37/04/27


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية


يتلّخص مما تقدّم أنّ العمل الصادر من المكلف التارك للفحص والتعلم لا يكون مجزياً ولا يجوز له الاكتفاء به ما دام لا يحرز مطابقته للواقع، لقاعدة الاشتغال وحكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وما دام هو لا يحرز مطابقة ما جاء به للواقع؛ فحينئذٍ لا يجوز له الاكتفاء به. نعم، إذا فحص وتعلّم وعثر على حجة ومستند يمكنه الاستناد إليه يدل على أنّ عمله كان مطابقاً للواقع، في هذه الحالة يجوز له الاكتفاء به، إذا كانت هذه الحجة التي قامت عنده لإثبات أنّ عمله الذي جاء به سابقاً مطابق للواقع كانت هي الحجة الفعلية في حقه كفتوى من يجب عليه تقليده فعلاً؛ فحينئذٍ يجوز له الاكتفاء بعمله فلا تجب عليه الإعادة ولا القضاء؛ لأنّ الحجّة الفعلية التي يجب عليه الرجوع إليها فعلاً تقول له ليس عليك إعادة ولا قضاء وأنّ عملك صحيح؛ فحينئذٍ يجوز له الاكتفاء به. وأمّا إذا لم يعثر على حجّة فعلية تدل على مطابقة عمله للواقع في هذه الحالة الظاهر أنّه تجب عليه الإعادة ولا يجوز له الاكتفاء بما جاء به، ولا ينفعه في إثبات الإجزاء والاكتفاء بما جاء به أن يكون عمله مطابقاً لحجّةٍ سقطت عن الحجية الآن وإن كانت في زمان صدور العمل حجّة، مجرّد مطابقة عمله للواقع لا يجوّز له الاكتفاء بما جاء به.
السيد الخوئي(قدّس سرّه) فرض هذا كلّه في المقلِد، فيرجع إلى فتوى من يجب عليه تقليده أو إلى فتوى من كان يجب عليه تقليده إذا اختلفت الفتويان بالنسبة إلى وجوب القضاء وعدمه. ونفس الكلام يمكن أن يقال بالنسبة إلى المجتهد، يعني يمكن فرض ذلك بالنسبة إلى المجتهد إذا صدر منه العمل بلا فحص في الإمارات التي يجب عليه أن يفحص عنها، أيضاً نفس الكلام يقال، عمله لا يكون مجزياً ومبرءً للذمة ما دام لم ينكشف الحال؛ لأنّه لا يحرز مطابقته للواقع، وقلنا أنّ العقل يحكم بضرورة تفريغ الذمة يقيناً، واكتفاؤه بالعمل الذي يشك في صحته وعدم صحته لا يعني تفريغ الذمّة يقيناً، فيجب عليه تفريغ الذمّة يقيناً إمّا عن طريق الإعادة أو القضاء، فإذا فرضا أنّه فحص بعد ذلك عن الإمارات وعثر على إمارة هي حجّة تدل على مطابقة عمله الذي صدر منه للواقع، في هذه الحالة أيضاً نفس الكلام السابق نقول بإمكانه أن يعتمد على هذه الحجة ليكتفي بما صدر منه. وأمّا إذا فرضنا أنّه فحص ولم يعثر على إمارة تدل على مطابقة عمله للواقع، أو عثر على إمارة تدل على عدم مطابقة عمله للواقع، في هذه الحالة يحكم ببطلان عمله، أمّا إذا عثر على إمارة تدل على عدم مطابقة عمله للواقع، فواضح؛ لأنّ هذه الإمارة التي هي حجّة الآن تدل على أنّ عمله ليس مطابقاً للواقع وأنّه يجب فيه القضاء أو الإعادة، فعليه الإعادة والقضاء ولا يجوز له أن يكتفي بما صدر منه سابقاً، وهذا واضح. وأمّا إذا لم يعثر على إمارة تدل على مطابقة عمله للواقع، فهذا معناه أنّه يبقى متردداً فعلاً، فأيضاً يقال يحكم ببطلان عمله وعدم جواز الاكتفاء به وإن كان عمله موافقاً لحجّة كانت موجودة في زمانه، لكنها سقطت عن الحجية فعلاً، بمعنى أنّه فعلاً هو لا يجوز له أن يستند إليها، وإنّما يجب عليه أن يستند إلى الإمارة الجديدة التي قامت، وإلا فهي ساقطة على كل حال عن الحجية؛ لأنّ قاعدة الإجزاء في الأوامر الظاهرية إنّما توجب الإجزاء إذا صدر العمل من العامل مستنداً إلى الأمر الظاهري، في محل الكلام المفروض أنّ عمله لم يستند إلى الأمر الظاهري؛ لأنّه لم يستند إلى إمارة دلّت على صحة العمل بحسب الفرض؛ لأنّه ترك الفحص عن الإمارات وترك التعلم وصدر منه العمل في حال جهله بالحكم، إذاً: العمل الصادر منه لم يستند فيه إلى الأمر الظاهري حتى نقول بأنّ امتثال الأمر الظاهري يكون مجزياً عن الأمر الواقعي. هذا ما يرتبط بكلام السيد الخوئي(قدّس سرّه).
يتبيّن ممّا تقدّم أنّ صحّة العمل الذي يصدر من الجاهل التارك للفحص وبطلانه يدور مدار مطابقة الواقع ومخالفته، فيكون العمل صحيحاً إذا كان مطابقاً للواقع، وأمّا إذا كان مخالفاً للواقع، فلا يحكم بصحته. هذه هي القاعدة التي نخرج بها في محل الكلام، وفي حالة كون العمل الصادر من الجاهل التارك للفحص مخالفاً للواقع ليس فقط يُحكم ببطلان العمل، وإنّما يُحكم أيضاً باستحقاقه العقاب على مخالفة الواقع بسبب ترك التعلم، وفي حالة الموافقة للواقع فليس إلاّ التجرّي.
مقتضى ما تقدّم لم يلتزموا به في بعض الفروع، ومن هنا يقع البحث في أنّه لماذا لم يلتزموا بمقتضى القاعدة في المقام في هذه الفروع ؟ ومن هذه الفروع الجهر في موضع الإخفات جهلاً بالحكم، والإخفات في موضع الجهر في حال الجهل أيضاً، وهكذا الإتمام في موضع القصر مع الجهل بالحكم في هذه الحالة لم يلتزموا بمقتضى القاعدة، وإنّما التزموا بأمرين، قالوا لا يمكن الجمع بينهما، فقد التزموا بصحة الفعل الصادر من المسافر الذي حكمه القصر، لكنه يجهل بوجوب القصر، فصلّى تماماً، التزموا بصحة عمله وليس عليه إعادة ولا قضاء، حتى لو التفت في داخل الوقت أيضاً لا تجب عليه الإعادة، كيف يمكن تبرير هذا ؟ كيف يُحكم بصحة العمل مع فرض أنّه مخالف للواقع ؟ والتزموا أيضاً بترتّب العقاب على مخالفة الواقع الناشئة من ترك التعلم، فجمعوا بين الحكم بصحة ما صدر من الجاهل في حال الجهل وباستحقاقه للعقاب على مخالفة الواقع الناشئة من ترك التعلم مع أنّ مقتضى ما تقدم هو أن يُحكم بالبطلان واستحقاق العقاب، يُحكم بالبطلان، باعتبار أنّ ما صدر منه مخالف للواقع، ويُحكم باستحقاق العقاب، باعتبار أنّه ترك التعلم وأدّى هذا به إلى مخالفة الواقع. هذا إذا فرضنا المخالفة للواقع. إذا فرضنا الموافقة للواقع، ولو ــــــ كما سيأتي ـــــــ بافتراض أنّ الواجب في الواقع هو الجامع بين القصر والتمام في حالة الجهل بوجوب القصر، فإذا صلّى تماماً في حالة الجهل فقد وافق الواقع.
أقول: لو قيل بأنّ ما صدر منه موافق للواقع؛ فحينئذٍ نقول لماذا يستحق العقاب ؟ إذا خالف الواقع يستحق العقاب على ترك التعلم المؤدي إلى مخالفة الواقع، والمقصود بالعقاب هو عقاب العصيان وليس عقاب التجرّي، أمّا إذا ترك التعلم وصادف الواقع لا يستحق عقاب العصيان، ففي المقام إذا فرضنا أنّ ما صدر منه موافق للواقع ولو بتصوير أنّ الواجب هو الجامع؛ حينئذٍ لا وجه لاستحقاقه العقاب على ترك التعلم؛ لأنّ ترك التعلّم لم يؤدِ إلى مخالفة الواقع، فالجمع بين صحة العمل الصادر من الجاهل وبين استحقاقه للعقاب، كيف يمكن تصوّره في المقام ؟ ومن هنا وقع الكلام في أنّه كيف يمكن تصوّر حالة يجتمع فيها الحكم بالصحة مع استحقاق العقاب ؟
ذُكر في المقام عدّة وجوه لتصوير هذه الحالة، وبالتالي دفع هذا الإشكال الذي يرد على ما التزموا به في هذه الفروع:
الوجه الأول: أن يقال أنّ الوجوب لا يتعلق بالفعل الذي جاء به المكلّف والذي نفترضه في محل الكلام التمام، فالتمام ليس واجباً على المسافر، وإنّما الواجب عليه هو القصر فقط، والأمر لا يتعلق بالتمام إطلاقاً. نعم، ما يقال هنا هو أنّ ما جاء به يكون مسقطاً للواجب الواقعي، فصلاة التمام لم يتعلق بها الأمر، لكنه إذا صلّى تماماً جاهلاً بوجوب القصر يسقط عنه وجوب القصر، فيكون هو غير واجب وغير مأمور به، لكنّه يسقط الواجب المأمور به. إذا تمّ هذا، فمقتضاه عدم وجوب الإعادة ولا القضاء لسقوط الواجب الواقعي عنه بإتيانه بالتمام، ولو لم يكن التمام مأموراً به، ولكن الواجب الواقعي وهو القصر سقط عنه بإتيانه بالتمام، وبعد فرض سقوط الواجب الواقعي لا معنى للإعادة ولا للقضاء. وفي نفس الوقت هو يستحق العقاب لتركه التعلّم المؤدّي إلى ترك الواجب الواقعي، فيُجمع بين صحة ما جاء به، بمعنى أنّه يكون مسقطاً للواجب الواقعي ويترتب عليه عدم وجوب الإعادة والقضاء، مع استحقاق العقاب على المخالفة.
الشيخ(قدّس سرّه) أجاب عنه بجواب إثباتي، يقول لا يمكن إثبات هذا الفرض وهو خلاف ظاهر الأدلة، افتراض أنّ التمام الذي يأتي به الجاهل بوجوب القصر ليس مأموراً به هو خلاف ظواهر الأدلة، ظواهر الأدلة تقول أنّ عمله صحيح وتام، وهذا ظاهر في أنّ الأمر يتعلق بما جاء به المكلّف، وأنّ ما جاء به المكلف مأمور به لا أنّه يكون مسقطاً للمأمور به، فكأنّ مشكلته إثباتية ولم يناقش فيها في مقام الثبوت.
الوجه الثاني: ما ذكره الشيخ كاشف الغطاء(قدّس سرّه) حيث قال نلتزم بالترتب،[1] بمعنى أنّه يقول نلتزم أنّ الواجب على المكلف ابتداءً هو القصر، لكن في نفس الوقت يؤمر بالتمام، لكن مترتباً على ترك القصر؛ فحينئذٍ إذا لم يأتِ بالقصر واستحق العقاب على تركه يؤمر بالتمام على غرار الترتب الموجود في باب المهم والأهم، ولا محذور في هذا ولا يلزم منه الأمر بالضدين؛ لأنّ محذور الأمر بالضدين إنّما يلزم عندما يكونا في عرض واحد، أمّا إذا كان بينهما ترتب وطولية، فلا يلزم من ذلك الأمر بالضدين؛ لأنّه يقول له إذا عصيت الأمر بالقصر، فيجب عليك أن تأتي بالتمام؛ وحينئذٍ يرتفع الإشكال؛ لأنّه بهذا البيان يثبت أنّ التمام مأمور به، لكن بالأمر الترتبي، فإذا جاء به المكلف في حال الجهل بوجوب القصر، فقد جاء بما هو واجب واقعاً عليه، لكن بالأمر الترتبي، فالحكم بصحة ما جاء به ليس فيه مخالفة للقاعدة السابقة. واستحقاق العقاب أيضاً يكون في محله؛ لأنّه بتركه التعلم ترك الواجب الواقعي المأمور به بالأمر المطلق وليس بالأمر الترتبي وهو القصر، فيستحق العقاب على ترك التعلم؛ لأنّه يؤدي إلى ترك الواقع، لكن في نفس الوقت يُحكم بصحة عمله. فطبّق(قدّس سرّه) فكرة الترتب التي هو يقول بها أيضاً في باب الأهم والمهم، في محل الكلام .
أجيب عن هذا الوجه بأجوبة:
الجواب الأوّل: للمحقق النائيني(قدّس سرّه) ذكره في(فوائد الأصول)،[2] وكذلك في(أجود التقريرات)،[3] يقول: الخطاب الترتّبي يُعتبر فيه أن يكون الخطاب المهم مشروط بعصيان الأهم، وهذا في محل الكلام غير معقول. نعم، هو معقول في باب الصلاة والإزالة، فلا مشكلة في أن يأمر بالإزالة مشروطاً بعصيان الأمر بالصلاة، لكن في محل الكلام توجد مشكلة، أن يؤمر بالتمام مشروطاً بعصيان الأمر بالقصر؛ وذلك لأنّ التارك للتعلم، وبالتالي التارك للقصر لا يُعقل أن يخاطَب بعنوان العاصي، أي لا يُعقل أن يقال له إن عصيت الأمر بالقصر يجب عليك التمام؛ لأنّه عندما ترك التعلم وجهل بوجوب القصر لا يُصدّق أنه عاصٍ؛ لأنه يجهل وجوب القصر، وإذا التفت إلى كونه عاصياً؛ حينئذٍ خرج عن كونه جاهلاً بوجوب القصر وصار عالماً بوجوبه؛ وحينئذٍ لا يجب عليه التمام بالخطاب الترتبي؛ لأنّه حينئذٍ لا يشمله الخطاب الترتبي. من هنا يقول المحقق النائيني(قدّس سرّه) أنّ المشكلة في المقام ليس في كبرى الترتب كما هو يقول بعد أن ذكر هذا الوجه ناقلاً له عن الشيخ كاشف الغطاء(قدّس سرّه) يقول لا مشكلة في الكبرى، لكن المشكلة صغروية في تطبيق كبرى الترتب على محل الكلام، الكبرى تنطبق في باب الأهم والمهم، لكنّها في محل الكلام لا تنطبق لهذا المحذور الذي ذكره والذي مردّه إلى أنّ الخطاب الترتبي في محل الكلام يستحيل أن يصل إلى المكلّف، فبالتالي يستحيل جعله.