37/08/22


تحمیل

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ــ آية النفر

ملخص ما ذكره بعض المحققين(قده) من ان وجوب التحذر لا يكشف عن حجية إنذار المنذر مطلقا فإن الشبهة إن كانت موردا لجريان الأصول المؤمنة كأصالة البراءة والطهارة ونحوهما فإنذار المنذر حجة فيها ووجوب التحذر فيها كاشف عن حجية انذار المنذر وأما إذا كانت الشبهة الحكمية موردا لأصالة الاشتغال وأصالة الاحتياط والجامع مورد للأصول المنجزة فلا يكون وجوب التحذر كاشفا عن حجية انذار المنذر. ثم استظهر (قده) ان مورد الآية هو القسم الثاني من الشبهات دون القسم الأول. وقد أفاد في وجه ذلك أن التعليل الوارد في الآية المباركة وهي قوله تعالى: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فإن هذا التعليل ظاهر في أن انذار المنذر شرط لوجود الحذر ولوقوعه في الخارج وليس شرطا لوجوبه ومطلوبيته فإنذار المنذر من المقدمات الوجوبية وليس من المقدمات الوجودية. فإن مطلوبية الحذر في نفسها ثابتة مطلقا سواء كان هناك انذار من المنذر أم لم يكن إنذار من المنذر ووجوب التحذر ثابت في المرتبة السابقة من جهة الأصول المنجزة في هذه الشبهات كان هناك منذر ام لم يكن.

فإذاً انذار المنذر شرط لوجود الحذر لا لوجوبه وشرط لوقوع الحذر في الخارج لا لمطلوبيته فيكون انذار المنذر مجرد تنبيه للقوم المنذرين (بالفتح) ويزيد في التحذر من العقوبة والإدانة ويؤكد ذلك فإن الإدانة والعقوبة ثابتة في الشبهات الحكمية المنجزة كالشبهات قبل الفحص والشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي فإن الواقع فيها منجز ومطلوب ومخالفته توجب استحقاق الإدانة والعقوبة وانذار المنذر مؤكد له ويزيد في استحقاق هذه العقوبة ولا يكون انذار المنذر سببا لوجوب التحذر وسببا لاستحقاق الإدانة والعقوبة بل هو شرط لوجود التحذر ووقوعه في الخارج.

وذكر مثالين: أحدهما مثال لشرط الوجود كما إذا أمر المولى بالوضوء للصلاة فإن الوضوء شرط لوجود الصلاة وليس شرطا لوجوبها ومطلوبيتها فإن الصلاة مطلوبة عند توفر شروط الوجوب مطلقا توضأ او لم يتوضأ. وأما مثل (انذر لكي تفي بنذرك) فهذا غير صحيح فإن النذر شرط لوجوب الوفاء وليس شرطا لوجود الوفاء ولهذا فلا يصح أن يقال: (انذر لكي تفي بنذرك) فإنه لا يصح جعل الوفاء بالنذر غاية للأمر بالنذر فإن النذر شرط لوجوب الوفاء لا أنه لوجوده في الخارج.

وما نحن فيه أيضا كذلك فإن انذار المنذر لقومه شرط لوجود الحذر ووقوعه في الخارج وليس شرطا لوجوب الحذر ولمطلوبيته فإن مطلوبيته ثابتة مطلقا ووجوبه ثابت مطلقا في الواقع انذر المنذر او لم ينذر. هكذا ذكره (قده).

ولكن للمناقشة فيه مجالا .

حيث أنه لا شبهة في ان شروط الوجوب تختلف عن شروط الوجود فإن شروط الوجوب كما انها شرط للوجوب كذلك شرط للملاك أيضا أي لاتصاف الفعل بالملاك فالوقت شرط لوجوب الصلاة كما انه شرط لاتصاف الصلاة بالملاك أي بالمصلحة الملزمة فإن اتصاف الصلاة بالمصلحة الملزمة مشروط بدخول الوقت ومشروط ببلوغ المكلف وعقله وما شاكل ذلك مثلا الاستطاعة شرط لوجوب الحج ولاتصاف الحج بالملاك في مرحلة المبادئ ولوجوب الحج في مرحلة الجعل وأما مثل الطهارة من الحدث والخبث فهو شرط لوجود الصلاة ولا يمكن ان يكون شرطا لوجوبها فإن الصلاة واجبة سواء كان المكلف متطهرا من الحدث او الخبث ام لم يكن متطهرا والصلاة متصف بالملاك في مرحلة المبادئ ولا يتوقف اتصافها بالملاك في مرحلة المبادئ على أن يكون المكلف متطهرا من الحدث او متطهرا من الخبث ثوبا وبدنا.

فإذاً شروط الوجود تختلف عن شروط الواجب.

وأما الآية المباركة فإن قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ظاهرة في ان انذار المنذر شرط لتحذر المنذرين بالفتح وان التحذر منهم مطلوب للمولى بانذار المنذر فإن انذار المنذر بعد تفقهه في الدين وتعلمه الأحكام الشرعية ورجوعه الى بلده والى قومه ويقوم ببيان الأحكام الشرعية وانذار المنذرين بالفتح فبطبيعة الحال يحصل لهم التحذر من الإدانة والعقوبة من انذار المنذر فإن الغرض من انذار المنذر مطلوبية تحذر المنذرين (بالفتح) لا أن مطلوبية التحذر ثابتة في الواقع بقطع النظر عن انذار المنذر. صحيح ان مطلوبية التحذر ثابتة في الواقع لكن بقطع النظر عن كون انذار المنذر حجة فإذا كان انذار المنذر حجة فهو حاكم على الأصول العملية سواء كانت الأصول العملية المؤمنة الترخيصية ام كان من الأصول المنجزة كأصالة الاحتياط فإن الأمارات حاكمة عليها ورافعة لموضوعها تعبدا فإذا كان انذار المنذر حجة فهو حاكم على الأصول المؤمنة كما انه حاكم على الأصول المنجزة ومن هنا ذكر(قده) أن انذار المنذر حجة في الشبهات الحكمية البدوية بعد الفحص والتي تكون موردا للأصول المؤمنة أي حاكمة على تلك الأصول ورافعة لموضوعها كذلك انذار المنذر حجة على الأصول المنجزة في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي او الشبهات قبل الفحص رافعة لموضوع هذه الأصول كأصالة الاشتغال والاحتياط.

فإذاً الآية المباركة ظاهرة في أن انذار المنذر شرط لوجوب التحذر ومطلوبيته لا انه شرط لوجود التحذر ووقوعه في الخارج وانه مجرد تنبيه للقوم وتأكيد لهم ويزيد في استحقاقهم العقوبة من قبل الأصول المنجزة فليس الأمر كذلك، إذ لا شبهة في أن حمل انذار المنذر على مجرد التنبيه والتأكيد خلاف الظاهر، فالظاهر أن انذار المنذر موجب لوجوب الخوف على المنذرين (بالفتح) ومطلوبية الحذر من المنذرين (بالفتح) وعندئذ تكون حاكمة على الأصول المنجزة ورافعة لموضوعها تعبدا.

فالنتيجة ان ما ذكره(قده) غير تام

وعلى هذا فالآية المباركة لا تختص بالقسم الثاني من الشبهات الحكمية وهي الشبهات قبل الفحص والشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي بل تشمل الشبهات التي تكون موردا للأصول المؤمنة فتشمل كلا القسمين من الشبهات ولا وجه لاختصاص الآية بالقسم الثاني من الشبهات.

والنتيجة أن ما ذكره من الإشكال غير وارد.

فالصحيح في الإشكال على هذا الوجه هو أن كلمة لعل تدل على ترقب وقوع الحذر ولا تدل على وجوب الحذر وعلى مطلوبية الحذر فعلا بل تدل على الترقب فمن اجل ذلك لا يدل على ان انذار المنذر حجة إذ لو كان انذار المنذر حجة حصل لهم الحذر فعلا مع أنه لا يحصل الحذر منهم فعلا وإنما يحصل لهم هو الترقب من الحذر من الإدانة والعقاب.

فالنتيجة أن هذا الوجه غير تام.

الوجه الثاني: وهو ان غاية الواجب واجبة وهذا الوجه غير تام في المقام فإن هذه القاعدة وإن كانت تامة في نفسها إلا أنه لا يمكن تطبيقها على المقام فإنما تنطبق فيما إذا كانت الغاية مقدورة للمكلف سواء كانت مقدورة بالواسطة ام كانت مقدورة مباشرة مثلا المصلحة الملزمة المترتبة على الصلاة ليست مقدورة للمكلف مباشرة ولكنها مقدورة بالواسطة من خلال الإتيان بالصلاة ولهذا أمر المولى بالصلاة لتحصيل هذه المصلحة فالغاية من الأمر بالصلاة هي حصول هذه المصلحة الملزمة لما ذكرناه غير مرة من ان حقيقة الحكم وروحه ملاكه وأما بما هو اعتبار من المولى فلا قيمة له وتمام القيمة بالملاك من المصلحة والمفسدة.

او كانت الغاية مأمور بها مباشرة ومقدور للمكلف كذلك كما إذا أمر المولى بالدخول في المسجد للصلاة إذ الغاية من الدخول في المسجد هو الصلاة وهي مقدورة للمكلف مباشرة وهي متعلقة للأمر كذلك.

وأما في المقام فالغاية غير مقدورة للمنذِر فإن الغاية هو الحذر من الإدانة والعقاب والحذر فعل المنذرين بالفتح وليس فعل المنذر بالكسر ومن الواضح أنه غير مقدور للمنذر بالكسر لأن فعل شخص آخر غير مقدور لشخص فإذاً الغاية في المقام فعل المنذرين (بالفتح) وهي الحذر من الإدانة والعقوبة وليست فعلا للمنذر (بالكسر) فمن أجل ذلك تكون الغاية خارجة عن قدرة المنذر (بالكسر) فإذا كانت خارجة فلا يمكن تطبيق قاعدة غاية الواجب أولى بالوجوب من الواجب عليها فإن هذه القاعدة تنطبق فيما إذا كانت الغاية مقدورة للمكلف وأما إذا كانت خارجة عن قدرته فلا تنطبق عليها هذه القاعدة.