37/03/04


تحمیل

الموضوع:- حكم ارتفاع العذر بعد انتهاء الوقت - أي حكم القضاء - مبحث الإجـــزاء.

وفيه:- إن هذا المطلب لا يختص باتباع المذاهب الأخرى ، بل هو سيّالٌ إلى أتباع مذهبنا ، فأهل القرى والأرياف خصوصاً في الزمن السابق لم يكن عنهم ماء ويتساءلون في أمر الطهارة والنجاسة بما لا حاجة إلى توضيحه ، ومع ذلك جرت السيرة على أننا نتعامل معهم فنشتري منهم الجبن والحليب وما شاكل ذلك.

فإذن نحن نسلّم أنّ هذه السيرة منعقدة بل هي وسيعة حتى بلحاظ أتباع مذهبنا ، بيد أنّ النكتة لا يمكن أن نجزم بأنها ما أشير إليه - يعني أنّ ما يبنون عليه يكون حكماً واقعياً في حقنا - بل لعل ذلك من جهات أخرى من قبيل:-

الأولى:- يحتمل أنّ تكون النكتة هي أنّ المورد من موارد قاعدة الطهارة ، ببيان:- أنّ الذي نشتري أو ما نأخذه من يد أتباع المذاهب الأخرى أو من يد أتباع مذهبنا نحتمل احتمالاً وجيهاً أنّه طاهر الآن فنطبّق قاعدة الطهارة آنذاك.

نعم من حقك أن تقول:- كيف نجري قاعدة الطهارة والحال أنّ استصحاب النجاسة موجودٌ ، لأنّ هذه المرأة التي تبيع الحليب والجبن مثلاً هي حتماً قد ساورت طفلها ونشك هل طهّرت يديها بعد ذلك أو لا فنستصحب بقاء التنجّس لأنّ يديها كانت نجسة فنستصحب بقاء النجاسة في يديها ويكون هذا حاكماً ومقدّماً على قاعدة الطهارة فلا تجري قاعدة الطهارة ، ونفس هذا الكلام يأتي بالنسبة إلى أتباع المذاهب الأخرى فلا يمكن تطبيق قاعدة الطهارة لوجود هذا الاستصحاب الحاكم.

قلت:- نحن كما نعلم أنّ بائعة الحليب مثلاً هي قد تنجّست يدها حينما ساورت طفلها نجزم يضاً أنّه قد مرت بها فترة زمنيّة طهرت فيها يدها بالماء - كما لو غسلت الأواني في النهر - ، الحالة السابقة ليست واحدة بل هي أكثر من واحدة وهذا ما يصطلح عليه بتوارد الحالتين ، يعني نجزم بتوالي حالتين عليها ولكن لا نعرف المتقدّمة عن المتأخرة ، وفي مثل ذلك إمّا أن نقول بأنه يجري الاستصحابان ويتساقطان فتبقى أصالة الطهارة بلا معارض ، أو نقول إنّه لا يجري الاستصحاب أصلاً لا أنّه يجري ويعارض ذاك فإنّ هذا لغواً.

إذن استصحاب النجاسة لا يجري لأنّ المورد من توارد الحالتين ، وعلى هذا الأساس تجري قاعدة الطهارة بلا معارض.

وبهذا تنحلّ مشكلة المسجد الحرام:- فحينما نصلّي على أرض المسجد - ومن لم يصلّ نقول له أنت وسواسي - تبقى هذه الشبهة العلميّة وهي أنّ هؤلاء الطائفين يخرج منهم دمٌ أو شيء آخر ، وتطهيرهم - كما نعلم - يكون بالديتول أو بالازالة ، فحينئذٍ ماذا نصنع فإنّ ساتصحاب النجاسة جارٍ وأصل الطهارة لا يكون حينئذٍ جارياً.

لكن هذه المشكلة منحلة إذ نقول:- إنّه كما طرأت النجاسة حتماً بالدم أو غيره فإراقة الماء أو المطر موجودٌ أيضاً ، وحينئذٍ يتعارض استصحاب النجاسة مع استصحاب الطهارة فتبقى أصالة الطهارة سالمة بلا معارض ، وهذا طريق فنّيٌ للتخلّص من هذه المشكلة.

اللهم إلا إذا كنت واقفاً ورأيت الدم مثلاً وجاء الخادم ولوّث كلّ المسجد ولم يغسلوه بالماء ولم ينزل المطر فهنا لا نحتاج إلى استصحاب النجاسة بل هو نجسٌ جزماً ، ولكن كلامنا هو فيما إذا دخلنا إلى المسجد الحرام وحصل لنا هذا الاحتمال فحينئذٍ نقول إنَّ الاستصحابان متعارضان فتبقى قاعد الطهارة بلا معارض.

فنحن نسلّم وجود سيرةٍ بين المتشرّعة على عدم الاعتناء للشك ويتعاملون مع الأشياء التي يأخذونها من أصحاب المذاهب الأخرى أو من أتباع مذهبنا معاملة الطاهر الواقعي ولكن لعلّ المنشأ هو هذا لا أنّ ما ثبت عندهم يكون حكماً واقعياً في حقّنا كقاعدةٍ تستنبطها بهذا الشكل.