37/03/24


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية

الانحلال المذكور في الجواب الثاني تارة يراد به الانحلال الحقيقي ومرّة يُراد به الانحلال الحكمي، الانحلال الحقيقي لا يُشترط فيه المعاصرة، وإذا توفرت شروطه فأنّه يتحقق حتى إذا كان العلم الإجمالي المنجل متقدّماً زماناً على العلم الإجمالي الحال له، أمّا الانحلال الحكمي، فيشترط فيه المعاصرة على ضوء ما تقدّم، فإن كان المدعى في المقام هو الانحلال الحقيقي؛ فحينئذٍ لا يُشترط فيه المعاصرة، وأمّا إذا كان المدّعى هو الانحلال الحكمي الذي يُشترط فيه المعاصرة بين العلمين؛ حينئذٍ قد يُستشكل في هذا الجواب إذا كان المقصود به الانحلال الحكمي، يُستشكل بأنّه لا توجد معاصرة في المقام بين العلمين؛ العلم الإجمالي الصغير متأخر عن العلم الإجمالي الكبير، العلم الإجمالي الصغير لا يحصل إلاّ بعد الرجوع إلى الأدلة والكتب والفحص فيها.
أجيب عن هذه الملاحظة: بأنّه لا يوجد تأخر في المقام؛ بل العلم الإجمالي الكبير و العلم الإجمالي الصغير متعاصران، وليس العلم الإجمالي الصغير متأخر عن العلم الإجمالي الكبير ؛ لأنّ المكلّف كما يعلم من أول الأمر ومن بداية بلوغه، بوجود أحكام واقعية إلزامية في ضمن الوقائع، بمجرّد أن يلتفت إلى وجود شريعة سيحصل له العلم بوجود أحكام واقعية إلزامية في ضمن الوقائع، كذلك هو يعلم أيضاً من أول الأمر أنّ هناك أحكاماً واقعية إلزامية في ضمن الإمارات المعتبرة الموجودة في الكتب الواصلة إلينا.
وبعبارةٍ أخرى: هو يعلم بوجود إمارات اعتبرها الشارع وأنّ هذه الإمارات تتضمن أحكاماً واقعية إلزامية، فيحصل له مثل هذا العلم الإجمالي الصغير ويكون مقارناً للعلم الإجمالي الكبير. نعم، علمه بالإمارات التي تتضمن أحكاماً واقعية إلزامية هو علم إجمالي، لكن هذا لا يمنع من أنّ هذه الإمارات التي تتضمن أحكاماً إلزامية تكون واصلة إلى المكلّف، لكن الوصول يكون إجمالياً، لكن هذا الوصول الإجمالي للإمارات المعتبرة أيضاً يكون منجّزاً؛ فحينئذٍ إذا كان هذا منجّزاً لهذه الإمارات وللأحكام، التي تتضمنها هذه الإمارات والمكلّف يكون عالماً بذلك، وبحسب هذا الكلام يكون من أول الأمر عالماً بهذه الإمارات، بمعنى أنّ الشارع عندما يفرض أحكاماً إلزامية على المكلّف هو يجعل طرقاً وإمارات موصلة إلى هذه الأحكام الشرعية، وإلاّ كيف يعلم المكلف بوجود هذه الحكام الإلزامية الواقعية، لابدّ أن يجعل الشارع طرقاً للوصول إلى هذه الأحكام، فكأنّ المكلف من بداية الأمر يعلم بأنّ هناك أمارات اعتبرها الشارع تتضمن أحكاماً واقعية إلزامية، فيكون العلمان متقاربين ومتعاصرين وبذلك يتحقق الانحلال الحكمي، ويسقط العلم الإجمالي الكبير عن التنجيز ويكون المنجّز هو العلم الإجمالي الصغير؛ فحينئذٍ لا مانع من إجراء البراءة في غير دائرة العلم الإجمالي الصغير، فيرجع الكلام السابق الذي هو أنّ المكلف إذا فحص في الأدلة وفي الكتب ولم يعثر على مدرك لحكم الواقعة بإمكانه الرجوع إلى البراءة؛ لأنه يتبين من عدم العثور أنّ هذه الواقعة ليست من أطراف هذا العلم الإجمالي الصغير وإنما هي من أطراف العلم الإجمالي الكبير الذي وإن كان موجوداً حقيقة؛ لأنّ المفروض أنّ الانحلال ليس حقيقياً، لكنه لا أثر له؛ لأنه سقط عن التنجيز، ومعنى أنّ العلم الإجمالي الكبير سقط عن التنجيز يعني هو لا يمنع من إجراء الأصل في أطرافه؛ لأنّه سقط عن المنجّزية، فتجري البراءة في هذه الواقعة بعد الفحص وعدم العثور على دليل، ونصل بذلك إلى نتيجة أنّه بعد الفحص يجوز إجراء البراءة، فلا يرد هذا الاعتراض.
هل هذا المطلب صحيح، أو لا ؟ لأنّ افتراض تعاصر العلمين في محل كلامنا من الصعب قبوله، يعني ليس من الضروري أن نقول أنّ المكلّف في بداية بلوغه كما يعلم بوجود أحكام إلزامية في الشريعة في ضمن الوقائع كذلك يعلم بوجود إمارات معتبرة تتضمن أحكاماً إلزامية واقعية. ليس بالضرورة أن يُفرض هذا، قد نفترض أنّ مكلفاً لا يلتفت إلى ذلك ولا يحصل له علم بوجود إمارات معتبرة موجودة في الكتب تتضمن وجود أحكام واقعية إلزامية، كما إذا فرضنا أنّ هذا المكلّف كان يرى انسداد باب العلم والعلمي، مثل هذا لا يوجد له علم بوجود إمارات معتبرة تتضمن أحكاماً إلزامية واقعية. ما أريد قوله هو أنّه لا توجد ضرورة ولا يوجد دليل واضح على أنّه لابدّ أن نفترض أنّ العلم الإجمالي الصغير موجود من أول بلوغ المكلّف الذي هو زمان حصول العلم الإجمالي الكبير، ليس هناك ضرورة تلزمنا أن نقول أنّ المكلف كما يعلم بالعلم الإجمالي الكبير من أول بلوغه هو أيضاً يعلم بالعلم الإجمالي الصغير من أول بلوغه؛ بل قد لا يعلم ذلك إلا بعد مدّة ومن هنا يظهر عدم وجود دليل على التعاصر بين هذين العلمين ومن هنا يكون الالتزام بالانحلال الحكمي في المقام يواجه مشكلة أنّ شرط الانحلال الحكمي هو المعاصرة بين العلمين وهذا غير متحقق في محل كلامنا.
على كل حال، الانحلال في هذا الجواب إذا كان المقصود به الانحلال الحكمي، فجوابه هو ما قلناه من أنّ الانحلال الحكمي في المقام فاقد لشرطه لعدم المعاصرة بين العلمين، وأمّا إذا كان المقصود به الانحلال الحقيقي، هل هذا العلم الإجمالي الصغير يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير انحلالاً حقيقياً، أو لا ؟ هذا محل الكلام. في بحثين تقدما، في بحث حجّية خبر الواحد، ويُذكر هذا أيضاً في بحث الانسداد، تقدّم أنّه هل العلم الإجمالي الصغير يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير أو لا ؟ بحيث أنّه استدل على حجية خبر الثقة بهذا العلم الإجمالي الكبير، من مقدّمات دليل الانسداد أن يقال بعد انسداد باب العلم والعلمي نحن نعلم بوجود أحكام إلزامية في ضمن الوقائع، فينسد باب العلم والعلمي، فلابدّ من الاحتياط أو العمل بكل ظنٍ، الاحتياط فيه حرج أو عسر فيُصار إلى حجّية الظن مطلقاً، وواحدة من مقدماته هي العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة، هذا العلم الإجمالي الكبير. هناك قالوا: أنّ هذا العلم الإجمالي ينحل بعلم إجمالي أصغر منه كما أدُّعي في المقام، وهذا العلم الإجمالي الأصغر منه هو عبارة عن العلم الإجمالي بوجود أحكام واقعية إلزامية في ضمن الإمارات المعتبرة في الكتب الواصلة إلينا، وهذا المعلوم بالإجمال لا يقل عن المعلوم بالإجمال بالعلم الإجمالي الكبير فينحل العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير. تقدّم هناك أنّ هذا الذي يقال من الانحلال محل تأمل وكلام، والسر في ذلك بشكل مختصر هو أنّه كما يوجد عندنا علم إجمالي صغير بوجود أحكام واقعية شرعية في ضمن الإمارات المعتبرة كذلك إلى جنبه يوجد علم إجمالي بوجود أحكام واقعية إلزامية في ضمن سائر الإمارات الأخر الغير المعتبرة، أو إذا أردنا أن نذكر ما ذكروه هم، هم جعلوا العلم الإجمالي الصغير الأول هو العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في ضمن أخبار الثقات الموجودة في الكتب الأربعة، يقال: إلى جنب هذا العلم الإجمالي الصغير يوجد علم إجمالي آخر وهو العلم بوجود أحكام إلزامية في غير خبر الثقة من الإمارات، أخبار غير الثقات، الشهرات، الإجماعات المنقولة وغيرها من الإمارات، هذه كلها إذا لاحظناها سوف نعلم بأنّ هناك احكاماً إلزامية شرعية تتضمنها سائر الإمارات غير خبر الثقة، ودليل هذا العلم الإجمالي هو نفس دليل العلم الإجمالي الصغير الأول الذي هو حساب الاحتمالات، استبعاد أن يكون كل هؤلاء مخطئين، أو يكذبون، احتمال اجتماع كل أخبار الثقات في الكتب الواصلة إلينا على الكذب أو الخطأ هو احتمال غير وارد، وفي مقابله يحصل يقين أو اطمئنان بأنّ أخبار الثقات هذه تتضمن أحكاماً إلزامية شرعية، نفس هذا الدليل يجري إذا لاحظنا سائر الإمارات الأخرى أعم من أن تكون معتبرة أو غير معتبرة، إذا لاحظناها أيضاً نقول بحساب الاحتمالات لا يحتمل أنّها كلّها لا تصيب الواقع، فلابدّ أنّ بعضها يكون مصيباً للواقع، فيحصل علم إجمالي بوجود أحكام واقعية في ضمن هذه الإمارات.
إذن: هناك علمان إجماليان صغيران وليس علماً إجمالياً واحداً، وهذا سوف يؤثر في الموقف؛ لأنّه بحسب الحقيقة يوجد علم إجمالي مهمل في المقام، وهو متوسط بين العلم الإجمالي الكبير والعلم الإجمالي الصغير المُدّعي الذي يُراد حل العلم الإجمالي الكبير به؛ وذلك لأنّ العلم الإجمالي الكبير هو عبارة عن علم بإحكام واقعية إلزامية في ضمن الوقائع في الشريعة، هذا العلم الإجمالي الكبير ينحل بوجود علم إجمالي بوجود أحكام إلهية إلزامية في ضمن الإمارات مطلقاً أعم من أن تكون معتبرة أو غير معتبرة، وهذه الإمارات المعتبرة وغير المعتبرة إذا لاحظناها نحن نعلم أنها تتضمن أحكاماً إلزامية شرعية. العلم الإجمالي الصغير هو العلم الإجمالي الثالث وهو أننا إذا نظرنا إلى ـــــــ كما يقولون ـــــــ أخبار الثقات في الكتب الواصلة إلينا، أو نظرنا إلى الإمارات المعتبرة في الكتب الواصلة إلينا سنجد أننا نعلم إجمالاً أنّها تستبطن أحكاماً شرعية واقعية إلزامية، فالعلم الإجمالي الكبير ينحل بالعلم الإجمالي المتوسط، والعلم الإجمالي المتوسط ينحل بالعلم الإجمالي الصغير، إذا كان الأمر كذلك يأتي هذا الكلام الذي ذكرناه من أنّ هذا العلم الإجمالي الصغير يوجد إلى جنبه وفي عرضه علم إجمالي صغير آخر دائرته ما عدا ما فُرض في ذلك العلم الإجمالي الصغير، إذا فرضناه أخبار الثقات، فدائرة العلم الإجمالي الثاني تكون ما عدا أخبار الثقات من الأخبار الأخرى، وإذا فرضناه الإمارات المعتبرة؛ فحينئذٍ تكون دائرة العلم الإجمالي الثاني هي ما عدا الإمارات المعتبرة، كالشهرات وأخبار غير الثقات والإجماعات المنقولة، هذه كلّها إذا جمعناها لدينا علم بوجود أحكام شرعية واقعية إلزامية في ضمنها بحساب الاحتمالات، باستبعاد أن تكون جميع هذه الإمارات غير مصيبة للواقع وأن جميع المخبرين يكونون قد اجتمعوا على الكذب، هذا احتمال مستبعد، فيحصل علم إجمالي، هل ندّعي في المقام أنّ العلم الإجمالي المتوسّط ينحل بالعلمين الإجماليين الصغيرين ؟ هذا لا معنى وأصلاً غير متصوّر؛ لأنّ العلم الإجمالي المتوسط هو عبارة عن مجموع هذين العلمين وليس شيئاً آخر، العلم الإجمالي المتوسط الذي هو عبارة عن العلم بوجود أحكام إلزامية في ضمن الإمارات مطلقاً مهما كانت هو عبارة عن هذين العلمين الإجماليين الصغيرين، ضمّ العلم الإجمالي الصغير الأول إلى الثاني هو عبارة عن العلم الإجمالي المتوسط، فلا معنى لأن يقال أنّ العلم الإجمالي المتوسط ينحل بهما بعد أن فرغنا عن أنّ هناك علماً إجمالياً صغيراً آخر في عرض العلم الإجمالي الصغير الأول، وإن قيل أنّ العلم الإجمالي المتوسط ينحل بالأول دون الثاني، فهذا ترجيح بلا مرجّح، فلماذا العلم الإجمالي الكبير ينحل بهذا العلم الإجمالي الصغير ولا ينحل بالعلم الإجمالي الكبير ؟! فمسألة الانحلال ليس بشكل عام أنّ العلم الإجمالي الكبير لا ينحل بالعلم الإجمالي الصغير، وإنّما في بعض الموارد إذا توفرت شروط معيّنة لا مانع من افتراض انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، لكن في محل الكلام حيث أنّ العلم الإجمالي الصغير الذي يُدّعى أنّه حال للعلم الإجمالي الكبير بهذه الخصوصية وهي أنّه يوجد إلى جنبه علم إجمالي صغير آخر، وحل العلم الإجمالي الكبير السابق بهما معاً لا معنى له وحلّه بأحدهما ترجيح بلا مرجّح؛ حينئذٍ يكون الانحلال محل إشكال. هذا ما يمكن أن يقال بالنسبة إلى هذا الجواب.
الجواب الثالث: ما يُستفاد من كلمات السيد الخوئي(قدّس سرّه) وهو أن يقال أنّ الاعتراض الثاني أساساً يرجع إلى أنّ العلم الإجمالي باقٍ؛ لأنّ الإشكال كان يقول أنّه في بداية الأمر عندما كان المجتهد يراجع حكم الواقعة الأولى التي تعرض له، والثانية والثالثة وحتى العاشرة، وحتى أكثر من ذلك، لا ينحل علمه الإجمالي، وإنّما ينحل إذا عثر على مقدار من الأحكام الإلزامية لا تقل عن المعلوم بالعلم الإجمالي السابق، أما في بداية الأمر بمجرّد أن يعلم بحكمين واقعيين أو بعشرة أحكام واقعية لا ينحل العلم الإجمالي .
إذن: العلم الإجمالي بعد الفحص عن وقائع تعرض للمجتهد في الأدلة وعدم العثور على مدرك لهذا الحكم، فالعلم الإجمالي باقٍ لا ينحل، وهو قد فحص ولم يعثر على مدرك لحكم الواقعة في الأدلة، هذا العلم الإجمالي يمنع من إجراء الأصل، حيث أنّ كلامنا في الوجه الأول وهو أنّ مما يمنع من إجراء البراءة قبل الفحص هو العلم الإجمالي، وهو باقٍ، فينبغي أن يمنع من الرجوع إلى البراءة بعد الفحص؛ لأنّ هذا العلم الإجمالي إذا كان باقياً يمنع من إجراء البراءة؛ لأنّ جريان البراءة في هذه الواقعة مُعارض بالأصل في بقية الوقائع، ولا يمكن إجراء البراءة في جميع الوقائع لوجود علم إجمالي بوجود أحكام إلزامية في ضمن هذه الوقائع، أو في ضمن الإمارات الموجودة في ضمن الكتب الأربعة؛ فلا يمكن حينئذٍ إجراء البراءة في هذه الواقعة؛ لأنّ إجراء البراءة يكون معارضاً بالأصل في الأطراف الأخرى. الجواب الثالث يقول أنّ هذا غير صحيح، منع إجراء الأصل في الواقعة بعد الفحص وعدم العثور على دليلها؛ لأنّها معارضة بالأصل في سائر الوقائع، هذا غير صحيح؛ لأنّ الأصل أساساً هو في سائر الوقائع لا يجري، أصالة البراءة لا تجري في الوقائع والمشتبهات قبل الفحص، وإنما تجري بعد الفحص، هناك قصور في أدلة البراءة عن الشمول لحالة ما قبل الفحص، فإذا فحص المجتهد في حكم الواقعة ولم يعثر لا يجوز له إجراء البراءة؛ لأنّ البراءة هنا معارضة بالبراءة في الوقائع الأخرى قبل الفحص، المفروض أنّه لم يفحص عن الوقائع الأخرى التي تكون البراءة فيها معارضة لهذه البراءة، فلا يجوز له إجراء البراءة في هذه الواقعة؛ لأنّها معارضة بالبراءة في سائر الوقائع، وهي براءة قبل الفحص، والبراءة قبل الفحص لا تجري، حيث قلنا أنّ هناك قصوراً في أدلتها عن الشمول لحالة ما قبل الفحص.
إذن: في سائر الوقائع التي بعد لم يفحص عنها هي ليست مجرى للبراءة، فلا مانع من إجراء البراءة في هذه الواقعة؛ لعدم وجود المعارض لها، وللإيضاح أكثر نقول: أنّ هذا الجواب يبتني على مبنى السيد الخوئي(قدّس سرّه) الذي يقول بمسلك الاقتضاء الذي يرى انّ التنجيز فرع التعارض بين الأصول والتساقط، الأصل في هذه الواقعة بعد الفحص وعدم العثور لا يجري؛ لأنّ العلم الإجمالي باقٍ، والعلم الإجمالي الباقي ينجّز هذا الطرف؛ لأنّ البراءة فيه معارضة بالأطراف الأخرى، لكن هذا فرع أن تكون البراءة جارية في الأطراف الأخرى، يعني أن تكون الأطراف الأخرى مشمولة لدليل البراءة حتى نقول أنّ البراءة هنا معارضة بالبراءة هناك، أمّا إذا قلنا أنّ البراءة لا تجري في الأطراف الأخرى؛ حينئذٍ حتى لو كان العلم الإجمالي باقياً لا مانع من الرجوع إلى البراءة في هذا الطرف؛ لأنّها ليس لها معارض، والمفروض أنّ التنجيز فرع المعارضة، فلا مانع من إجراء البراءة في هذا الطرف، لكن هذا الكلام مبني على مسلك الاقتضاء. وأمّا إذا قلنا بمسلك العلّية؛ فحينئذٍ يختلف الأمر؛ لأنّ هذا المسلك يؤمن بأنّ العلم الإجمالي هو في نفسه علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية، هو ينجز الطرف لاحتمال أن يكون هو الواقع المنجز بالعلم الإجمالي، العلم الإجمالي ينجّز الواقع واحتمال انطباق الواقع على هذا الطرف يمنع من إجراء البراءة بقطع النظر عن المعارضة، حتى إذا لم يكن لهذه البراءة الجارية فيه معارض هي لا تجري بناءً على مسلك العلّية، فالواقعة التي فحص ولم يعثر على دليلها لا تجري فيها البراءة بناءً على مسلك العلّية حتى إذا لم يكن لها معارض. إذن: هذا الوجه مبني على مسلك الاقتضاء الذي هو المسلك المختار على ما تقدّم سابقاً.
إلى هنا نفرغ عن الوجه الأول. تسلسل البحث كان بهذا الشكل: كلامنا كان في جريان البراءة قبل الفحص، قلنا استدل على عدم جريان البراءة قبل الفحص بأمو، بعضها يرجع إلى قصور المقتضي ـــــــــ وكلامنا في البراءة الشرعية ـــــــ يعني أنّ أدلة البراءة أصلاً لا تشمل حالة ما قبل الفحص، وهذا الذي ذكره السيد الخوئي أخيراً في الحقيقة يرجع إلى قصور المقتضي لا إلى المانع كما هو محل كلامنا؛ ولذا ينبغي إدخاله في قصور المقتضي لا في المانع. قلنا: أنّه قد يبيّن بلسان قصور المقتضي، وهذا له وجوه تقدّمت، وقد يبيّن بلسان وجود المانع، المقتضي لشمول دليل البراءة لحالة ما قبل الفحص موجود، لكن هناك مانع يمنع منه، وقلنا: أنّ هذا المانع قد يبيّن بوجوه، الوجه الأول هو العلم الإجمالي وقد تقدّم الكلام عنه. الآن ندخل في الوجه الثاني للمانع وهو دعوى وجود أدلة شرعية من الآيات والروايات تأمر بالتعلم والسؤال والفحص وتلوم من يترك ذلك، فإذا كان يجوز إجراء البراءة قبل الفحص، فلا معنى حينئذٍ لإيجاب التعلم والسؤال والفحص، فالفحص واجب ولا يجوز إجراء البراءة قبل الفحص.