37/07/22


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

قد تُذكر بعض الوجوه لاستبعاد الاحتمال الرابع، وبالتالي تكون هذه الوجوه أيضاً مؤيدة للاحتمال الثالث في قِبال الاحتمال الرابع، ومن جملة هذه الوجوه:

الوجه الأول: في الاحتمال الرابع صاحب الكفاية(قدّس سرّه) أراد أن يُفسّر الحديث الشريف أنّ مفاده هو نفي الحكم بنفي الموضوع، وغرضه من ذلك كما قلنا مراراً هو تطبيق ذلك على الأحكام المترتبة على الموضوعات الضررية، فالحكم المترتب على الموضوع الضرري يكون منفياً بهذا الحديث؛ لأنّ مفاد هذا الحديث هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع من قبيل وجوب الوضوء ووجوب القيام ولزوم المعاملة الغبنية....الخ. هذا هو الذي يريده صاحب الكفاية(قدّس سرّه).

يُستشكل في هذا الأمر، باعتبار أنّ نفي الحكم بلسان نفي الموضوع في الحقيقة إنّما يصح بنكتة، وهذه النكتة لابدّ من ملاحظتها، وهي نكتة اعتبار أنّ الحكم من لوازم الموضوع، يعني أنه يدور مدار الموضوع وجوداً وعدماً، فوجود الموضوع يكون موجباً لثبوت الحكم له، وانتفاء الموضوع بطبيعة الحال يكون موجباً لانتفاء الحكم عنه، فالحكم باعتبار أنه من لوازم الموضوع صحّ أن يُنفى الحكم بلسان نفي الموضوع. وبعبارةٍ أخرى: أن يُنفى اللازم بلسان نفي الملزوم؛ لأنّ الحكم من لوازم الموضوع التي لا تنفك عنه، بطبيعة الحال إذا كان الحكم من لوازم الموضوع التي لا تنفك عنه، فإذا انتفى الموضوع لابدّ أن ينتفي الحكم، طبيعة العلاقة بين الحكم والموضوع هي التي صححّت نفي الحكم بلسان نفي موضوعه؛ لأنّ الحكم كما قلنا يدور مدار الموضوع وجوداً وعدماً، فإذا انعدم الموضوع ينعدم الحكم بطبيعة الحال. هذا كلام صحيح، لكن تطبيقه على مسألة وجوب الوضوء فيه مشكلة؛ وذلك لأنّ هذا التعبير وبالنكتة التي أشرنا إليها يصحح نفي الحكم بنفي موضوعه، وموضوع الحكم هو الموضوع الذي يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً الذي لا ينفك عنه، في هذه الحالة يصح نفي الحكم بنفي موضوعه ويكون أمراً مقبولاً، لكن هذا لا يصحح نفي الحكم بنفي متعلّقه؛ لوضوح أنّ الحكم ليس من لوازم المتعلّق، وهناك فرقٌ بين موضوع الحكم وبين متعلّق الحكم، موضوع الحكم هو الذي يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً، وعلى هذا الاساس يصح نفي الحكم بنفي موضوعه، لكن المتعلّق ليس هكذا، الحكم لا يدور مدار المتعلّق؛ بل الحكم يدعو المكلّف ويحرّكه نحو الإتيان بمتعلّقه، هو في مرتبة متقدمة على المتعلق، الحكم ثابت حتى مع افتراض عدم وجود المتعلق؛ لأنّ الحكم يدعو المكلّف ويحرّكه نحو الإتيان بالمتعلّق، فلا معنى لأن نقول أنّ الحكم لوازم المتعلق بمعنى أنه يدور مداره وجوداً وعدماً، الحكم ليس هكذا بالنسبة للمتعلّق، الحكم ثابت حتى على تقدير عدم وجود المتعلّق، ومن هنا لا يصح أن يكون انتفاء المتعلّق موجباً لانتفاء الحكم، فلا يصح نفي الحكم بنفي متعلقه؛ لأنّ النكتة التي أشرنا إليها غير موجودة، ما معنى أنك تنفي الحكم بنفي المتعلّق والحال أنّ الحكم ليس من لوازم المتعلّق، ولا ينتفي بانتفاء المتعلّق، إذن: هذا الاستعمال لا يكون صحيحاً، هذا لا يصحح نفي الحكم بنفي متعلقه، ومن هنا يختلف الموضوع عن المتعلّق، فالفكرة التي طرحها صاحب الكفاية(قدّس سرّه) تصح في نفي الحكم بنفي موضوعه، لكن هذا بالنسبة إلى المتعلق غير صحيح، فإذن: لا يصح أن نقول أننا ننفي الحكم بلسان نفي متعلقه؛ وحينئذٍ نأتي إلى التطبيق الذي يريد صاحب الكفاية أن يطبّق ما فهمه من الحديث الشريف فيه، يريد أن ينفي وجوب الوضوء عندما يكون ضررياً بلسان نفي الوضوء. وهذا الذي قلنا أنّه غير صحيح؛ لأنّ الوضوء ليس موضوعاً للوجوب، هو متعلّق للوجوب، الوجوب يدعو المكلّف للإتيان به، ويُفرض وجوبه قبل تحقق الوضوء؛ لأنّه هو يدعوه للإتيان به ويحركه نحوه، فعدم الوضوء لا يعني عدم الوجوب، انتفاء الوضوء لا يعني انتفاء الوجوب، فإذن: لا يصح أن ننفي وجوب الوضوء بلسان نفي الوضوء؛ لأنّ النكتة التي تصحح هذا الاستعمال ليست موجودة بالنسبة إلى المتعلق، وإنّما هي موجودة بالنسبة للموضوع، الموضوع من قبيل الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، الحكم يدور مدار الموضوع وجوداً وعدماً، إذا وجدت الاستطاعة وجب الحج، وإذا لم توجد الاستطاعة لا يجب الحج، هذا يمكن أن يُنفى الحكم بلسان نفي الموضوع، أو (لا ربا بين الوالد والولد) هذا موضوع يدور الحكم مداره، الفساد والحرمة موضوعها المعاملة الربوية، إذا وجدت المعاملة الروية وُجد الفساد والحرمة، وإذا انتفت المعاملة الربوية ينتفي الفساد والحرمة؛ لأنّ الفساد من لوازم المعاملة الربوية يدور مدارها وجوداً وعدماً، هنا معقول جداً أن نقول(لا ربا بين الوالد والولد) يعني ننفي الحكم(الفساد) بلسان نفي الموضوع(المعاملة الربوية)، هذا يصح، لكن بالنسبة إلى وجوب الوضوء لا يصح؛ لأنّ الوضوء متعلّق للحكم والحكم ليس من لوازم متعلقه؛ فلذا لا يصح أن يقال أننا ننفي الحكم بلسان نفي المتعلّق، وهذا هو الشيء الذي يريد صاحب الكفاية(قدّس سرّه) أن يطبّق مفاد الحديث عليه، ويريد أن ينتهي إلى هذه النتيجة: أنّ الأحكام الثابتة للموضوعات الضررية ينتفي بحديث نفي الضرر، وحديث نفي الضرر ينفيها بلسان نفي موضوعاتها، لكن هذا ليس موضوعاً بالمعنى الاصطلاحي، وإنّما هو متعلّق الحكم، وموضوع الحكم شيء آخر، موضوع الحكم هو الذي يكون الحكم من لوازمه ولا ينفك عنه، ويدور مداره وجوداً وعدماً، ويؤخذ وجوده مفروض الوجود، فيقال: إذا استطعت يجب عليك الحج، فيدور الحكم مداره وجوداً وعدماً، لكن لا يقول إذا توضأت يجب عليك الوضوء؛ لأنّ الوجوب هو يدعو المكلّف للإتيان بالوضوء خارجاً، فلا يكون انتفاء الوضوء دليلاً أو علامةً على انتفاء الحكم حتى يصح هذا التعبير(أن يُنفى الحكم بلسان نفي متعلقه).

قد يقال؛ بل قيل: أنّ هذا الكلام إنّما يصح إذا كان المقصود هو نفي الحكم بنفي متعلقه في عالم الوجود الخارجي؛ لأنّ الحكم يثبت بالرغم من عدم وجود متعلقه خارجاً؛ لأنه يدعو المكلف للإتيان بمتعلقه في الخارج، فلا يصح أن نقول عدم المتعلق في الخارج يعني عدم الحكم، ننفي الحكم بلسان نفي متعلقه في الخارج، يعني أنّ نفي المتعلّق في الخارج لا يعني ولا يشير إلى نفي الحكم، فلا يصح نفي الحكم بلسان نفي متعلقه في الخارج. وأمّا إذا اُريد بذلك نفي الحكم بنفي متعلّقه في عالم التشريع، وليس نفي الحكم بنفي متعلقه في الوجود الخارجي، نفي المتعلق في عالم التشريع يكون مؤشراً على نفي حكمه، إذا قلنا بذلك حينئذٍ لا يرد الإشكال، وذلك لأنه في هذه الحالة نفي الوضوء الضرري ـــــ مثلاً ـــــ في عالم التشريع وليس في الخارج، معناه في الحقيقة هو عدم جعل الوجوب له، نفي الوضوء الضرري في عالم التشريع يعني أنّ الشارع لم يجعل له الوجوب، هنا يمكن نفي الوجوب بنفي متعلقه، لكن في عالم التشريع لا في عالم الوجود الخارجي، وفي هذه الحالة يصح نفي الحكم بنفي متعلقه كما يصح نفي الحكم بنفي موضوعه، كلٌ منهما يكون صحيحاً؛ لأننا إذا نظرنا إلى عالم التشريع؛ حينئذٍ كلٌ منهما يكون مؤشراً على انتفاء الحكم، سواء كان هو موضوعاً للحكم أو كان متعلقاً للحكم، كما أن نفي الموضوع في عالم التشريع يعني نفي الحكم المترتب عليه، كذلك نفي المتعلق في عالم التشريع يعني عدم كونه واجباً، نفي الوضوء الضرري في عالم التشريع يعني عدم كونه واجباً، يعني عدم جعل الوجوب له، فإذن: يمكن نفي الحكم بلحاظ عالم التشريع بنفي متعلقه، كما هو الحال بالنسبة إلى الموضوع.

أقول: أصل الدعوى مبنية على النكتة التي أشرنا إليها، نكتة أنّ الحكم يعتبر من لوازم موضوعه(الموضوع الاصطلاحي) التي لا تنفك عنه وتدور مداره وجوداً وعدماً، هذه هي النكتة المصححة لنفي الحكم بلسان نفي موضوعه، وإلا ما هو المصحح لهذا الاستعمال ؟ أن ينفي الحكم بلسان نفي موضوعه ؟ عندما تكون هناك علاقة بين الحكم وبين موضوعه وهي علاقة الحكم بموضوعه، يعني علاقة الحكم بملزومه؛ لأنّ الحكم من لوازم موضوعه التي لا ينفك عنها، فالوجوب لا ينفك عن الاستطاعة، الحرمة لا تنفك عن المعاملة الربوية، فهذه هي النكتة المصححة. فإذا لم توجد هذه العلاقة ولاحظنا الحكم بالنسبة إلى متعلقه التي قلنا عدم وجود هذه العلاقة فيها، الحكم ليس من لوازم المتعلق؛ بل ينفكان بشكل طبيعي جداً، بمعنى أنه يكون هناك حكم قبل المتعلق، في هذه الحالة نقول أنّ النكتة المصححة لهذا الاستعمال غير موجودة بالنسبة للمتعلق حتى في عالم التشريع، يعني هذه النكتة غير مخصوصة بعالم الوجود والخارج، حتى في عالم لابدّ من وجود نكتة مصححة لهذا الاستعمال، ولابدّ أن تكون هناك علاقة بين الحكم وبين متعلقه بحيث يكون الحكم من لوازم المتعلق فيُنفى الحكم اللازم بلسان نفي الملزوم، فيصح الاستعمال مثل هذا الاستعمال، فيُنفي اللازم بلسان نفي الملزوم. أمّا إذا لم تكن هناك هذه العلاقة كما هو الحال بالنسبة للحكم ومتعلّقه حتى في عالم التشريع، وحتى في عالم التشريع لا توجد هكذا علاقة بين الحكم ومتعلقه؛ بل يفترض أن يكون الحكم في مرتبة متقدمة وأسبق من متعلقه؛ لأنّه هو يدعو للإتيان به ويحرك نحو متعلقه، إذن: حتى في عالم التشريع هذه النكتة غير موجودة، المفروض أنّ هذه النكتة هي المصححة للاستعمال، وهذه النكتة ليست موجودة بالنسبة إلى المتعلق سواء لاحظنا المتعلق في عالم وجوده الخارجي أو لاحظناه في عالم التشريع، حتى في عالم التشريع لا يصح أن يُنفى الحكم بلسان نفي متعلقه، والحال ليس هناك هكذا علاقة خاصة بينهما حتى تصحح مثل هذا النفي.

لو تنزلنا وسلّمنا بعدم الفرق بين الموضوع وبين المتعلّق، فكما يمكن نفي الحكم بلسان نفي موضوعه يمكن نفي الحكم بلسان نفي متعلقه؛ حينئذٍ نقول هذا الكلام يقتضي أن نلتزم بشيءٍ لا يمكن الالتزام به وهو أن نلتزم أنّ الحكم المتعلق ببعض الأفعال المحرّمة مثل شرب الخمر، هو متعلّق لحكم وهو الحرمة، إذا فرضنا أنّ شرب الخمر كان ضررياً، مقتضى هذا الكلام هو أن نطبّق الكلام عليه، ولازمه أن ننفي الحرمة؛ لأنّ مفاد حديث نفي الضرر هو نفي الحكم بلسان نفي موضوعه، أو بلسان نفي متعلقه، ولا نطبّق متعلّقه فقط على وجوب الوضوء حتى نستفيد منه نفي وجوب الوضوء كما هو يريد، وإنما نطبقه على حرمة شرب الخمر، عندما يكون شرب الخمر ضررياً، كما طبقناه هناك عندما يكون الوضوء ضررياً طبّقه عليه واستفاد منه نفي وجوب الوضوء، هنا نطبقه على حرمة شرب الخمر عندما يكون شرب الخمر ضررياً وينتج نفي التحريم، ومن الواضح عدم إمكان الالتزام بهذا.

بعبارة أخرى: ما هو الموجب لتخصيص المتعلّق بخصوص ما إذا كان متعلقاً لحكمٍ وجوبي كوجوب الوضوء ووجوب القيام وأمثاله ؟! ينبغي أن نجعله شاملاً لكل المتعلقات، حكم مع متعلق، فإذا كان المتعلّق ضررياً؛ حينئذٍ مقتضى تطبيق الحديث عليه هو الالتزام بنفي الحرمة عنه، وهذا مما لا يمكن الالتزام به

الوجه الثاني الذي يمكن أن يُذكر في المقام هو التركيز على نكتة أنّ النفي في حديث نفي الضرر ليس نفياً تكوينياً، وإنما هو نفي تشريعي، وهذا أمر مسلم. من جهة أخرى تقدّم أنّ الضرر المنفي لا يمكن نفيه لا تكوينياً؛ لأنّه يلزم منه الكذب؛ وذلك لوجود الضرر والضرار في الخارج، ولا تشريعياً؛ لأنّ لازم ذلك هو نفي الحرمة عن الضرر والضرار، وهذا أيضاً مما لا يمكن الالتزام به؛ حينئذٍ يمكن جعل ظهور الحديث في كون النفي تشريعي قرينة على الاحتمال الثالث واستبعاد الاحتمال الرابع، باعتبار أنّ الاحتمال الرابع فيه مؤنة زائدة أكثر مما يحتاجه الاحتمال الثالث، صحيح بالنتيجة كلٌ منهما نفيٌ تشريعي، لكن الفرق بينهما هو أنّ الاحتمال الثالث ينفي الحكم الضرري ابتداءً ومباشرة بلا توسط شيءٍ، بينما الاحتمال الرابع ينفي الحكم، لكن بتوسّط نفي الموضوع، فهو أيضاً نفي تشريعي بالنتيجة؛ لأنّه يريد أن ينفي الحكم، لكنه ينفي الحكم بلسان نفي موضوعه، فيكون الفرق هو أنّنا مرّة ننفي الأحكام الضررية مباشرة، وأخرى ننفي الأحكام، ولكن بتوسّط نفي موضوعاتها، كلٌ منهما نفي تشريعي، لكن يمكن أن يقال: أنّ الاحتمال الرابع يحتاج إلى عناية زائدة؛ لأنّ قرينية كون المتكلّم في مقام التشريع وصدر منه الحديث بما هو مقنن ومشرّع، وكون النفي نفياً تشريعياً هذه القرينة يكفي في سد احتياجها أن نفترض أنّ المنفي هو الحكم الشرعي الذي يترتب عليه الضرر، ولا تتوقف هذه القرينة على افتراض نفي الحكم بتوسط نفي الموضوع، نفي الحكم بتوسط نفي الموضوع يحتاج إلى مؤنة زائدة، لا نقول أنه ليس نفياً تشريعياً، ولا نقول أنه لا يصدر من المتكلّم بما هو مشرّع، لكن يحتاج إلى مؤنة زائدة، وهذه المؤنة الزائدة تحتاج إلى دليل، وليس لدينا غير قرينية أنّ المتكلم في مقام التشريع والكلام صدر منه بما هو مقنن ومشرّع، فيكفي فيها أن نقول بالاحتمال الثالث، وأن نقول أنّ الشارع ينفي الأحكام الضررية وينفي الأحكام التي يترتب عليه ضرر، أمّا أن نقول أنّه ينفي الأحكام الضررية بتوسط نفي موضوعاتها، فهذا لا نقول أنّه لا يصح، ولكن نقول أنّه يحتاج إلى مؤنة زائدة.