37/08/03


تحمیل

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ــ آية النبأ

ذكرنا أن الجواب عن الأشكال في المرحلة الأولى أن الحجية المجعولة في الأخبار مع الواسطة حجية متعددة بتعدد الوسائط وليس الحجية المجعولة فيها حجية واحدة كي يلزم محذور اتحاد الحكم مع الموضوع او تقدم الحكم على الموضوع.

وأما الكلام في المرحلة الثانية فمع الإغماض عما تقدم في المرحلة الأولى وتسليم ان الحجية المجعولة في الأخبار مع الواسطة حجية واحدة وأن دليل الحجية يدل على حجية واحدة فمع ذلك لا مانع من شمول دليل الحجية للأخبار مع الواسطة.

فإن كل واسطة إذا كانت ملحوظة بالمعنى الاسمي وبنحو الاستقلال لا يمكن شمول دليل الحجية لها لاستلزامه أحد المحذورين المتقدمين. وأما إذا كانت كل واسطة ملحوظة بالمعنى الحرفي وكل واحد مندكا في الآخر بحيث كل واسطة تكون جزء الموضوع وتمام السلسلة من البداية إلى النهاية موضوعة واحدة غاية الأمر أن موضوع الحجية مركب وهذا أمر شائع. فإن موضوع الحكم قد يكون بسيطا وقد يكون مركبا بلا فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية فكما أن موضوع الوجوب قد يكون بسيطا فقد يكون مركبا فكذلك موضوع الحجية قد يكون بسيطا كما إذا كان خبر الواحد أخبر عن الإمام بلا واسطة فهو مشمول لدليل الحجية إذا كان المخبر ثقة. وقد يكون موضوع الحجية مركبا من خبرين أو أكثر كما إذا أخبر الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الإمام (ع) فإن كل واسطة جزء الموضوع والسلسلة بتمامها موضوع لقول الإمام الذي هو أثر شرعي وكل واسطة جزء الموضوع ومن الواضح أن الأثر لا يترتب على جزء الموضوع وإنما يترتب على الموضوع بتمام أجزائه.

وعلى هذا فلا يلزم أي محذور ، ويمكن تقريب ذلك بوجهين:

الوجه الأول: ما ذكره السيد الاستاذ(قده)[1] من أن المخبر به قد يكون بتمامه موضوع للحكم وقد يكون المخبر به جزء الموضوع وما نحن فيه كذلك فإن كان الخبر بلا وساطة فالمخبر به تمام الموضوع للحكم وإذا كان الخبر مع الواسطة فالمخبر به جزء الموضوع كما في المقام فالمخبر به جزء الموضوع إذا كان هذا الجزء محرزا شريطة ان تكون سائر الأجزاء أيضا محرزة فعندئذ يترتب على هذه السلسلة الحجية وتكون مشمولة لدليل الحجية لخبر الثقة إذا كان المخبر به في كل واسطة ثقة.

فإذاً هذه السلسلة بتمامها موضوع واحد والمحذور إنما يلزم إذا كان كل واسطة موضوع مستقل وملحوظ بنحو المعنى الاسمي وبنحو الاستقلال. واما إذا كان تمام السلسلة موضوعا واحدا فلا يلزم أي من المحذورين لا اتحاد الحكم مع الموضوع ولا تقدم الحكم على الموضوع.

وما نحن فيه كذلك فإن الأخبار مع الواسطة كل واحد جزء الموضوع والمجموع تمام الموضوع لقول الإمام (ع) والأثر الشرعي لهذا المجموع هو قول الإمام وقول الإمام إما أن يكون أثرا شرعيا في نفسه أو موضوعا للأثر الشرعي. فعلى كلا التقديرين فالأثر لهذا المجموع ولهذه السلسلة هو قول المعصوم(ع) فمن أجل ذلك تكون هذه السلسلة مشمولة لدليل حجية أخبر الثقة.

فإذاً لا محذور في ذلك في الأخبار مع الواسطة ولا إشكال فيه إذ كون الموضوع أمرا مركبا أمر شائع في الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية فالموضوع قد يكون بسيطا وقد يكون مركبا من جزئين أو أكثر سواء كانت الأجزاء أجزاءً طولية أم عرضية ولا فرق من هذه الناحية كأجزاء الصلاة فإنها أجزاء طولية والصلاة مركبة منها ولكل جزء موضع خاص فللتكبيرة موضع خاص وهو أنها لا بد ان تكون قبل القراءة، والقراءة لا بد ان تكون قبل الركوع، وهكذا إلى الجزء الأخير وهو التسليمة. وقد يكون الموضوع مركبا من الأجزاء في عرض واحد فهذا أمر شائع ولا محذور فيه.

وما نحن فيه موضوع الحجية قد يكون بسيطا كما إذا كان خبر واحد عن الإمام (ع) إذا كان المخبر به ثقة فهو مشمول لدليل حجية أخبار الثقة. وقد يكون مركبا فإذا كان الموضوع مركبا فمع تحققه بتمام أجزائه ترتب عليه الحجية بواسطة إثبات قول المعصوم (ع) الذي هو أثر شرعي مترتب على هذا الموضوع.

فما ذكره السيد الاستاذ تام ومتين جدا حيث ان الإشكال مبني على أن يكون المخبر به تمام الموضوع مع أن الأمر ليس كذلك فإن المخبر به في الأخبار مع الواسطة جزء الموضوع لا تمام الموضوع.

الوجه الثاني: ما ذكره بعض المحققين (قده)[2] على ما في تقرير بحثه.

وحاصله: أن الكليني إذا أخبر عن الصفار والصفار عن الإمام (ع) فقد أخبر بالالتزام عن صدور الخبر عن الإمام على تقدير عدم كذب الصفار وهذا المدلول الالتزامي قضية شرطية والجزاء فيها معلق على الشرط فإن الجزاء هو صدور الخبر عن الإمام وهو معلق على عدم كذب الصفار ولو لم يكذب الصفار لكان الخبر صادرا عن الإمام (ع) فهذا المدلول الالتزامي ثابت.

وعلى هذا فلا مانع من تطبيق دليل حجية خبر الثقة على خبر الكليني بلحاظ هذا المدلول الالتزامي الذي هو أثر شرعي لا بلحاظ حجية خبر الصفار وإلا لزم احد المحذورين المتقدمين فإن حجية خبر الصفار إن كانت حجية أخرى فهو خلف الفرض فإن المفروض أن المجعول في الأخبار مع الواسطة حجية واحدة لا حجية متعددة بتعدد أفراد الواسطة، ففرض حجية خبر الصفار زائدا على حجية خبر الكليني خلف. وإن كانت حجية خبر الصفار نفس حجية خبر الكليني لزم اتحاد الحكم مع الموضوع لأن حجية خبر الصفار مأخوذ في موضوع حجية خبر الكليني بأن تكون الحجية حكما وموضوعا معا وهو مستحيل ولا يمكن شمول دليل الحجية له.

وإن كان ثبوت خبر الصفار متوقفا على حجية خبر الكليني باعتبار ان خبر الصفار لم يثبت لنا وجدانا والثابت لنا وجدانا هو خبر الكليني وأما خبر الصفار فهو لم يثبت لنا وجدانا لأننا لم نسمع من الصفار فلا محالة يكون ثبوته تعبديا وثبوته يتوقف على حجية خبر الكليني فإن حجية خبر الكليني هو المنشأ لثبوت خبر الصفار تعبدا فإن خبر الكليني إذا كان حجة فهو يدل على ثبوت خبر الصفار تعبدا فعندئذ يلزم تقدم الحكم على الموضوع لأن خبر الصفار موضوع فلا يعقل أن يكون حكمه متقدما عليه والحجية حكم فيلزم تقدم الحكم على الموضوع وهو مستحيل.

فإذاً تطبيق دليل حجية خبر الثقة على خبر الكليني إنما هو بلحاظ المدلول الالتزامي وهذا المدلول الذي هو قضية شرطية هو الأثر الشرعي لا بلحاظ حجية خبر الصفار وإلا لزم أحد المحذورين المتقدمين.

وعلى هذا فيمكن لنا بتطبيق دليل حجية خبر الثقة على خبر الكليني الثابت لنا وجدانا إثبات القضية الشرطية وهي صدور الخبر عن المعصوم(ع) على تقدير عدم كذب الصفار ثم إثبات شرطها وهو عدم كذب الصفار باعتبار انه ثقة.

وبكلمة ان الملازمة بين عدم كذب الكليني وعدم كذب الصفار وصدور الخبر عن الإمام ثابتة واقعا بنحو القضية الشرطية وصدق القضية الشرطية منوط بثبوت الملازمة بينهما فإن كانت الملازمة بينهما ثابتة فالقضية الشرطية صادقة. وإن لم تكن الملازمة بينهما ثابتة فالقضية الشرطية كاذبة، وليس صدق القضية الشرطية بصدق طرفيها فإن طرفيها كانا صادقين أم لم يكونا كذلك ممكن صدقها وممكن كذبها، وهذه الملازمة ملازمة أزلية وثابتة من الأزل وليس مسبوقة بالعدم إلا أن ثبوت هذه الملازمة لا يكفي لإثبات حجية الخبر وصدوره عن الإمام (ع) بل يتوقف على إثبات شرطها وهو عدم كذب الكليني ووثاقته وعدم كذب الصفار ووثاقته.

فإذاً مجرد العلم بثبوت الملازمة لا يكفي في إثبات الخبر وصدوره من الإمام بل يتوقف على تحقق شرطها وهو وثاقة الكليني ووثاقة الصفار. ووثاقتهما إما ثابتة بالوجدان أو ثابتة بدليل تعبدي.

وعلى هذا فيمكن تطبيق دليل الحجية على خبر الكليني بلحاظ هذه القضية الشرطية ولا يلزم منه أي محذور.

هذا ملخص ما ذكره(قده).