمّا بالنسبة إلى الصيغة فيشكل ذلك باعتبار أنّ الصيغة مركّبة من مادّة وهيئة، فمثلاً ( اكتب ) هي صيغة مركّبة من مادّة تدلّ على الكتابة - أي تدل على الحدث ولنفترض أنّ المادّة هي المصدر- وعلى هيأة - وهي هيأة ( أفعل ) - والهيأة تدلّ على معنىً نسبيّ إذ أنّ معناها حرفيّ، أمّا مادّة الصيغة فلا يمكن أن يدّعى أنّها موضوعة للوجوب فإنّها موضوعةٌ للحدث - وهو الكتابة - وإذا أمكن الوضع للوجوب فهو في جانب الهيأة . إذن لابد وأن يقال إنّ الهيأة موضوعة للوجوب.
والهيأة لا يمكن أن تكون موضوعةً للطلب الوجوبي وذلك لوجهين:-
الوجه الأوّل:- إنّ معنى الهيأة حرفيّ فإنها تدلّ على النسبة، فالهيآت بأجمعها تدلّ على النسبة الارسالية أو النسبة الطلبية - إن صحّ التعبير -، والنسبة معنىً حرفيّ، ومعاني الحروف مغفولٌ عنها، ومادامت مغفولاً عنها فكيف تكون موضوعةً للوجوب ؟! إنّ وضعها للوجوب يعني الالتفات إليها والالتفات إليها يتنافى مع كونها نسبة ومعنىً حرفيّ، فلا يمكن إذن أن تكون موضوعةً للوجوب.
والجواب:-
أوّلاً:- من قال إنّ معاني الحروف مغفولٌ عنها ؟! كلّا بل يلتفت إلى معانيها . نعم معانيها ليست استقلاليّة بل هي قائمة بالطرفين لا أنّه مغفولٌ عنها، فلذلك نقول أحياناً ( أين الكتاب ؟ ) فيقال ( في الصندوق) وهذا معنىً نسبي.
إذن يوجد تمام التوجّه إلى المعنى النسبي الحرفي، وحينما أقول ( ذهبت من هذا المكان إلى ذاك ) فنظري متوجّه إلى النسبة والمعنى الحرفي أيضاً فكيف تقول إنّ معاني الحروف مغفولٌ عنها ؟!! كلّا بل هي ليس مغفولاً عنها وإنما معانيها ليست استقلاليّة - يعني هي قائمة بالطرفين -، فلا ينبغي الخلط بين كونها غير مستقلّة وبين كونها مغفولاً عنها، فهي غير مستقلّه لا أنّها مغفولٌ عنها.