37/03/11


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية

يُضاف إلى ما تقدّم في الدرس السابق أنّه في بعض الحالات قد لا نحتمل وجود إمارة معتبرة على الخلاف، وإنّما يكون تحصيل العلم من جهة تجميع القرائن من دون أن تكون هناك إمارة واقعية محتملة، في حالة من هذا القبيل حتى إذا كانت حالة نادرة لا يجري هذا الوجه؛ لأنّ هذا الوجه يعتمد على افتراض وجود إمارة معتبرة على الخلاف، وأنّ احتمال هذه الإمارة يمنع من التمسك بالبراءة باعتباره تمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، أمّا حيث نجزم بوجود إمارة معتبرة على الخلاف في خصوص شبهة معيّنة، فينبغي أن نلتزم بناءً على هذا الوجه بجواز التمسك بالبراءة حينئذٍ؛ لأنّ التمسّك بالبراءة لا يكون حينئذٍ تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص.
إلى هنا يتم الكلام عن الوجوه المتعددة التي ذكرناها لبيان قصور المقتضي، أي لبيان منع إطلاق أدلّة البراءة الشرعية لحالة ما قبل الفحص وتبيّن أنّ عمدة هذه الوجوه هو الوجه الثالث وهو أقربها لإثبات قصور المقتضي. الآن ندخل في دعوى وجود المانع بأن نعترف بأنّ أدلّة البراءة فيها من الإطلاق ما يجعلها شاملة لحالة ما قبل الفحص، فلا قصور في المقتضي، وإنّما يُدّعى وجود ما يمنع من شمول أدلّة البراءة لحالة ما قبل الفحص. وجود المانع أيضاً يمكن أن يُبيّن بوجوه:
الوجه الأوّل: هو الوجه المعروف والمشهور وهو دعوى وجود علم إجمالي بأحكام وتكاليف إلزامية في الشريعة في ضمن الشبهات. لا إشكال في أنّ كل من يعلم بوجود شريعة وشارع يعلم بأنّ هناك أحكاماً إلزامية في هذه الشريعة وأنّ هذه الأحكام الإلزامية موجودة في ضمن الشبهات التي يشك في حكمها بحيث لو فحص لعثر عليها، أو يقال بتقريبٍ آخر: أنّ هناك علماً إجمالياً بوجود إمارات معتبرة تتضمّن أحكاماً إلزامية. هذه العلم الإجمالي بصيغته الأولى وهو العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الشريعة، أو بصيغته الثانية وهو العلم الإجمالي بوجود إمارات معتبرة تتضمن أحكاماً إلزامية، هذا العلم الإجمالي يمنع من التمسك بالبراءة قبل الفحص في أي شبهةٍ من الشبهات، في كل شبهةٍ تعرض على المكلّف قبل أن يفحص لا يجوز له التمسّك بالبراءة؛ لأنّ العلم الإجمالي يمنع من جريان البراءة في أحد أطرافه لأجل التعارض في دليل البراءة بين هذه الشبهات على القاعدة في باب العلم الإجمالي، حيث أنّ العلم الإجمالي يمنع من إجراء البراءة في أحد أطرافه؛ لأنّ إجراء البراءة في أحد أطرافه يكون مُعارَضاً بإجراء البراءة في الطرف الآخر، وإجراء البراءة في الطرفين، أو في كل الأطراف إذا كانت كثيرة كما في محل الكلام؛ لأنّ أطراف العلم الإجمالي في محل الكلام هي جميع الشبهات، إجراءه في جميع الشبهات غير ممكن؛ للعلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزامية في ضمن هذه الشبهات، وإجراءها في بعض الشبهات دون بعض ترجيح بلا مرجّح، وهذا يوجب تعارض الأصول في الأطراف، وكل شبهة من الشبهات التي تعرض على المكلّف هي طرف لهذا العلم الإجمالي ويحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليها، فالبراءة فيها تكون معارضة بالبراءة في سائر الأطراف وهذا يوجب سقوط البراءة وعدم إمكان التمسّك بها في أيّ شبهةٍ من الشبهات.
اعتُرض على هذا الوجه باعتراضات عديدة:
الاعتراض الأوّل: ما ذكره في الكفاية وفي كلام الشيخ أيضاً إشارة إلى هذا الاعتراض، وحاصله هو: أنّ وجوب الفحص إذا كان من جهة العلم الإجمالي كما هو مقتضى هذا الوجه؛ حينئذٍ لابدّ أن نلتزم بعدم وجوب الفحص في حالة انحلال العلم الإجمالي؛ لأنّه إذا افترضنا أنّ سبب وجوب الفحص هو العلم الإجمالي، فهو يدور مداره وجوداً وعدماً، فإذا كان علماً إجمالياً قائماً يجب الفحص ولا يجوز إجراء البراءة قبل الفحص، أمّا إذا زال العلم الإجمالي وانحل؛ فحينئذٍ لا يبقى موجب للفحص، فيجوز إجراء البراءة قبل الفحص، وهذا يكون في ما إذا بدأ الفقيه باستنباط الأحكام الشرعية وعثر على مائة حكم من الأحكام الشرعية الإلزامية وهو مقدارٍ لا يقل عن المعلوم بالإجمال، فيصبح عالماً تفصيلاً بثبوت هذه الأحكام المائة، فينحل العلم الإجمالي المُدّعى في المقام بالعلم التفصيلي بثبوت مائة حكم في هذه الشبهات، الكلام بعد ذلك عندما تعرض عليه شبهة رقمها مائة وواحد ــــــــ مثلاً ــــــــ فهل يجوز له التمسك بالبراءة قبل الفحص في هذه الشبهة، أو لا ؟ يقول صاحب الكفاية(قدّس سرّه)[1] في اعتراضه بأنّ هذا الدليل الذي ذُكر لا يستطيع أن يثبت وجوب الفحص في باقي الشبهات؛ لأنّ الموجب للفحص هو العلم الإجمالي بحسب فرض هذا الوجه، والعلم الإجمالي زال وانحل، فلا موجب للفحص حينئذٍ في سائر الشبهات، وهذا هو معنى ما قالوا من أنّ مناقشة صاحب الكفاية(قدّس سرّه) تتلخص في أنّ الدليل أخص من المدّعى؛ إذ أننا في المدّعى نريد أن نثبت وجوب الفحص في كل شبهةٍ من الشبهات، بينما هذا الدليل لا يثبت إلاّ وجوب الفحص في الشبهات الأولى قبل أن يعثر على المقدار المساوي للمقدار المعلوم بالإجمال من الأحكام الشرعية الإلزامية وهي الشبهات المائة في مثالنا، فهي التي يجب فيها الفحص، لكن بعد أن يعثر على مائة حكم وهو لا يقل عن المعلوم بالإجمال بحسب الفرض ينحل العلم الإجمالي، فينبغي أن نلتزم بجواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص في سائر الشبهات. إذن: الدليل أخصّ من المدّعى؛ لأنّ الدليل يثبت وجوب الفحص في بعض الشبهات ولا يستطيع أن يثبت وجوب الفحص وعدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص في جميع الشبهات كما هو المُدّعى في المقام.
تخريج هذ الإشكال من ناحية فنية يكون بهذا الشكل: بعد انحلال العلم الإجمالي يكون الشك في سائر الشبهات شكّاً بدوياً غير مقرون بالعلم الإجمالي لانحلال العلم الإجمالي، يعني تجري البراءة بلا مانع؛ لأنّ البراءة تجري في الشك البدوي بلا إشكال، وإنّما يُمنع من جريان البراءة في الشك المقرون بالعلم الإجمالي.
أشكل المحقق النائيني(قدّس سرّه) على هذا الاعتراض وحاول أن يدفعه، وخلاصة ما يريد أن يقوله هو: إذا كان المعلوم بالإجمال ذا علامة وتميّز فأنّه لا ينحل بمجرّد العثور على مقدار من التكاليف لا تقل عن المقدار المعلوم بالإجمال من التكاليف الإلزامية، باعتبار أنّ الواقع عندما تنجّز بهذا العلم الإجمالي تنجّز بما له من العلامة والتميّز، تنجّز بخصوصيته وبما له من العنوان؛ وحينئذٍ كيف يعقل انحلاله بالفحص والعثور على جملة من الأحكام الإلزامية لا تقل عن المعلوم بالإجمال ؟ ! لا يُعقل أن ينحل به، ويُمثّل لذلك لتوضيح الفكرة بمثال الدين المعروف، لو فرضنا أنّ الشخص كان مديناً بمقدار من المال وكان هذا الدين معلوم إجمالاً ومردد بين الأقل والأكثر، لكن كان يعلم أنّ هذا الدين مسجل في دفتر خاص يُسجل فيه ديونه، يقول: هل يمكن لأحد أن يقول أنّ بإمكانه أن يجري البراءة لنفي الزائد من دون الفحص والرجوع إلى الدفتر ؟ مع أنّه هنا أيضاً يوجد علم إجمالي، وينحل هذا العلم الإجمالي لوجوب المتيقّن الذي هو العشرة والشك في الزائد لكن مع هذا يمنع هذا الشخص من الرجوع إلى البراءة قبل الفحص في الدفتر، يجب عليه أن يفحص ويرجع إلى الدفتر لكي يعرف أنّه هل هو مدين بالأكثر، أو بالأقل، ولا يجوز له التمسك بالبراءة. يقول: ما نحن فيه من هذا القبيل، باعتبار أنّ ما نعلمه إجمالاً من الأحكام الإلزامية في الشريعة هي معنونة بعنوان ومتميزة بميزة وهذه الميزة هي عبارة عن أحكام شرعية مضبوطة في ما بأيدينا من الكتب المعتبرة عندنا، هذه خصوصية للمعلوم بالإجمال، ليس المعلوم بالإجمال هو أحكام شرعية مطلقة وبلا خصوصية، وإنّما هي أحكام شرعية في ما بأيدينا من الكتب المعتبرة، مثل هذا العلم الإجمالي سوف ينجّز الواقع الذي هو عبارة عن الأحكام الشرعية المعلومة بالإجمال، ينجزها بما لها من هذه الخصوصية وبما لها من هذا العنوان، يعني ينجّزها بما هي موجودة في ما وصل إلينا من الكتب المعتبرة؛ حينئذٍ إذا فرضنا أنّ الفقيه فحص وعثر على المقدار المعلوم بالإجمال الذي افترضناه في المثال مائة حكم إلزامي، يقول: هذا لا يكون موجباً لانحلال العلم الإجمالي حتى يقال أنّه يصح له الرجوع إلى البراءة قبل الفحص؛ بل يجب عليه أن يفحص في كل شبهة، يفحص في ما بأيدينا من الكتب المعتبرة. [2]
نعم، إذا لم يكن للمعلوم بالإجمال مثل هذه الخصوصية كما إذا قلنا في مثال الدين بأنّه يعلم أنّه مدين بمقدار من الدين مردد بين الأقل والأكثر، بين العشرة والعشرين، هنا بإمكانه أن يجري لنفي الزائد؛ لأنّ هذا العلم الإجمالي لا ينجّز عليه إلاّ الأقل، والزائد يكون مشكوكاً، فتجري فيه البراءة، لم يتنجّز عليه الواقع بعنوانٍ خاص، وإنّما الذي تنجّز عليه هو الواقع بلا عنوان خاص؛ فحينئذٍ يمكن الرجوع إلى البراءة، لكن هذا حيث لا يكون متميزاً وله علامة خاصة، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، ما نحن فيه المعلوم بالإجمال ذو علامة وذو تميّز واقعي؛ لأنّ ما نعلمه بالإجمال هو أحكام شرعية موجودة ومبثوثة في الكتب المعتبرة الواصلة إلينا، هذا يجب مراعاته، يقول: مثل هذا العلم الإجمالي لا ينحل بمجرّد العثور على أحكام شرعية إلزامية لا تقل عن المعلوم بالعلم الإجمالي المدّعى في المقام.
إذا أردنا أن نوضح كلامه أكثر، هو لا ينكر العلم الإجمالي المدّعى في أصل الاعتراض الذي يمكن أن نسميه(العلم الإجمالي الكبير) الذي هو عبارة عن العلم بوجود إحكام إلزامية في الشريعة، لكن يظهر من كلامه أنّه يدّعي أنّ هذا العلم الإجمالي الكبير ينحل بعلم إجمالي اصغر منه دائرته مخصوصة بخصوص الكتب المعتبرة الواصلة إلينا، هذا العلم الإجمالي الكبير ينحل بالعلم الإجمالي الصغير بشرائط الانحلال في هذا الباب، ومنها: أن لا يقل المعلوم بالعلم الإجمالي الصغير عن المعلوم بالعلم الإجمالي الكبير، فإذا علمنا بوجود مائة حكم في دائرة أضيق من دائرة العلم الإجمالي الكبير الذي هو أوسع دائرة، قهراً ينحل العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، هو يدّعي أنّ هذا العلم الإجمالي الكبير ينحل بهذا العلم الإجمالي الصغير؛ لأننا نعلم بوجود إحكام إلزامية شرعية مبثوثة في الكتب المعتبرة لا تقل عن المعلوم بالعلم الإجمالي الكبير. إذن: ينبغي أن نلاحظ هذا العلم الإجمالي الصغير، هذا هو العلم الإجمالي الموجود لدينا، معلومنا بالإجمال بعد الانحلال هو وجود أحكام إلزامية في هذه الدائرة معنونة بهذا العنوان ومميّزة بهذه الميزة، وطبّق الفكرة السابقة على هذا العلم الإجمالي، هو الذي قال أنّ المعلوم بالإجمال في محل الكلام له علامة وتميز واقعي، فيكون نظير الدين في ما إذا كان مسجلاً في الدفتر، وكما لا يجوز الرجوع إلى البراءة لنفي الزائد على القدر المتيقن في باب الدين من دون الرجوع إلى الدفتر وملاحظته كذلك في محل الكلام لا يجوز الرجوع إلى البراءة في ما زاد على الشبهات التي فحص عنها وعثر على مائة حكم إلزامي، في ما زاد على ذلك لا يجوز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص في الكتب المعتبرة، فحينئذٍ لا يرد هذا الاعتراض ولا يمكن لصاحب الكفاية(قدّس سرّه) أن يقول أنّ السبب الموجب لوجوب الفحص هو العلم الإجمالي؛ لأنّ العلم الإجمالي ينحل، وإذا انحل؛ حينئذٍ لا يبقى هناك موجب لبقاء الفحص، فيجوز الرجوع إلى البراءة في باقي الشبهات قبل الفحص، وهذا معناه أنّ الدليل يكون أخص من المدّعى، ويقول أنّ الدليل مطابق للمدّعى؛ لأنّ هذا الوجه كما يوجب الفحص في الشبهات الأولى التي افترضنا أنّها مائة، كذلك يوجب الفحص في الباقي، يجب الرجوع إلى الكتب المعتبرة كما يجب على الشخص المدين أن يرجع إلى الدفتر لمعرفة مقدار الدين الذي عليه .


02، 28