35/10/27


تحمیل
الموضوع : التجري
كان كلامنا في حرمة التجري، ولا شبهة في قبح التجري وانه هتك للمولى وتعد عليه وتفويت لحقه الذاتي وهو حق الطاعة على العباد، ولهذا يكون من اظهر افراد الظلم فمن هذه الناحية لا شبهة في قبحه، وانما الكلام في حرمته شرعا فهل الفعل المتجرى به محرم شرعا زائدا على قبحه او انه ليس بمحرم شرعا ؟
وقد استدل على حرمته بوجوه وقد تقدم الكلام في بعضها مع ما فيها من المناقشة .
وقد وصل بنا الكلام الى انه هل يمكن التمسك بقاعدة الملازمة بين ادراك العقل قبح شيء وبين حكم الشارع بالحرمة او لا يمكن ذلك ؟
وقد تقدم الكلام في هذه القاعدة وذكرنا انها لم تثبت كبرويا، أي لا ملازمة بين قبح شيء وحرمة ذلك الشيء شرعا كما لا ملازمة بين حسن شيء وبين وجوبه شرعا فان الحرمة تابعة للمفسدة الملزمة في متعلقها وليست تابعة لقبح متعلقها والوجوب تابع للمصلحة الملزمة في متعلقه وليس تابعا لحسن متعلقه، نعم الحسن قد يجتمع مع المصلحة والقبح قد يجتمع مع المفسدة ولكن ليس دائما يكون القبح مفسدة او المفسدة قبيحة وكذلك الحسن .
فإذن ادراك العقل حسن شيء لا يستلزم ثبوت حكم كالوجوب او ادراك العقل قبح شيء لا يستلزم حكم للشارع بالحرمة .
نعم الصغرى ثابتة فان العقل يدرك حسن الاشياء وقبحها وهو مما لا شبهة فيه .
والحاصل انه لا يمكن الاستدلال بهذه القضية .
وهل يمكن الاستدلال بقضية ادراك العقل مفسدة ملزمة في شيء وبين حكم الشارع بحرمته ؟ وادراك العقل مصلحة ملزمة في شيء وحكم الشارع بوجوبه ؟
لا شبهة في ان العقل اذا ادرك في فعل مفسدة ملزمة غير مزاحمة فلا شبهة في ان الشارع حكم بحرمته او اذا ادرك مصلحة في فعل غير مزاحمة فلا شبهة يكشف ان الشارع قد حكم بوجوبه باعتبار ان الاحكام لشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية وهذه الملازمة كبرويا ثابتة، ولكن ليس لها صغرى، اذ ليس للعقل ادراك مصلحة ملزمة في فعل غير مزاحمة اذ لا طريق للعقل الى ملاكات الاحكام الواقعية، وعلى تقدير ادراكه مصلحة ملزمة في فعل ولكن لا يتمكن من ادراك ان لا مزاحم لها.
ولأجل ذلك فهذه الملازمة كبرويا ثابتة ولكن ليس لها صغرى .
ومن هنا قد يقال : انه يمكن الاستدلال بقاعدة الملازمة في المقام اذ لا شبهة في ان هتك المولى ذو مفسدة ملزمة، فاذا كان التجري عبارة عن هتك المولى والتعدي عليه وتفويت حقه وهو حق الطاعة فلا شبهة في انه ذو مفسدة ملزمة واذا كان كذلك فهو يكشف عن ان الشارع حرم هذا الهتك، فبتطبيق قاعدة الملازمة على المقام نستكشف حرمة التجري .
فإذن يمكن الاستدلال بقاعدة الملازمة من خلال تطبيقها على المقام اذ المقام من صغريات هذه القاعدة وبذلك نحكم بحرمة التجري شرعا مضافا الى قبحه .
ولكن هذا التقريب غير صحيح نقضاً وحلاً .
اما نقضاً، فان عنوان هتك المولى وتفويت حقه كما يصدق على المتجري يصدق على العاصي ايضا، اذ لا شبهة في ان العاصي هتك حرمة المولى وفوت حق طاعته ومع ذلك لا يمكن القول بحرمة المعصية شرعا ومعه لا يمكن القول بحرمة التجري ايضا .
واما حلاً، ويقرب بطرقين :
الاول : قد ذكرنا سابقا ان مركز حق الطاعة للمولى احراز التكليف لا التكليف بوجوده الواقعي بل التكليف بوجوده العلمي هو مركز حق الطاعة للمولى، فاذا علم المكلف بان هذا المائع خمر وعلم بان شرب الخمر محرم في الشريعة المقدسة ومع ذلك اقدم على شربه فشربه عالما ملتفتا عامدا، فلا شبهة في انه قد فوت حق المولى وتعدى عليه، ويتصف عمله حينئذ بعنوان هتك المولى والظلم، ولكن اتصاف هذا العمل بهذا العنوان القبيح لا يصلح ان يكون كاشفا عن جعل المولى حرمةً اخرى زائداً على حرمة الواقع باعتبار ان اتصاف الفعل بهذا العنوان القبيح في طول ثبوت الحق للمولى في المرتبة السابقة أي معلول لثبوت حق المولى في المرتبة السابقة، ولهذا لا يصلح لان يكون علة للحكم والا لزم التسلسل .
ومن هنا لا فرق بين العاصي والمتجري .
الثاني : ان هتك المولى مشتمل على مفسدة ملزمة، وهي تكشف عن جعل حرمة اخرى زائدا عن الواقع باعتبار ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد، فاذا كان في هتك المولى وتفويت حقه مفسدة ملزمة فلا محالة تكشف عن حرمته شرعا بحرمة اخرى زائدا عن حرمة الواقع .
وقد ظهر الجواب عن ذلك مما تقدم، فان المصلحة والمفسدة الملزمتين انما تكشفان عن الوجوب والحرمة اذا كانتا في مرحلة المبادي أي مرحلة علل الاحكام، فان المفسدة اذا كانت في مرحلة المبادي فهي تصلح ان تكون علة للحرمة وكذلك المصلحة الملزمة تصلح ان تكون علة للوجوب واما المفسدة اذا كانت في مرحلة معلولات الاحكام فهي لا تصلح لان تكون علة للحرمة والا لزم التسلسل اذ ان هتك المولى معلول لثبوت الحق للمولى في المرحلة السابقة .
ولأجل ذلك لا يمكن التمسك بقاعدة الملازمة بين ادراك العقل مفسدة ملزمة في فعل وبين حكم الشارع بالحرمة .
بقي هنا شيء اخر وهو انه هل يمكن ان يكون الامر بالطاعة والنهي عن المعصية مولويا والنهي عن التجري وهتك المولى نهيا مولويا او لا يمكن ذلك ؟
المعروف والمشهور بين الاصوليين انه لا يمكن .