37/05/19


تحمیل

الموضوع:- تقسيمات الواجب - مقدمة الواجب.

ويرده:- إنّ وجود الارادة بنحو مشروط يمكن أن ندعي بأنه شيء غير ممكن وغير معقول لأجل أن الارادة صفة حقيقية وذات وجود حقيقي والوجودات الحقيقية لا تقبل التعليق والاشتراط ، من قبيل أن اقول إني أحبك الآن إن كنت أخي فإن هذا غير ممكن ، فأنت إما أن يكون عندك حبّ الآن أو لا يوجد حبّ ، فإن كان عندك حبّ فكيف يكون معلّقاً على كونك أخي فإنّ هذا ليس له معنى ، وهكذا أقول أنا عطشان إن كان الجو حاراً في هذا اليوم فإنّ هذا ليس ممكناً ، فالصفات الحقيقة لا تقبل التقييد.

نعم الأوصاف الاعتبارية يمكن فيها ذلك مثل الحرمة ، والتي قال الشيخ الخراساني(قده) إنه يمكن أن تكون الحرمة مشروطة فإنّ الحرمة المشروطة نحوٌ من الوجود ، فهذا المعنى يمكن أن نقبله منه لأنّ الحرمة ليست وجوداً حقيقياً وإنما هي مجرّد اعتبار فيمكن أن يناط هذا الاعتبار بشرطٍ ، وهذا بخلاف الارادة فإنها صفة حقيقية فلا تقبل التعليق.

إذن لا يمكن أن أقول إني أريد استعمال الدواء - الآن بالفعل - إن كنت مريضاً فإنّ هذا غير ممكن لأنّه بالتالي أنت إما أن توجد عندك إرادة أو لا توجد ، فإذا كانت عندك إرادة كيف تعلقها على أن تكون مريضاً فإن هذا لا يمكن إذ الصفة الحقيقة لا يمكن فيها ذلك.

ولو أشكل شخص وقال:- إنّ الناس يعبرّون هكذا ؟

قلت:- هذه تعابير مسامحيّة لا عبرة بها ، فالوجود الحقيقي لا يقبل التعليق ، والارادة وجود حقيقي فلا يقبل التعليق.

إذن ما ذكره الشيخ النائيني(قده) قابل للإشكال لهذه القضية التي أشرنا إليها.

الاحتمال الرابع:- إن الارادة المشروطة ترجع إلى ارادة فعلية ولكنها للجامع الذي يشتمل على فردين أو أكثر ، فمثلاً إرادتي لاستعمال الدواء على تقدير المرض هي في روحها إرادة للجامع ، يعني أنا أريد أن أكون صحيح البدن التي هي الجامع بين أن لا أمرض أبداً وبين أن استعمل الدواء إن مرضت ، وهذان الفردان هما لونان وشكلان لتلك الارادة الفعلية وهي إرادة الجامع ، فدائماً في باب الارادة المشروطة توجد ارادة فعلية للجامع.

وخذ مثالاً ثانياً وهو إرادة شرب الماء على تقدير العطش ، فهذه أيضا ارادة مشروطة وهي في واقعها أرادة لأن يكون الفم رطباً الذي هو جامع بين فردين بين أن لا أعطش وبين ارادة شرب الماء إن عطشت ، فإذن توجد ارادة فعلية للجامع لكن هذا الجامع هو جامع بين فردين بالشكل الذي أوضحنا.

وفي جميع موارد الارادة المشروطة يكون الأمر من هذا القبيل ، فمثلاً أنا أريد تعمير بيتي لأنه أصابه هدم ، وهو في الحقيقة إرادة لبقاء بيتي معموراً من غير أن يكون مصاباً بالهدم ، ولكن هذا الجامع له فردان الفرد الأول هو أن لا يصيبه هدم أبداً ، والفرد الثاني هو إرادة تعميره على تقدير أصابت الهدم له ، وهكذا في سائر الموارد ، فدائماً في باب الارادة المشروطة توجد ارادة للجامع الذي له فردان والارادة المشروطة لونٌ وفردٌ لذلك الجامع.

وبناءً على هذا يحصل تلاؤم بين هذه الاحتمالات ، فالاحتمال الأول والثاني اللذان قالا بأن الارادة فعلية فهو شيء صحيح ، فالإرادة فعلية ولكنها إرادة فعلية للجامع - نعم هم شعروا بوجود ارادةٍ فعلية - ، وما ذكره الشيخ النائيني(قده) أيضا يكون وجيهاً من أنه توجد ارادة مشروطة ، وبأي معنى تكون مشروطة ؟ بمعنى أنها في روحها هي ارادة للجامع ولكن يمكن في مقام التعبير أن نعبّر عنها بأنه لو أصابني المرض أريد استعمال الدواء ، هذا مجرّد تعبير والا فحقيقتها هو ارادة الجامع لكن هذا الجامع يتحقق ضمن الفردين وأحد الفردين هو ما نعبّر عنه كتعبيرٍ بالإرادة المشروطة ، فيحصل ملائمة بين الاحتمالات آنذاك.

وبذلك أيضاً ندفع الوجهين اللذين تمسّك بهما صاحب الاحتمال الأوّل:-

الوجه الأوّل:- قال إنّه إذا لم تكن هناك ارادة بالفعل فيلزم أن تكون الارادة المشروطة عين عدم الارادة والحال أنا نشعر بالفرق بالوجدان.

والجواب قد اتضح فنقول:- إنه توجد إرادة فعلية ولكن للجامع ، هذا هو الفارق بين الارادة المشروطة وبين حالة عدم الارادة ، فإنّه في باب الارادة المشروطة توجد إرادة للجامع ولكن في مقام التعبير عنها نعبّر عنها بأني أريد استعمال الدواء على تقدير المرض.

الوجه الثاني:- وهو أنّ الشخص قد يتصدى ويقول أريد الدواء على تقدير المرض فلو لم تكن هنا ارادة يلزم عدم حصول هذا التصدي فإنّ التصدي يحتاج إلى سببٍ وعلّة فإذا لم تكن هناك ارادة أبدا كيف حصل هذا التصدي ؟

والجواب قد اتضح:- وهو أن الارادة موجودة ولكن ليست ارادة مشروطة وإنما هي ارادة للجامع لكن في مقام التعبير قد نعبر بالإرادة المشروطة ، فهذا التعبير في الحقيقة مصداق لتلك الارادة الفعلية للجامع لا أنّ الثابت حقيقةً هو ارادة مشروطة من دون ارادة فعلية إلى الجامع.

هذا كلّه في توضيح هذه الاحتمالات ، وبذلك اتضح أن الاحتمال الصحيح هو الرابع وأن الارادة المشروطة مرجعها إلى ارادة فعلية للجامع ولكن في مقام العبير عن ارادة الجامع قد نعبر ونقول أريد أن لا أمرض وقد يعبّر عنه في مقام التعبير بالإرادة المشروطة ، وإلا فهو في الواقع إرادة للجامع.

ثمرة البحث عن حقيقة الارادة المشروطة:- يمكن أن أذكر ثمرتين في هذا المجال ولعله بالبحث نجد ثمرات أكثر:-

الثمرة الأولى:- وهي التي أشار غليها الشيخ الأعظم(قده) فإن الارادة إذا لم يمكن أن تكون مشروطة وكانت دائماً فعلية يلزم انكار الوجوب المشروط كما أنكره الشيخ الأنصاري(قده) حيث قال إنّ الوجوب المشروط ليس بموجودٍ إذ جميع القيود ترجع إلى المراد دون الارادة ، فإذا لم تكن الارادة مشروطة فيلزم أن ننكر الواجب المشروط.

وواضح أنه يمكن أن يجاب عن ذلك:- بأنّه صحيح أنّ الارادة لا تكون مشروطة وإنما هي فعلية دائماً للجامع ولكن لذي يكون مشروطاً ليس هو نفيس الارادة وإنما هو الحكم ، فالحكم والاعتبار هو الذي يكون مشرطاً فأنا اعتبر عليك الحج إن استطعت ، وهذا تقييدٌ للاعتبار وهو شيء ممكن ، فالإرادة المشروطة حتى لو فرض أنها ليست ممكنة ولكن تقييد الاعتبار يكون شيئاً ممكناً فيما إذا كانت المصلحة في وجوب الحج لا تثبت إلا إذا حصلت الاستطاعة اتفاقاً ، فلا بأس بتقييد الاعتبار حينئذٍ.

الثمرة الثانية:- وهي المهمّة ، وهي ما ذكره الشيخ العراقي(قده) ، فإنه فسّر الحكم بالإرادة هذه مقدمة ، ثم ذكر مقدمة ثانية وقال:- والارادة دائماً فعلية لأنّ شرطها هو اللحاظ ، ثم استنتج النتيجة وهي أنّ استصحاب حرمة العنب على تقدير الغليان هي جارية ، فالاستصحاب التعليقي ممكنٌ ولا محذور فيه لأنّه استصحابٌ للحرمة الفعلية وليس للحرمة المعلّقة حتى يأتي الاشكال؛ إذ الحرمة هي عبارة عن ارادة والارادة فعليّة لأنّ شرطها هو الغليان اللحاظي وهو موجودٌ ، فالحرمة فعلية فنستصحب تلك الحرمة الفعلية إلى حالة الزبيبية ، فعند تغيّر العنب إلى الزبيب نشك في تغيرت تلك الحرمة الفعلية أو لا فنستصحب بقاءها.

هذه ثمرة مهمّة لهذا البحث ولكنها تعتمد على ركيزتين ، الأولى تفسير الحكم بالإرادة ، والثانية أن نقول إنّ شرط الارادة هو اللحاظ الذي هو فعلي ، فالإرادة تكون فعلية فالحرمة تكون فعلية فالاستصحاب يكون حينئذٍ استصحاباً للحكم الفعلي.

أما إذا أنكرنا أنّ شرط الارادة هو اللحاظ وأن مرجع الارادة المشروطة ليس إلى جعل الغليان شرطاً وإنما الارادة في الحقيقة تكون مشروطة إمّا باللحاظ الذي نرى به الخارج لا نفس الوجود اللحاظي ، فبناءً على هذا لا يمكن جريان الاستصحاب.