37/08/16


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

كان الكلام في الإشكال الذي أورد على الاستدلال على الروايات المتعرضة لهذه القاعدة، وكان الإشكال يرتبط بأنه كيف يمكن توجيه تعليل الأمر بقلع النخلة بلا ضرر ولا ضرار كما هو ظاهر الرواية ؟ كيف يمكن هذا التعليل مع أنه بناءً على ما ذكروه في تفسير الحديث الشريف من أنه نهيٌ عن الضرر والضرار، أو أنه نفي للأحكام الضررية ، هذا لا يكاد يمكن تطبيقه على الأمر بقلع النخلة، لا النهي التحريمي ينتج الأمر بقلع النخلة، ولا نفي الأحكام الضررية ينتج ذلك: أمّا الأول فواضح على ما تقدم. وأما الثاني، فباعتبار أنّ أصل بقاء النخلة في حائط الأنصاري ليس ضررياً، وإنّما الضرر ينشأ من دخول سمرة إلى عذقه من دون استئذان، جواز هذا الدخول ضرري، فيرتفع بالقاعدة، وأمّا أنّ هذا ينتج الأمر بقلع النخلة، فهذا ليس له وجه، فكيف يمكن تعليل ذلك بلا ضرر ولا ضرار ؟

قلنا أنّ هناك أجوبة عن هذا الإشكال:

الجواب الأول: جواب الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) اعترف فيه بأننا لا نعرف النكتة في هذا التطبيق، صحيح ظاهر الرواية أنها تعلل الأمر بقلع النخلة بلا ضرر ولا ضرار، لكننا لا نعرف نكتة هذا التعليل، ليس واضح لدينا كيف طبّق هذه الكبرى على هذا المورد، لكنه يدّعي أنّ عدم الوضوح في التطبيق لا يمنع من استفادة القاعدة الكلية من حديث لا ضرر.

الجواب الثاني: جواب المحقق النائيني(قدّس سرّه)الذي كان يقول أنّنا لا نقول أنّ هذا تعليل للأمر بقلع النخلة، وإنما ظاهر الحديث هو أنّ القاعدة سيقت في مقام تعليل المنع من الدخول بغير استئذان، وهذا التعليل مفهوم جداً بناءً على أنّ مفاد الحديث هو نفي الأحكام الضررية؛ لأنّ جواز دخول سمرة إلى عذقه في حائط الأنصاري، هذا حكم ضرري، فيرتفع بالقاعدة، فيُمنع من الدخول بلا استئذان، أو حق الدخول بلا استئذان ضرري، فيرتفع هذا الحق، فيمكن تعليل المنع من الدخول بغير استئذان بهذه القاعدة، وهذا أمر صحيح ومفهوم وليس فيه أيّ إشكال.

هذا الجواب تقدّم ما فيه بأنّه خلاف ظاهر الروايات، ظاهر الرواية هو تعليل الأمر بقلع النخلة بالقاعدة وليس تعليل المنع من دخول من دون استئذان.

الجواب الثالث: هذا الجواب يشتمل على وجوه يجمعها أنّ نرفع الإشكال في هذا التعليل، أليس قالوا تعليل الأمر بالرفع بالقاعدة مشكل ؟ هذا الجواب يقول يمكن تعليل الأمر بقلع النخلة بحديث لا ضرر ولا ضرار، قلنا أنّ هذا الجواب يشتمل على وجوه:

الوجه الأول: تقدّم سابقاً، ونذكّر به هنا، هذا الوجه يقول أنّ هذا كله مبني على ما ذكروه، أمّا إذا قلنا أنّ النهي نهي سلطاني ولائي؛ حينئذٍ يرتفع الإشكال. وانتهى الكلام إلى الوجه الثاني الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه).

الوجه الثاني: حاصل ما يريد أن يقول هو : صحيح أنّ العلّة الأخيرة للضرر بالنسبة للأنصاري هو دخول سمرة إلى عذقه من غير استئذان، هذا هو المضر بالأنصاري، لكن حق الدخول إلى عذقه ناشئ من حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، حق الإبقاء هو علة العلل، وهو الذي يسبب المشاكل، لو لم يكن لسمرة حق إبقاء عذقه في حائط الأنصاري لارتفعت كل هذه المشاكل، فإذن: الضرر وإن كان بالمباشرة ناشئ من دخول سمرة إلى عذقه من دون استئذان، لكن حق الدخول ينشأ من كون له حق في إبقاء عذقه في حائط الأنصاري؛ فحينئذٍ لا ضرر كما ينفي جواز دخوله إلى عذقه بلا استئذان، ينفي أيضاً حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، فليس له حق في إبقاء عذقه في حائط الأنصاري، فإذا لم يكن له حق في إبقاء العذق في حائط الأنصاري؛ حينئذٍ يكون الأمر بقلع النخلة مبرراً؛ لأنّه ليس له حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري. يعني الحديث الشريف الذي ينفي الأحكام الضررية، هو ينفي كلا الأمرين، ينفي جواز الدخول بلا استئذان، وينفي حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، فسمرة ليس له حق الدخول بلا استئذان، وليس له حق إبقاء عذقه في حائط الأنصاري. إذن: من حق الأنصاري أن يطلب إزالة هذا العذق من بستانه، والنبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فعل ذلك، أمر بقلع مادة الضرر وهي العلة في هذا الضرر.

فإذن: يمكن توجيه الأمر بقلع العذق بالقاعدة بناءً على أنّ مفادها ما قالوه من نفي الأحكام الضررية.

ويُلاحظ على هذا الوجه: ليس لدينا قاعدة تقول إذا كان المعلول ضررياً تكون علّته هي المرتفعة بقاعدة لا ضرر، ما يكون ضررياً هو الذي يكون مرتفعاً بالقاعدة، أمّا أن نلتزم بارتفاع الحكم الضرري وارتفاع الحكم الذي هو علة لهذا الحكم الضرري، فالقاعدة لا تقتضي هذا، ومثّلوا لذلك بأمثلة، قالوا لو فرضنا أنّ إطاعة الزوجة لزوجها في عملٍ معيّن من الأعمال كان ضررياً عليها، ويسبب لها الضرر، هنا القاعدة تنفي وجوب إطاعة الزوجة لزوجها في هذا العمل، باعتباره حكماً ضررياً، والقاعدة تنفي الأحكام الضررية، لكن لا موجب لرفع اليد عن الزوجية التي هي العلة لوجوب الإطاعة. وهكذا لو فرضنا أنّ الإنسان اضطر لشرب الماء النجس، الذي يرتفع بهذا الاضطرار من قبيل ما نحن فيه وهو حرمة شرب النجس، باعتبار أنّ حرمة شرب النجس يلزم منها الضرر، فتكون حرمة شرب النجس مرتفعة، لكن لا موجب لارتفاع النجاسة التي هي العلة في حرمة شرب النجس. ما نحن فيه من هذا القبيل، هنا لدينا ما اسماه بعلّة العلل التي هي حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، هذا صار علّة لدخول سمرة إلى عذقه في حائط الأنصاري بلا استئذان، حق الدخول إلى عذقه صار ضررياً، وإلاّ أصل إبقاء النخلة في حائط الأنصاري ليس فيه ضرر، وإنما دخول سمرة بلا استئذان هو الضرري، وعلّته هو حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، لكنه لا موجب ولا مبرر لارتفاع هذا الحق، وإنّما الذي يرتفع فقط هو حق الدخول بلا استئذان، باعتباره حكماً ضررياً، وأمّا أصل بقاء العذق في حائط الأنصاري، وإن كان على لحق الدخول، لكنه بمجرّد كون المعلول ضررياً، هذا لا يبرر ارتفاع علته بحديث لا ضرر. فما نحن فيه من هذا القبيل.

وأمّا مسألة قياس ما نحن فيه بما ذكر المحقق النائيني(قدّس سرّه) كما ذكرنا في الدرس السابق من أنه قاس ما نحن فيه بمسألة وجوب المقدمة ووجوب ذي المقدمة، قال ما نحن فيه من قبيل ما إذا كان وجوب المقدمة ضررياً، فأنّ الذي يرتفع بحديث لا ضرر ليس هو وجوب المقدّمة فقط، وإنما وجوب المقدّمة ووجوب ذي المقدمة أيضاً يرتفع لا أنّ فقط وجوب المقدّمة يرتفع، منشأ وعلة وجوب المقدّمة الذي هو وجوب ذي المقدمة أيضاً يرتفع عندما يكون وجوب المقدّمة ضررياً، كما لو فرضنا أنّ امتثال ذي المقدمة كان يتوقف السفر ــــــ مثلاً ــــــ فيكون وجوب السفر وجوباً مقدّمياً، فلو فرضنا أنّ وجوب السفر كان ضررياً، يرتفع وجوب السفر ويرتفع وجوب ذي المقدمة أيضاً؛ لأنّ وجوب ذي المقدمة هو العلّة لوجوب السفر، فيذكر هذا مثالاً على أنّ كون الحكم المعلول ضررياً يستوجب ارتفاع علته. قياس ما نحن فيه على هذا قياس مع الفارق، باعتبار أنّه في باب المقدمة المفروض في المقدمة ومعنى المقدمة أنّ ذا المقدمة يتوقف على الإتيان بالمقدمة، ومن دونها لا يمكن الإتيان بذي المقدمة، فالتوقف موجود في المقدمة وذي المقدمة؛ بل معنى المقدمية هو أنه لا يمكن الإتيان بذي المقدمة من دون الإتيان بمقدمته، وهذا معناه أنّ المقدمة عندما تكون ضررية، فذو المقدمة أيضاً بالتبع يكون ضررياً، قهراً يكون ضررياً، فارتفاع وجوب ذي المقدمة في هذا المثال ليس تطبيقاً للقاعدة التي يقول بها وهي كلما كان المعلول ضررياً فترتفع علته، وإنّما باعتبار أنّه في هذا المثال نفس ذي المقدمة صار ضررياً بالتبع؛ لأنه يستحيل الإتيان بذي المقدمة من دون المقدمة، فإذا صارت المقدمة ضررية، فهذا معناه أنّ ذا المقدمة يصير ضررياً، فتنطبق عليه القاعدة وتكون موجبة لارتفاع وجوب ذي المقدمة. هذا غير ما نحن فيه، فنحن نتكلم عن أنّ حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري صار منشئاً لحق الدخول إلى العذق، لكن هذا لا يعني أنه إذا كان حق الدخول إلى العذق بلا استئذان ضررياً، أنّ هذا يكون موجباً لارتفاع حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري كما ذكرنا في الأمثلة السابقة.

يوجد إيراد آخر على ما ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) في هذا الجواب، وحاصله أن يقال: لو تنزلنا عن كل ما ذُكر وسلّمنا أنّ حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري هو حكم ضرري؛ لكونه علّة العلل كما يسميه، الكلام في أنّ كون حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري ضررياً فتنطبق عليه القاعدة، أي أنّ هذا الحكم يرتفع، يعني ليس لسمرة الحق في إبقاء عذقه في حائط الأنصاري، ولا يثبت أكثر من هذا، الإشكال يقول: هل يلزم من هذا أن يؤمر الأنصاري بقلع عذق سمرة ؟ هذا لا يترتب عليه. نعم، ليس له حق في إبقاء العذق في حائط الأنصاري، لكن في هذه الحالة عليه أن يرفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، والحاكم الشرعي بعد أن يُرفع الأمر إليه يأمر سمرة أولاً بأن يقلع عذقه؛ لأنه ليس له حق في إبقاء عذقه في حائط الأنصاري؛ لأننا افترضناه ضررياً وارتفع بحديث لا ضرر، فيأمره بأن يقلع عذقه، إذا امتنع سمرة من القلع؛ عندئذ يخوّل الحاكم الشرعي شخصاً بتطبيق هذا الحكم، يعني يقلع هذا العذق من حائط الأنصاري؛ حينئذٍ تصل النوبة إلى أن يؤمر الأنصاري إذا رأى الحاكم أنه الأنسب أن يؤمر الأنصاري بقلع هذا العذق، وليس غير الأنصاري، فيؤمر الأنصاري حينئذٍ بقلع هذا العذق من حائطه. التسلسل الطبيعي لعدم وجود حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري بهذا الشكل، سمرة ليس له حق إبقاء العذق، لكن هذا لا يعني أنّ يقلع الأنصاري النخلة، وإنّما لابد أن يرفع الأنصاري أمره إلى الحاكم الشرعي، فالحاكم حينئذٍ وهو الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يأمر سمرة بأن يقلع عذقه، فإذا امتنع باعتبار أنّ الحاكم ولي الممتنع، في هذه الحالة تنتقل النوبة إلى أن يخول أمر القلع إلى شخصٍ آخر. هذا هو المفروض أن يحصل، بينما الرواية لا يظهر منها ذلك، في الرواية أمر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأنصاري بقلع النخلة بمجرّد أن عرض على سمرة التعويض، عندما رفض التعويض أمر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأنصاري بقلع النخلة، وعللّه بلا ضرر ولا ضرار، لكن لم يأمر سمرة أولاً بقلع النخلة، ويمتنع حينئذٍ تصل النوبة إلى أنه ولي الممتنع فمن حقه أن يأمر شخصاً آخر بقلع النخلة، هذا ليس موجوداً في الرواية، وإنما مباشرة وبمجرد أن رفض التعويض أمر الأنصاري بقلع النخلة، وهذا لا ينسجم مع افتراض أنّ الأمر بقلع النخلة يُعلل بلا ضرر مع افتراض تطبيق لا ضرر على حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، حتى مع هذا الفرض. الإشكال الأول يقول أنّ حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري لا علاقة له، الحديث يطبق على حق الدخول بلا استئذان لأنه هو الضرري، بينما ذاك ليس ضررياً، تنزلنا وسلمنا أنّ حق إبقاء العذق أيضاً ضرري، فالإشكال يقول أنّ هذا أيضاً لا يبرر أن يؤمر الأنصاري مباشرة وبلا أن يكون ذلك مسبوقاً بأن يؤمر سمرة أولاً بقلع عذقه، فتبقى المسألة غير واضحة ولا نستطيع أن نبرر الأمر بقلع النخلة بحديث لا ضرر ولا ضرار.

الجواب الأول عن الوجه الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) تام، أنه ليس لدينا هكذا قاعدة تقول أنّ المعلول إذا كان ضررياً ترتفع علته، فالضرري هو الدخول إلى العذق من دون استئذان، هذا هو الضرري وهو الذي يرتفع، أمّا حق إبقاء العذق، فقد قلنا أنّه ليس ضررياً مباشرة ولا مبرر لارتفاعه لمجرّد أن يكون معلوله وما ينشأ منه ضررياً. أما الجواب الثاني، فيمكن التأمل فيه بأن يقال هذا الكلام الذي ذُكر صحيح، وهو أنّ الأنصاري ليس له حق التصرف في العذق، فحتى لو فرضنا أنّ سمرة ليس له حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، لكن الأنصاري لا يملك حق التصرف في العذق مباشرة بأن يقلعه ويرميه، لكننا نقول ثبت له هذا الحق بواسطة أمر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) له بذلك، لأنّه هو الذي أمره بقلع العذق، فثبت له هذا الحق من قبل النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فجاز له القلع. يبقى أن يقال: لماذا لم يؤمر سمرة أولاً بقلع عذقه، فإن امتنع؛ عندئذٍ يؤمر الأنصاري بقلعه؛ لأنّ الحاكم ولي الممتنع.

يمكن أن يقال أنّ هذا كان معلوماً من حال سمرة، هذا الرجل المعاند المصر على الخطأ والمضي فيما صار إليه، واضح من حاله أنه يرفض ذلك ولا يريد إلا بقاء عذقه وأن يدخل رغماً على الكل من دون استئذان، فلعله يكون معلوماً من حال هذا المعاند أنه لو اُمر بقلع عذقه لا يقلعه، ويبقى مصراً على بقاء العذق في هذا المكان حتى يتمكن من الدخول إليه؛ فحينئذٍ كأنّ امتناعه كان معلوماً من حاله؛ ولذا انتُقل إلى ما يترتب على ذلك وهو تخويل شخص آخر بقلع النخلة، وأنسب من يُخوّل هو الأنصاري نفسه، فالحائط حائطه والبستان بستانه، فيخوّل بذلك؛ وحينئذٍ يتم التخريج، فيمكن تبرير وتعليل الأمر بقلع النخلة بقاعدة لا ضرر مع التنزل وافتراض أنّ حق إبقاء النخلة في حائط الأنصاري حكم ضرري، لكن هذا ما منعناه سابقاً.

الوجه الثالث والوجه الرابع الآتي يفترقان عن الوجه الثاني في نكتة جوهرية وهي أنّ الوجه الثاني كان ينظر في جوابه إلى فقرة لا ضرر ويحاول تبرير وتوجيه التعليل بلا ضرر للأمر بقلع النخلة، يقول لا ضرر يمكن أن تكون علّة يُعلل بها الأمر بالقلع على أساس أنّ مفاد لا ضرر هو نفي الأحكام الضررية، والحكم الضرري وإن كان هو الدخول بلا استئذان، لكن علّة العلل هو حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، هذا هو الحكم الضرري وهو الذي يرتفع بحديث لا ضرر باعتبار أنّ مفاده هو نفي الأحكام الضررية، فإذن: هو يلاحظ فقرة لا ضرر ولا يتعرض إلى فقرة لا ضرار.

أما الوجه الثالث فيلتفت إلى فقرة لا ضرار ويستفيد منها توجيه وتعليل الأمر بقلع النخلة، وذلك باعتبار ما تقدم سابقاً نقله عن بعض الأعلام من أنّ هناك فرقاً بين الضرر وبين الضرار، الضرار هو عبارة عن إنزال الضرر بالغير على نحو الاستمرار أو التأكيد أو القصد، فهو من قبيل الإضرار بالغير، وليس إنزال الضرر بنفس المتضرر الذي هو بمعنى الضرر، إنزال الضرر بالغير عندما يُنهى عنه يكون مفاده هو تحريم الإضرار بالغير، لكن عندما يُنفى كما في محل الكلام، حيث في محل الكلام لم ينهَ عنه وإنما قال لا ضرار، يكون مفاده هو التسبيب إلى عدم الإضرار بالغير، وهذا يكون من خلال أمور:

الأمر الأول: تحريم الإضرار بالغير شرعاً، حرمة تكليفية، هذه خطوة لمنع تحقق الإضرار بالغير خارجاً وللتسبيب إلى عدم الإضرار.

الأمر الثاني: تشريع اتخاذ وسائل مانعة من تحقق الإضرار بالغير خارجاً، فهو يقتضي كلا الأمرين، لا أنه يقتضي فقط تحريم الإضرار تكليفياً، وبهذا يفترق الضرار عن الضرر، الضرار تقدّم سابقاً نقلاً عن صاحب هذا الوجه أنّ الإنسان لا يُقدم على الضرر عادة إلا بتحميلٍ من قبل الشارع، فيكون نفيه ظاهراً في نفي التحميل الشرعي، يعني نفي الأحكام الضررية، أمّا الإضرار بالغير، فيقدم عليه الإنسان، باعتبار دواعٍ غضبية، أو شهوية؛ حينئذٍ يكون نفيه ظاهراً في التسبيب إلى عدمه، يعني عدم الإضرار بالغير، هذا يكون بخطوتين أو أكثر: الخطوة الأولى: تحريمه تكليفاً، فالإضرار بالغير حرام تكليفاً، والخطوة الثانية تكون باتخاذ وسائل إجرائية يخوّل الحاكم بها لمنع تحقق الإضرار بالغير خارجاً. هذا الجانب الأخير هو الذي يُستفاد منه لتبرير الأمر بقلع النخلة؛ لأنها وسيلة للإضرار بالغير، ولو اكتُفي بالتحريم الشرعي لبقي الإضرار متحققاً في الخارج، فتتُخذ هذه الوسيلة للأمر بقلع النخلة، فيمكن تبرير الأمر بقلع النخلة وتوجيهه بلا ضرار وليس بلا ضرر؛ وحينئذٍ يكون التعليل مقبولاً ومفهوماً ويرتفع الإشكال المتقدم.