37/06/19


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

الأمر الثاني: ويقع الكلام فيه في مفاد الهيئة الإفرادية للكلمات الواردة في القاعدة، في الأمر الأول تكلمنا عن معنى مادة الكلمات والتي هي (ض ر ر ) الآن نتكلّم في مفاد الهيئة، لكن ليس المقصود الهيئة التركيبية للجملة كلّها ـــــ هذا سيأتي بحثه إن شاء الله ـــــ وإنّما الهيئة الإرادية للكلمات الواردة في القاعدة، يعني هيئة كلمة(ضرر) وهيئة كلمة(ضرار). أنّ الضرر كهيئة ما هو مدلولها وضرار كهيئة ما هو مدلوله.

بالنسبة إلى الضرر، الضرر بهيئته لا بمادته، الظاهر أنّه أسم مصدر وليس مصدر، يعني ليس هو معنى مصدري، وإنما هو اسم مصدري، والفرق بين المصدر وأسم المصدر المعروف أنّ الفرق هو أنّ المصدر يدل على ذات المعنى، فيدل على نفس الفعل الصادر من الفاعل، أمّا أسم المصدر، فهو حاصل هذا المعنى المصدري ونتيجته. على هذا الساس فرّقوا بين الوضوء والتوضؤ، وبين الغُسل وبين الاغتسال، وبين الضرّ وبين الضرر كما تقدّم، وبين النفع وبين المنفعة، (النفع، الضرّ، التوضؤ، الاغتسال) هذه كلّها مصادر؛ لأنّها تدل على الفعل الحاصل من الفاعل، هذا هو الفرق المعروف والمشهور بين المصدر وأسم المصدر.

هناك رأي آخر يفرّق بينهما بأنّ المصدر يتضمن نسبة تقييدية، غاية الأمر أنّ هذه النسبة ليست نسبة تامّة، وإنما هي نسبة ناقصة على غرار النسبة الموجودة في الأوصاف وأمثالها، (زيد العادل) هذه نسبة غير تامّة، المصدر يدل على ذات المعنى، لكن مع نسبة تقييدية ناقصة، وأمّا أسم المصدر، فهو عبارة عن نفس المعنى من دون نسبة إطلاقاً. فكلٌ منهما يدل على المعنى، لكن هذا المعنى مرّة يقترن بنسبة ناقصة، فيكون هو المصدر، ومرّة لا يقترن بنسبة ناقصة، فيكون هو أسم المصدر. مرة يقال(علمت علماً) هذا العلم(علماً) لا يتضمن نسبة، فهذا يكون هو أسم المصدر، ومرة نقول( علم زيدٍ أوسع من علم غيره) هذا العلم هو نفسه، لكنّه تضمّن واشتمل على نسبة إلى فاعل(علم زيد) فهذا هو الذي يكون مصدراً. هذا هل هو عبارة عن الفرق الأول المعروف والمشهور، أو شيء آخر غيره يختلف عنه ؟

يمكن أن يقال: أنه يرجع إلى الأول؛ لأنّ المصدر حسب المعنى الأول المعروف يدل على نفس الفعل الصادر من الفاعل، وعلى الوجه الثاني في التفريق يدل على المعنى الملحوظ فيه النسبة، تقريباً هما شيء واحد؛ لأننا إذا قلنا أنّ المصدر على الرأي المعروف هو عبارة عن ذات الفعل الصادر من الفاعل، عبارة(الصادر من الفاعل) هي التي تمثل النسبة، أن يُفترض فيه نسبة فعل إلى فاعل، لتكن نسبة تقييدية وناقصة، لكن افتُرض فيه نسبة فعلٍ إلى فاعل، كالتوضؤ، والاغتسال، فقولهم : المصدر هو نفس الفعل الصادر من الفاعل يمكن إرجاعه إلى أنّه يشتمل على نسبة، ولكن تارة نعبّر عنه بأنه(يشتمل على نسبة) وتارةً نقول( يدل على نفس الفعل الصادر من الفاعل). هذا بالنسبة إلى المصدر.

وأمّا بالنسبة إلى اسم المصدر، الرأي الأول كان يقول: أسم المصدر هو حاصل المعنى المصدري ونتيجته، بينما الرأي الثاني يقول: أسم المصدر هو الذي يدل على ذات المعنى بلا نسبة، ومن دون أن تُلحظ فيه النسبة، وأيضاً يمكن إرجاعه إليه، بالنتيجة حاصل المعنى المصدري هو عبارة عن ذات المعنى من دون أن تُلحظ فيه النسبة، وإلا إذا لوحظت فيه النسبة يكون مصدراً، يعني يكون هو عبارة عن المعنى الصادر من الفاعل، وهذه نسبة، فعندما يقال أنّ أسم المصدر هو حاصل المعنى المصدري ونتيجته لابدّ أن يكون هذا الحاصل هو ذات المعنى الذي لا تُلحظ فيه النسبة، ولا يقال: هو عبارة عن المعنى الصادر من الفاعل، يعني لو حظت فيه النسبة، فيكون مصدراً. على كل حال، الأمر لا تترتب عليه ثمرة عملية، لكن يمكن إرجاع المعنى الثاني إلى المعنى الأول.

فيما يرتبط بالضرر، الضرر بصيغته الظاهر أنّ المراد به أسم المصدر لا المصدر، سواء قلنا أنّ الفارق بينهما هو الأول، أو قلنا أنّ الفارق بينهما هو الثاني، وذلك باعتبار أنّ ما يُفهم من الضرر هو حاصل المعنى المصدري، أو ذات المعنى الغير ملحوظ فيه النسبة، نفس المعنى، فالظاهر أنّ الضرر هو أسم مصدر. هذا بالنسبة إلى كلمة(الضرر).

أما كلمة(الضرار)، فهي أيضاً من حيث الصيغة الإرادية لهذه الكلمة ذُكرت فيه احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون الضرار مصدراً على وزن (فِعال) من الثلاثي المجرّد، يعني من(ضرّ)،نظير كتب كتاب، حسب حساب، قام قيام، وأمثاله، فيقال: ضرّه، يضرّه، ضرار.

الاحتمال الثاني: أن يكون الضرار مصدراً للفعل المزيد (فاعل) المأخوذ من الثلاثي المجرّد، ويدل على المفاعلة، تقول: ضارّه، يضارّه، ضرار.

بناءً على الأول يكون(الضرار) مصدر آخر للفعل الثلاثي المجرّد، والمصدر الأول هو(الضرّ)، ضرّه، يضرّه، ضرّاً، أو ضرار. بينما على الاحتمال الثاني أيضاً يكون مصدراً لضارّ، وهو أيضاً مصدر آخر لضارّ؛ لأنّ له مصدر آخر وهو(المضارّة) تقول: ضرّه، يضارّه، ضرار، أو مضارة، فكل من المضارة، والضرار يكون مصدراً لهذا الفعل المزيد المأخوذ من الثلاثي المجرّد. هذان احتمالان في صيغة(ضرار) .

كلمة(ضرار) على الاحتمال الأول فيها احتمالات:

الاحتمال الأول: أن تكون بمعنى الضرّ والضرر؛ لأننا قلنا أنّ الفرق بين الضرّ والضرر هو الفرق بين المصدر وأسم المصدر، وقد تقدّم سابقاً أنهما مثل الإيجاد والوجود، يختلفان اعتباراً ولا فرق بينهما في الخارج، فيكون المراد بالضرار على هذا الاحتمال هو الضرر، ويفيد نفس ما يفيده الضرر.

الاحتمال الثاني: أن يكون بمعنى الضرر لكن مع اشتماله على إضافة، يعني فيه خصوصية يفترق بها عن الضرر، هذه الخصوصية تارة نقول أنها عبارة عن الشدّة والتأكد كما قيل، وأما أن يقال أنّ هذه الخصوصية هي عبارة عن التعمّد والقصد، بينما الضرر ليس فيه حيثية التعمّد، وبهذا يفترق عن الضرر.

الاحتمال الثالث: على تقدير أن يكون مأخوذاً من الثلاثي المجرّد، أن يكون بمعنى فعل الأثنين، بالرغم من أنه مأخوذ من الفعل الثلاثي المجرّد، لكنّه فسّر بهذا، والذي ذكر هذا المعنى هو ابن الأثير في النهاية الأثيرية في مادة ضرر، قال:( والضرار فعال من الضرّ، أي يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الأثنين).[1] قد يُفهم من هذه العبارة أنّ الضرار المأخوذ من الضر يكون عبارة عن فعل الأثنين. هذا إذا كان مأخوذاً من الثلاثي المجرّد.

أمّا إذا كان مأخوذاً من الفعل المزيد فيه المأخوذ من الثلاثي المجرّد، هذا أيضاً فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: أنّ يكون بمعنى فعل الأثنين من(ضارّ، ضرار) وليس من ضرّ ، وقلنا أنّ هناك مصدر آخر هو(مضارّة) ويدخل في باب المفاعلة، فيقال أنّ معناه هو فعل الأثنين، يعني هذا يوقع الضرّ بهذا، وهذا أيضاً يوقع الضر بهذا....وهكذا، من قبيل قاتل، وضارب.

الاحتمال الثاني: أن يكون بمعنى تعمّد الضرر وتقصدّه، أن لا يكون المقصود بالضرار حتى إذا كان مأخوذاً من(ضار) هو فعل الأثنين والمشاركة، وإنما يكون المقصود به هو تعمّد الضرر.

هنا ذكروا أنه ينبغي استبعاد الاحتمال الأول، وهو أن يكون الضرار في الحديث الشريف بمعنى الضرر، واستبعاده يكون على أساس أنّ هذا فيه تكرار في الحديث وركة في التعبير؛ لأنّه بناءً عليه سوف يكون معنى الحديث هو(لا ضرر ولا ضرر)، وهذا من قبيل أن يقول(ما رأيت بشراً ولا إنساناً).

أمّا الاحتمال الثاني الذي هو أن يكون الضرار هو فعل الأثنين، فقد لوحظ عليه:

الملاحظة الأولى: أنّه لا يتناسب مع بعض الروايات التي تتحدث عن قصة سمرة بن جندب؛ لأنّها استخدمت هذه الصيغة، والحال أنّه في قصة سمرة لا توجد مشاركة، وليس هناك فعل الأثنين ولا توجد مضارة من الطرفين، وإنّما هناك ضرر على الأنصاري من جانب سمرة بن جندب، لكن لا يوجد ضرر من قبل الأنصاري يلحق بسمرة، فالضرر من طرفٍ واحد لا من طرفين، فلا يتحقق معنى المشاركة ولا يصح أن نقول أنّ الضرار هو فعل الأثنين. وفي مقام تطبيقه على رواية سمرة بن جندب في بعض الروايات استُعمل صيغة(المضارّة) في رواية (إنّك رجل مضار) من المفاعلة، فإذا كان المراد به هو فعل الأثنين، فليس هناك فعل أثنين في المقام. غاية الأمر أنّ الرواية التي ورد فيها هذا التعبير غير تامة سنداً.

قد يقال: نحن غير معنيين بهذه الرواية، وكل الروايات الصحيحة التي تحدثت عن قصة سمرة بن جندب ليس فيها (مضارة) ولا فعل من طرفين، وإنما فيها فعل واحد يصدر من قبل سمرة في حق الأنصاري.

ولكن الروايات طبّقت القاعدة عليها. هذا وحده لا يمكن أن نعتمد عليه كشاهد على أنّ معنى المشاركة غير مراد، لاحتمال أن يكون النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) طبّق الحديث على هذا المورد بلحاظ(لا ضرر) وليس بلحاظ(لا ضرار)، ونحن كلامنا في لا (ضرار). صحيح أنه استخدم العبارة كلها، لكن تقدّم سابقاً أنّ القاعدة عُرفت بهذا فيحصل تطبيق للحديث على هذا المورد، لكن يوجد احتمال أنّ التطبيق ليس بلحاظ كلمة(لا ضرار) حتى نقول أنّ كلمة(لا ضرار) طُبّقت على المورد، والمورد ليس فيه مشاركة، فنستبعد أن يكون المراد ب(الضرار) في الحديث الشريف هو فعل الأثنين، بخلاف هذه الرواية، حيث طبّقت هذه الصيغة عليه(أنّك رجل مضار) من باب المفاعلة، والحال أنّ الضرر لم يصدر إلاّ منه، فهذا يمنع أن نفسّر الضرار في الحديث باعتبار هذا التطبيق وهذه الرواية، بأنّه عبارة عن فعل الأثنين، لكن قلنا أنّ الرواية غير تامة سنداً.

الملاحظة الثانية: أن يقال أيضاً يلزم منه التكرار كما قيل في ما إذا كان المراد بالضرار هو الضرر، هنا أيضاً يلزم التكرار، باعتبار أنّ كل واحد من الضررين يمكن نفيه بلا ضرر، فما الداعي إلى الإتيان بكلمة(لا ضرار).

بعبارة أخرى: لو سلّمنا أنّ في المورد هناك مضارّة من قبل الطرفين، هذا لا يستدعي أنّ نفسّر الضرار بالمشاركة؛ لأنّ كلمة(لا ضرر) كما تنفي هذا الضرر الصادر من هذا هي أيضاً تنفي الضرر الصادر من الآخر، فهي تنفي كلا الضررين، لكن لا باعتبار أنّ المضارة من طرفين، فغذا كانت(لا ضرر) تنفي كلاً من الضررين؛ فحينئذٍ لا ملزم لنا بتفسير(الضرار) في محل الكلام بالمشاركة وفعل الأثنين.

قد يقال: الضرر إذا كان صادراً من الآخر بعنوان الجزاء، يعني صدر ضرر من سمرة بن جندب ابتداءً، وصدر الضرر من الأنصاري من باب الجزاء، هنا لا يصح أن يقال أنّ (لا ضرر) تكفي لنفي كلا الضررين ولا حاجة إلى (لا ضرار)؛ لأنّ الضرر هو عبارة عن الضرر الابتدائي، والضرر الذي يحصل من باب المجازاة هو ضرار وليس ضرر، وأحد تفاسير الضرار هو الضرر الذي يصدر من باب المجازاة، وأنّ الضرر في قباله هو الصادر ابتداءً. بناءً على هذا لا نستطيع أن ننفي كلا الضررين بلا ضرر. هل يمكن الالتزام بهذا المطلب، أو لا؟ وهل هذا يخالف بعض النصوص الشرعية من جواز مقابلة الاعتداء باعتداء مثله ؟ وهل يمكن أن نلتزم بأنّ لا ضرار تشمل الضرر الصادر من باب المجازاة وتنفيه، أو تحرمه بناءً على القول بأنّ مفادها الحرمة التكليفية كما تحرّم الضرر الابتدائي، أو لا يمكن أن نقول بذلك باعتبارها مخالفة للنص القرآني ؟ قد يقال أنّ عدم الالتزام بذلك يمنع من هذا التطبيق. على كل حال الإيراد الثاني على افتراض أنّ معنى الضرار هو فعل الأثنين هو أنّ تطبيقه في بعض الموارد لا يخلوا من شيء، مضافاً إلى إمكان الاستغناء عنه بلا ضرر؛ لأنّ لا ضرر وحدها تنفي الضرر الصادر من هذا الطرف، والضرر الصادر من الطرف الآخر؛ وحينئذٍ لا ملزم لنا بأن نفسّر الضرار بأنه عبارة عن فعل الأثنين؛ بل يمكن تفسير بالتفسيرات الأخرى كتعمد الضرر كما تقدّم، أو شدّة الضرر كما سيأتي.