37/04/14


تحمیل

الموضوع:- ثمرة وجوب المقدّمة - مقدّمة الواجب.

إن قلت:- إنه في الثمرة السابقة قلنا إنّه بناءً على الملازمة سوف تزول حرمة الاجتياز ، فإنّ الوجوب سوف يمنع من اتصاف الاجتياز - الذي هو مقدمة للانقاذ - بالحرمة ، وإذا صار واجباً فالحرمة ليست موجودةٌ سواء اشتغلت بالانقاذ أم لم اشتغل به ، فنفس الوجوب يمنع من ثبوت الحرمة ، فهناك إذن نظرنا إلى هذه القضية.

بينما في الثمرة الرابعة نظرنا إلى فكرة التعارض والتزاحم وقلنا إنّه بناءً على الملازمة تحصل معارضة ، وبناءً على عدم الملازمة تحصل مزاحمة ، ولم نقل بأنّ الحرمة سوف تزول بسبب الوجوب فإنّ هذه لم نذكرها أصلاً .

إنّه قد يفرّق شخصٌ بهذا الشكل ؟

قلت:- صحيحٌ أنّه في الثمرة الثالثة قلنا أنَّ الحرمة تزول بناءً على الملازمة حيث أنَّ الوجوب يمنع من ثبوت الحرمة ، ولكن نسأل ونقول:- لماذا تزول الحرمة للاجتياز عند ثبوت الوجوب ؟ إنّه ليس إلا للتعارض ، فعادت القضيّة إلى التعارض ، فالتعارض هو الذي يمنع من ثبوت الحرمة.

فإذن في كلتا الثمرتين لابدّ وأن نطبّق فكرة المعارضة والمزاحمة وإلا فبقطع النظر عنها لا يمكن في الثمرة السابقة أن نقول إنّ الحرمة تزول إذا ثبت الوجوب للاجتياز.

إذن إشكال الفارق بين هذه الثمرة وبين السابقة مستحكم وأنّه لا فارق بينهما بل روحهما روحٌ واحدةٌ ولكن هذه الروح الواحدة لها تطبيقان وفردان هما الثمرة السابقة وهذه الثمرة ، لا كما صنعه السيد الشهيد(قده) في الحلقة الثالثة حيث عقد ثمرتين مستقليتين فجعل هذه الثمرة في مقابل تلك ولم يرجعهما إلى ثمرةٍ واحدة.

اللهمّ إلا على تقديرٍ واحدٍ يصحّ عقد ثمرتين:- وهو أن نفترض أنّ دليل حرمة الغصب فيه قصورٌ في حدّ نفسه ، فهو من البداية لا يدلّ على حرمة الغصب في موارد الوجوب وإنما يدلّ على الحرمة عند عدم ثبوت الوجوب ، كأن نفترض أنّ دليل الحرمة هو الإجماع مثلاً ، والقدر المتيقّن من الإجماع هو حرمة الغصب إذا لم تكن هناك نكتة تقتضي وجوبه ، وحينئذٍ نقول إنّه في الثمرة السابقة بناءً على الملازمة سوف يصير اجتياز الأرض المغصوبة واجباً ، فالحرمة تزول ولكنّها تزول لا من باب المعارضة حتى تعود الثمرتان إلى ثمرةٍ واحدةٍ ، بل تزول من باب أنّ دليل الحرمة هو من البداية قاصرٌ عن إثبات الحرمة في حالة الوجوب ، فيصحّ آنذاك ذكر ثمرتين.

أمّا إذا غضضنا النظر عن هذا المبنى فالفارق بين الثمرتين شيءٌ صعب ، بل كما ذكرنا تعود روح الثمرتين إلى واحدةٍ وهي ما أشرنا إليه ، وهي أنّه على الملازمة يتحقّق تعارض وعلى عدم الملازمة يتحقّق تزاحم ومن آثار المعارضة زوال الحرمة عن الاجتياز لا أنّه الفارق الأساسي.

وأمّا بالنسبة إلى السؤال الثاني[1] فالجواب:- إنّه إذا لم يكن أهم فلا يمكن الأمر به - أي بالواجب - لا بنحوٍ مطلقٍ ولا بشرط العصيان - أي عصيان الآخر الذي هو الحرام وهو قتل الابرياء - ، فلا يمكن للمولى أن يوجب عليّ الحفاظ مطلقاً سواءً عصيت حرمة قتل الأبرياء أو لم أعصٍ ، كما لا يمكن أن يأمرني بالحفاظ مترتّباً على عصيان حرمة قتل الأبرياء.

والوجه في ذلك:- هو أنّه:-

أمّا أنَّ الأمر المطلق لا يجوز:- فباعتبار أنّه لا يمكن الأمر المطلق بالضدّين مثلاً ، يعني بشيئين لا يمكن امتثالهما معاً ، فإنه لا يمكن الأمر بهما أمراً مطلقاً ، فإنّ حرمة القتل مع وجوب الحفاظ لا يمكن امتثالهما في آنٍ واحد ، فالأمر المطلق بالحفاظ لا يمكن؛ إذ الأمر بالتكليفين اللذين لا يمكن امتثالهما لا يمكن ، فثبوتت التكليفين المطلقين لا يمكن ، وهذا واضحٌ.

وإنما الخلاف في الشق الثاني وهو أنّ يأمر بالحفاظ على تقدير قتل الأبرياء - يعني بنحوٍ مشروط - فهذا لماذا لا يمكن ؟! بل هو مممكنٌ ؟!

وجوابه:- إنّ عصيان قتل الأبرياء بم يتحقّق ؟! إنّه إذا تحقق فقد تحقّق الحفاظ حتماً لأنّه من خلال الحفاظ على الاسلام قتل الأبرياء لأنّا فرضنا العلّة لقتل الأبرياء هو الحفاظ على الاسلام ، فهو يقتضي أن يطلق الرصاص عليهم حتى يحافظ على الإسلام ، وإطلاق الرصاص يقتضي قتل هؤلاء ، فالقتل ملازمٌ إلى تحقّق الحفاظ ، ومع تحقّق الحفاظ يكون الأمر به أمراً بتحصيل الحاصل ، فلا معنى للأمر به.

إذن لابد وأن نفترض أنّ الحفاظ - أي الواجب - هو الأهم حتى يمكن توجه الأمر إليه فيقال ( حافظ على الإسلام ) لأنّه أهم فيتوجّه الامر إليه ( فإن عصيت - بأنّك لم تحافظ على الاسلام يعني لم تقتل الابرياء - ولم تحافظ على الاسلام فلا يجوز لك أن تقتل الأبرياء ) ، فيكون النهي عن قتل الأبرياء مترتّباً على عصيان الأمر بالحفاظ ، فالحفاظ هو الأهم وإذا كان أهم فيمكن توجّه الأمر إليه بنحوٍ مطلقٍ فيقال ( حافظ فإن عصيت ولم تحافظ وبالتالي لم يتحقّق قتل الأبرياء فيحرم عليك أن تقتلهم ) ، وهذا لابأس به وهو وجيه.

وهذا بخلاف ما إذا لم نفرضه أهم - يعني الحفاظ لم يكن أهم بل كان مهماً - فالامر به إمّا مطلقٌ أو مقيّدٌ ، فإن كان مطلقاً فقد قلنا لا يمكن الأمر بالمهم مع الأمر بالأهم بنحوٍ مطلقٍ ، وأمّا الأمر به بنحوٍ مقيّد فأيضاً لا يمكن لأنّه أمرٌ بتحصيل الحاصل بالبيان المتقدّم.

فيلزم إذن أن نفترض أنّ الواجب هو الأهم حتى لا يلزم ما أشرنا إليه من المحذور ، ولا يخفى أنّ هذه نكتة دقيقة ينبغي الالتفات إليها.

وبعد الفراغ من بيان هذه الثمرة نعود إليها من جديد ونقول:- هل هي تامة أو لا ؟

والجواب:- يرد على هذه الثمرة نفس ما أوردناه على الثمرة السابقة فنقول:- إنّ المعارضة والمزاحمة تتحققان سواءً أدخلنا الوجوب الغيري في البين أم لم ندخله ، فإنه إذا لم ندخله تقوم مقامه اللابدّية العقلية فتتحقّق آنذاك المعارضة فنقول هكذا:- ( لا يمكن الأمر بالحفاظ على الإسلام مع النهي عن قتل الأبرياء إذ النهي عن قتل الأبرياء لازمها أنّ مقدّمة الحرام لابدّ من تركها عقلاً - يعني الحفاظ لابد من تركه - حتى يمكن عدم مخالفة الحرمة فيحصل بالتالي المعارضة ) ، ففي عالم التشريع لا يمكن أن يأمر المشرّع بالحفاظ على الإسلام وفي نفس الوقت يقول لي ( يحرم عليك قتل الأبرياء ) الذي لابدّ عقلاً معه من عدم الحفاظ ، إنّ هذه اللابدّية العقلية من عدم الحفاظ مع وجوب الحفاظ لا يجتمعان فإنّ هذا غير ممكن ، فحتى إذا لم ندخل فكرة الملازمة الشرعيّة للحفاظ - يعني الحرمة الغيرية - في الحساب فبالتالي لابد عقلاً من ترك الحفاظ ، وإذا كان لابدّ عقلاً من تركه يتحقّق بذلك المعارضة ، فهذه الثمرة يرد عليها نفس ما أوردناه على الثمرة السابقة.


[1] أعني لماذا افترض أنّ الواجب أهم ؟ يعني افترضنا أنّ الحفاظ على الاسلام هو الأهم، يعني هذه الثمرة الرابعة لا تأتي إلا إذا كان الواجب أهم.