37/05/26


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

كان الكلام في موارد التهافت بين الروايات التي استدل بها على قاعدة(لا ضرر ولا ضرار)، وقد تقدّم الكلام عن الموارد الثلاثة الأولى.

المورد الرابع: هو قيد(على مؤمن) حيث أنّه موجود في رواية ابن مسكان التي يرويها الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) وليس لها وجود في الروايات الأخرى، فقد يقال: أنّ هذا يوجب التهافت، باعتبار أنّ نفس الفقرة (لا ضرر ولا ضرار) تُفسّر بتفسيرين على ضوء وجود هذا القيد أو عدم وجوده، فإذا كان هذا القيد (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن) موجوداً، فقد يقال أنّها ظاهرة في مجرّد الحرمة التكليفية، أي أنّ مفادها هو حرمة الإضرار بالغير، بينما إذا قلنا أنّ الفقرة ليس فيها قيد(على مؤمن) فحينئذٍ لا تفيد الحرمة التكليفية، وإنّما يُستفاد منها نفي الحكم الضرري، أيّ أنّ الحكم الذي يترتب عليه الضرر يكون منتفياً، فعلى على هذا الأساس يقال بالتهافت بينهما، بمعنى أنّ ما صدر من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تلك الواقعة الشخصية الواحدة، إمّا أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حرّم الإضرار تكليفاً، أو رفع الحكم الضرري، فيقع التهافت بينهما من هذه الجهة.

هذا أيضاً قد يقال: بإمكان رفع التهافت بافتراض أيضاً تعدد الفقرة الصادرة من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما فرضنا في المورد الثالث تعدد ما صدر من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بمعنى أنّ هذه الفقرة صدرت منه مرتين، مرّة خوطب بها سمرة بن جندب مع الزياد(على مؤمن) كما في رواية عبد الله بن مسكان التي يرويها الشيخ الصدوق(قدّس سرّه)، فيُستفاد منها حرمة الإضرار بالغير حرمة تكليفية، وصدرت منه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرّة ثانية وخوطب بها الأنصاري لتعليل جواز القلع بلا قيد(على مؤمن)؛ لأنّ الحكم وهو الحرمة، أي المنع من قلع الشجرة ضرري، فيرتفع هذا المنع ويثبت الجواز، فهي تعليل لجواز القلع باعتبار أنّ تحريم القلع عليه والحال هذه، فيه ضرر على الأنصاري، فيرتفع هذا الحكم الضرري، ففيها القابلية أن يُستدل بها مرتين وأن يُخاطب بها شخصين.

وبعبارة أخرى: أنّ عبد الله بن مسكان نقل إلينا ما صدر منه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان المخاطب به هو سمرة بن جندب، بينما الآخرون نقلوا ما صدر منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان المخاطب به هو الأنصاري.

الصحيح في هذا المورد ــــ الرابع ــــ هو ما قلناه من أنّ سند رواية ابن مسكان غير تام، والصحيح هو ما ورد في الكافي ورواه المشايخ الثلاثة، وليس فيه عبارة(على مؤمن)؛ وحينئذ لا مشكلة ولا نعاني من إشكال التهافت؛ لأنّ الموجود لدينا هو نص واحد وهو خالٍ من قيد(على مؤمن). وهكذا إذا قلنا بالتواتر الإجمالي وحصول الاطمئنان بأنّ هذا المضمون صدر منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما لم نستبعد ذلك، هنا أيضاً لا يمكن إثبات هذه الزيادة ــــــ على مؤمن ــــــ لأنها غير متواترة إجمالاً خصوصاً أنّه لم يروها إلاّ الشيخ الصدوق(قدّس سرّه)، فلا يثبت فيها التواتر الإجمالي حتى تثبت، وإنّما يثبت فقط المضمون المتواتر إجمالاً الذي هو (لا ضرر ولا ضرار) فقط. فعلى كلا التقديرين لا يمكن إثبات فقرة(على مؤمن) لا وجداناً ولا تعبّداً، وإنّما الكلام الآتي يقع بناءً على اعتبار هذه الرواية كما هناك محاولات من بعضهم لاعتبار هذه الرواية سنداً، فتكون الرواية حجّة في مقابل الرواية السابقة الحجّة الخالية من فقرة(على مؤمن).

بناءً على ذلك؛ حينئذٍ يقع الكلام في تقديم هذه الرواية المشتملة على زيادة(على مؤمن) على الروايات الأخرى الغير المشتملة على الزيادة، هل تتقدّم هذه الرواية على تلك الروايات الغير مشتملة على تلك الزيادة، أو لا ؟ فمن هنا دخل محل الكلام في كبرى التعارض بين أصالة عدم الزيادة وأصالة عدم النقيصة. ونُسب إلى المشهور في هذه المسألة تقديم أصالة عدم الزيادة، والبناء على الزيادة في الرواية التي تشتمل على الزيادة، والبناء على وجود خلل في الرواية الخالية من الزيادة، يعني أنّ الزيادة موجودة، ولكن الرواية الخالية منها أسقطت هذه الزيادة، وهذا معناه تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة، وحاصله: هو البناء على وجود الزيادة وتقديم ما يشتمل على الزيادة على ما لا يشتمل على الزيادة، نُسب ذلك إلى المشهور.

لأول وهلة يبدو أنّ المقام ينبغي إدخاله في باب التعارض وتطبيق قواعد باب التعارض عليه. روايتان، كل منهما حجّة بحسب الفرض، متنافيتان فيما ينقلانه، هذه الرواية تقول أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:(على مؤمن)، والرواية الأخرى تقول أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يقل: (على مؤمن) ومن هنا يكون هناك تنافي بلحاظ كيفية النقل، فيتعارضان، فلابدّ من تطبيق قواعد باب التعارض. هكذا يبدو لأول وهلة. فينبغي تطبيق قواعد باب التعارض وهذه القواعد تقول إذا كانت هناك مرجّحات يتمّ الترجيح على اساس وجود مرجّح، وإذا لم يكن هناك مرجّح يرجّح الرواية المشتملة على الزيادة على الرواية غير المشتملة على الزيادة؛ فحينئذٍ لابدّ من التساقط، فيسقط كلٌ منهما؛ وحينئذٍ لا تثبت الزيادة ولا النقيصة، أصل المطلب يثبت بلا إشكال، لكن كونه خالياً من هذه الزيادة، إذا كان يترتب أثر على خلوه من هذه الزيادة، أو كون فيه هذه الزيادة، هذا لا يثبت، لتعارض الدليلين وتساقطهما. هذا مقتضى القواعد الأولية في باب التعارض، لكنّ المشهور يدّعي وجود قاعدة أخرى ثانوية تقتضي تقديم ما فيه الزيادة على ما ليس فيه الزيادة، وهذا هو ما يسمّى بـــ(أصالة عدم الزيادة) وأنّها تتقدّم على أصالة النقيصة، والبناء على وجود الزيادة والبناء على وجود خللٍ في الرواية غير المشتملة على الزيادة.

الاستدلال على التقديم المنسوب للمشهور.

استدلوا بعدّة وجوه على تقديم أصالة عدم الزيادة على اصالة عدم النقيصة:

الوجه الأوّل: نطبّق قواعد الجمع العرفي على هاتين الروايتين المتعارضتين، وذلك باعتبار أنّ الرواية المشتملة على الزيادة صريحة في وجود الزيادة، بينما الرواية غير المشتملة على زيادة ليست صريحة في نفي الزيادة حتى يكون هناك تعارض بين دليلين متساويين في درجة الدلالة، وإنّما غايتها أنّها ظاهرة في نفي الزيادة؛ لأنّ الرواية الثانية تسكت عن الزيادة لا أنّها تصرّح بنفي الزيادة، أو عدم نفيها، غايتها أنّها تنفي الزيادة بالإطلاق الناشئ من السكوت، بينما الرواية الأولى صريحة في الزيادة، فعندنا دليلين، أحدهما صريح(نص) والآخر ظاهر، فيُجمع بينهما جمعاً عرفياً بحمل الظاهر على النص، وحمل الظاهر على الصريح، يعني نعمل بالرواية المشتملة على الزيادة لأنها صريحة، ونؤول الرواية الثانية التي تنفي الزيادة بالإطلاق لصالح الحديث الصريح والنص كما هو الحال في موارد الجمع العرفي الأخرى حيث دائما ًيُتصرف في الظاهر لصالح الأظهر، أو في الظاهر لصالح النص والصريح، وما نحن فيه أيضاً من هذا القبيل، لابدّ أن نتصرّف في الرواية الأخرى التي تنفي الزيادة، نقول الزيادة موجودة، والرواية التي تنفي وجود الزيادة لابدّ من تأويلها بتأويلٍ ينسجم مع ثبوت هذه الزيادة، كأن نقول أنّ الناقل غير ناظر إلى جميع ما ذُكر، أو أنّه بانٍ على الاختصار، أو غيره ممّا يشبهه.

الجمع العرفي صحيح ولا إشكال فيه، وحمل الظاهر على النص والصريح أمر مسلّم ولا إشكال فيه أيضاً، لكن تطبيقه على محل الكلام مشكل؛ وذلك باعتبار أنّ هذا الجمع العرفي إنّما نسلّمه فيما إذا كان هناك كلامان متنافيان صادران عن متكلّمٍ واحد، أحدهما صريح والآخر ظاهر، وكي نعرف مراد هذا المتكلّم نتصرّف بالجمع العرفي ونقول أنّ مراده من هذا ما يوافق ذاك الصريح؛ لأنّه بنظر العرف الصريح يعتبر قرينة على التصرّف في الظاهر، فيُجمع بينهما بهذا الجمع ونخرج بنتيجة أنّ المتكلّم يريد ذاك، وهذا الكلام صدر منه، ولكن لابدّ من حمله على ما لا ينافي ما صدر منه صريحاً وما يكون نصّاً في المطلوب، هذه القضية واضحة ومتعارفة ومطبّقة في كثير من الموارد، لكن عندما يكون هناك كلامان متنافيان لشخصين، أحدهما صريح والآخر ظاهر؛ فحينئذٍ لا معنى لتطبيق قواعد الجمع العرفي؛ لأنّ المتكلّميَن مختلّفيَن، فربما هذا يريد هذا المعنى، وذاك يريد المعنى الآخر، وهذا لا مشكلة في هذا، كما في محل الكلام راوي الرواية عندما ينقل فهو يشهد بأنّ قيد(على مؤمن) موجود في ما قاله الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بينما الآخر يشهد على أنّ قيد(على مؤمن) ليس موجوداً في ما قاله الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هنا لا نستطيع أن نجمع بين كلاميهما بالجمع العرفي ونقول نحمل كلام هذا المتكلّم لصالح كلام المتكلّم الآخر بأن نحمل الظاهر على النص والصريح، هذا ليس جمعاً عرفياً؛ لأننا لا نستطيع حينئذٍ أن نخرج بنتيجة أنّه ما هو مراد الأول، وما هو مراد الثاني، لا معنى لتصرّفنا في كلام هذا بحمله على خلاف ظاهره لصالح كلام الآخر الذي يكون صريحاً في معناه، لا وجه لهذا؛ ولذا لا تطبّق قواعد الجمع العرفي على دليلين معتبرين مختلفين أحدهما يشهد بشيء، والآخر يشهد بما ينافيه، كما لو أنّ بيّنةً قامت على أنّ هذا الثوب مغصوب، وبيّنة أخرى قامت على أنّه ليس مغصوباً، فيقع التهافت والتعارض بينهما، هنا لا يُجمع بينهما بقواعد الجمع العرفي، لا معنى لأن نقول حيث أنّ هذه البيّنة كلامها صريح في أنّ هذا الثوب مغصوب، والبينة الأخرى كلامها ليس صريحاً في نفي الغصبية، وإنّما هو ظاهر في نفي الغصبية، فنؤول كلام هذه البيّنة لصالح كلام البينة الأخرى الصريحة. هذا غير صحيح؛ بل لابدّ من إعمال قواعد باب التعارض من دون أن تصل النوبة إلى مسألة الجمع العرفي. ما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنّه عندنا روايتين إحداهما يرويها هذا الراوي، والأخرى يرويها ذاك الراوي، وهذا الراوي يشهد بأنّ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال(على مؤمن)، بينما الراوي الآخر ينفي ذلك، ولو بالإطلاق السكوتي حتى يكون كلامه ظاهراً وليس نصّاً، هنا لا يمكن تطبيق قواعد باب الجمع العرفي.

الوجه الثاني: أنّ الزيادة في الرواية المشتملة على الزيادة على تقدير أن تكون زيادة وليس لها واقع، هذه الزيادة ليس لها منشأ إلاّ أحد شيئين، إمّا الكذب أو الغفلة، إمّا أنّ الحديث واقعاً ليس فيه عبارة(على مؤمن) والراوي كاذب، فأدخل هذه الزيادة عالماً عامداً، أو أنّه صادق، لكنه غفل، فأضاف هذه الزيادة، وكلٌ منهما ــــــ الكذب والغفلة ــــــ منفي بأصل ودليل، أمّا الكذب، فهو منفي بدليل حجّية خبر الثقة، والمفروض أنّ المخبر ثقة والرواية تامّة سنداً، وأمّا الغفلة، فهي منفيّة بأصالة عدم الغفلة، ومن هنا مناشئ الزيادة محصورة بالكذب والغفلة، وكلٌ منهما منفي بأصل أو بقاعدة، بينما عندما نأتي إلى جانب النقيصة سنجد أنّ مناشئ النقيصة متعددة وغير مختصة بالكذب والغفلة، وإنّما لها مناشئ متعددة، بمعنى أنّ النقيصة تشترك مع الزيادة في مناشئها التي هي الغفلة والكذب وتزيد عليها بمناشئ تختص بها، أي بالنقيصة، من قبيل ما ذكروه من الاختصار، هو منشأ للنقيصة كأن يكون الشخص له مزاج خاص في اختصار المطالب فحذف هذه الزيادة، فهذه نقيصة، لكنها غير ناشئة من الغفلة ولا من الكذب، وإنّما هي ناشئة من مزاج خاص يقتضي اختصار المطالب، أو أن يكون الراوي ليس في مقام بيان الزيادة، فيحذفها ويذكر الجملة ناقصة من الزيادة؛ لأنّه ليس في مقام بيان الزيادة، أو توهّم أنّ الزيادة ليس لها اثر في المعنى، وأنّ وجودها وعدمها سيّان في نظره، فحذفها. على اساس تعدد مناشئ النقيصة، بخلاف الزيادة، يعني أنّ مناشئ النقيصة أكثر من مناشئ الزيادة هذا يُعطي قوةً للدليل المشتمل على الزيادة ويجعله أقوى من الدليل الفاقد للزيادة، فيصير الدليل المشتمل على الزيادة أقوى من الدليل الغير مشتمل عليها، باعتبار أنّ مناشئ الزيادة محدودة ومنفية بالأصول والقواعد، بينما النقيصة لها مناشئ أخرى قد لا يكون هناك ما ينفيها، وهذا يُضعف الرواية الفاقدة للزيادة أمام الرواية المشتملة على الزيادة، فيكون ذاك الدليل أقوى، فيُقدّم على هذا الأساس.