37/06/23


تحمیل

الموضوع:- المقدمات المفوّتة - الواجب المعلق والواجب المنجّز- تقسيمات الواجب - مقدمة الواجب.

التقريب الثاني:- ما ذكره الشيخ النائيني(قده)[1] ووافقه عليه غيره وحاصله:- إنّ الواجب الغيري قيد في متعلق الوجوب النفسي ، فمثلاً الطهارة بالنسبة إلى الصلاة واجب غيري ، فهي قيد في متعلق الوجوب النفسي ، يعني أن الواجب النفسي هو الصلاة المقيدة بالطهارة ، يعني تجب الصلاة عن طهارة ، فـ( عن طهارة ) الذي هو الواجب الغيري قيد في متعلّق الوجوب النفسي.

وعلى هذا الأساس نقول:- إذا ذكر المولى الواجب وقال ( اكنس ) ولم يأخذه قيداً في متعلّق واجبٍ آخر بل قال فقط ( اكنس هذا المكان في كلّ صباح ) - فهنا لم يأخذه قيداً في متعلّق واجب آخر - فنستنتج أنه نفسيٌّ وليس غيرياً.

وما هو الفارق بين هذا التقريب وبين التقريب السابق ؟ فإنّ السابق كان يقول أيضاً إنّ الوجوب الغيري مقيّد بالوجوب النفسي فيجب هذا الواجب الغيري إن وجب ذلك الواجب النفسي ، وهنا في التقريب الثاني أيضاً ذكر أنّ الواجب الغيري هو قيد في متعلّق الواجب النفسي ، فإذن كلاهما جعلا الواجب الغيري قيداً أو مقيّداً أو مضيّقاً ولكنّ نحو الضيق قد اختلف ، فما هو الفارق بينهما ؟

والجواب:- الفارق هو أنّ الأوّل جعل الوجوب في الواجب الغيري مضيّقاً ، فوجوب الواجب الغيري مضيّق ومقيّد بما إذا تحقّق الوجوب النفسي ، فهو – أي الشيخ النائيني - أخذ الواجب الغيري قيداً في متعلّق الوجوب النفسي وليس مقيّداً بنفس الوجوب النفسي ، يعني إذا أردت أن تعبّر التعبير فتقول الأوّل يأخذ الوجوب النفسي مقيّداً من حيث مفاد الهيئة - أي من حيث الوجوب فإنّ مفاد الهيئة هو الوجوب - ، أما هذا فهو يأخذه مقيداً من حيث المادّة - هو قيد للمتعلّق أي للصلاة لا لوجوب الصلاة - ، فالتقريب الثاني يشترك مع التقريب الأوّل روحاً ولكن يختلف عنه من حيث الصياغة.

وفيه:-

أوّلاً:- لو سلّمنا أنّ الواجب الغيري قيد ثبوتاً واقعاً في متعلّق الوجوب النفسي ولكن إثباتاً هناك طريقان للتعبير عرفاً ، الطريق الأوّل أن يعبّر ويقال ( تجب الصلاة عن طهارة ) فتؤخذ الطهارة قيداً في متعلّق الوجوب النفسي وهذا بيان عرفيّ مقبول ، وهناك طريق ثاني وهو أن يأمر المولى بالصلاة ويأمر ثانيةً بأمرٍ ثانٍ بالطهارة قبل الصلاة فيقول ( يا أيها الذين آمنوا تجب عليكم الصلاة ) ثم يقول ( يا أيها الذين آمنوا تجب عليكم الطهارة قبل الصلاة ) وهذا هذا مقبولٌ عرفاً ، فإنه إذا أراد أن يبيّن ذلك الواجب الغيري وأن الطهارة واجبة بالوجوب الغيري للصلاة فيمكنه أن يبيّنه بهذا اللسان الثاني ولا يرى العرف استهجانا ولا نقصانا في هذا البيان بل يراه بياناً وجيهاً.

إذن كلا البيانين وجيه ، ومادام كلاهما وجيهاً فلا يلزم من عدم سلوك البيان الأول أن هذا الواجب المشكوك هو واجب نفسي وليس واجباً غيرياً ، كلا بل إذا من حقّه أن يعبّر بالبيان الثاني فعند التعبير به يكون قد بيّن مراده بطريقةٍ صحيحةٍ مقبولة ، وإذا كانت الطريقة الثانية مقبولة فإذن من عدم أخذ الواجب المشكوك قيداً في متعلّق الوجوب النفسي لا يمكن أن نستنتج أنّ هذا الواجب المشكوك هو واجب نفسيّ كما أراد صاحب التقريب.

ثانياً:- إنّ ما ذكره يتمّ فيما إذا كان هذا الواجب المشكوك قيداً شرعياً ، فإنّ القيود الشرعية مثل الطهارة يمكن أن يدّعى أنها تؤخذ في متعلّق الوجوب النفسي ، وأما إذا فرض أنه لم يكن من القيود الشرعيّة وإنما يحتمل أنه واجب عقلاً أو عرفاً ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن نستنتج من عدم أخذه قيداً أنه واجبٌ نفسيّ ، ومثال ذلك تحضير بطاقة الطائرة فإنّ تحضيرها هو مقدّمة عقلية لتحقّق الحج قبل أن تكون شرعيّة ، فمثل هذه القيود ليست هي قيود في متعلّق الواجب النفسي لأنها قيود عقلية أو عقلائية وليست قيوداً شرعية ، فإن الذي يؤخذ قيداً شرعياً في متعلّق الوجوب النفسي هو ذلك القيد الشرعي الذي لا يُعرف أنه مقدّمة وواجب غيري إلا من ناحية الشارع ، أما الذي يمكن معرفته من غير الشارع فلا يلزم أخذه قيداً في متعلّق الجوب النفسي.

وعلى هذا الأساس لو جاءنا دليل وقال ( يجب عليك أن تهيء بطاقة الطائرة أو الامور الأخرى قبل فترة الحج ) وشككنا أن هذا التحضير هل هو واجب نفسي أو هو واجب غيري فهنا لا يمكن أن نستنتج من عدم أخذه قيداً في متعلّق الوجوب النفسي أنه واجب نفسي؛ إذ المفروض أنه من القيود والمقدّمات العقلية ، والمقدّمات العقلية لا تكون قيوداً في متعلّق الوجوب النفسي ، فإنّ الذي يكون قيداً في المتعلّق هو القيود الشرعية دون العقلية ، فإذن تهيئة بطاقة الطائرة يحتمل أنه واجب نفسي من قبل الشارع رغم أنه لم يأخذه قيداً في متعلّق الوجوب الغيري من باب أنّ الذي يؤخذ قيداً هو خصوص القيود الشرعية وهذا من القيود العقلية.

فإذن لا يتمّ بيان الشيخ النائيني(قده) ، ولو تمّ فهو يتمّ في القيود الشرعية فقط ، وأما في غير القيود الشرعية لو دلّ الدليل على وجوبها فلا يمكن أن نستنتج من بيان وجوبها وعدم أخذها قيداً في متعلّق الوجوب النفسي أنها واجبات نفسيّة ، بل لعلها غيرية ، وإنما لم يأخذها قيداً باعتبار أنّ القيود التي تؤخذ في متعلّق الوجوب النفسي هي القيود الشرعية دون العقلية ، فما ذكره إن تمّ فهو يتمّ فقط في القيود الشرعية دون القيود العقلية.

والفرق بين تلك المناقشة وبين هذه المناقشة:- هو أنّ تلك المناقشة تأتي سيّالة حتى في القيود الشرعيّة ، حيث قلنا إنه حتى في القيود الشرعية يمكن بيانها إثباتاً بشكلين ، أما المناقشة الثانية فنقول للشيخ النائيني(قده) إنه حتى لو سلّمنا ما أفدت ولكن هذا يتمّ في مساحةٍ ضيّقةٍ وهي فقط في القيود الشرعية دون العقلية.

التقريب الثالث[2] :- وهو للشيخ الأصفهاني(قده)[3] وحاصله:- إن الواجب النفسي مقيد بقيدٍ عدميٍّ بينما الواجب الغيري مقيد بقيد وجودي ، فكلاهما يوجد له قيد إلا أنّ قيد الواجب النفسي قيد عدمي حيث إنّ الواجب النفسي هو الواجب زائداً عدم النشوء من واجبٍ آخر ، أما الواجب الغيري فهو واجبٌ زائداً النشوء من واجبٍ آخر ، هذه مقدمة.

والمقدمة الثانية هي أنّ القيد الوجودي يحتاج إلى بيانٍ زائد ، أما القيد العدمي فيكفي في بيانه عدم البيان - فيكفي السكوت - ، وإذا قبلنا بهذا فحينئذٍ متى ما بيّن المولى أنّ هذا واجب - أي الشيء المشكوك مثل الكنس - وسكت عن القيد فمن سكوته عن القيد نفهم أنّ هذا القيد قيدٌ عدمي ، يعني أنّ هذا الواجب واجباً نفسياً؛ إذ لو كان غيرياً لكان قيده وجودياً والقيد الوجودي يحتاج إلى بيانٍ زائد.

ويردّه:-

أوّلاً:- إنك قلت إنّ قيد الواجب النفسي عدمي ، ونحن نقول:- من أين لك هذا ؟!! فيمكن أن نجعل القيد وجودياً فنقول ( الواجب النفسي هو ذلك الواجب الناشئ لا من واجبٍ آخر ) ، فالقيد هو ( الناشئ ) وهو قيد وجودي ، ( والواجب الغيري هو الواجب الناشئ من واجب آخر ) ، فكلاهما قيده هو ( الناشئ ) وهو وجودي ، إنه يحتمل هذا وهي ليست قضيّة شرعية أو عقلائية أو عقيلة أو غير ذلك بل هي مجرّد احتمالات وتخمينات ، فأنت حصرت ذلك حتماً في أنّ قيد الواجب النفسي هو عدمي ، كلا بل فليكن وجودياً ، فالواجب النفسي هو الواجب الناشئ لا من واجبٍ آخر والواجب الغيري هو الواجب الناشئ من واجبٍ آخر فكلاهما قيده وجودي.

ثانياً:- هذا مبنيّ على أنّ الوجوب الغيري ناشئ من الوجوب النفسي ومعلولٌ له ، وهذا ما قلنا ببطلانه سابقاً ، فإن الوجوب لا يولّد وجوباً آخر ، بل الوجوب هو من المولى.

فإذن الفارق بين الواجب النفسي والواجب الغيري هو من حيث الملاك ، فيكون المدار هو أنّ الواجب النفسي هو الواجب الناشئ من ملاكٍ في نفسه ، والملاك الغيري هو الواجب الناشئ من ملاك في غيره لا في نفسه ، فكلاهما قيده وجودي ولكن القيد الوجودي لذاك هو ( الناشئ من ملاك في نفسه ) ، وهذا قيده ( الناشئ من ملاك لا في نفسه)، وهذا لطيف جداً.


[2] لإثبات أن الواجب المشكوك كونه نفسياً أو غيرياً.