37/11/19


تحمیل

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ــــ آية النفر

تضمنت الآية المباركة ثلاث فقرات:

الفقرة الأولى: وجوب النفر بغاية التفقه وتعلم الأحكام الشرعية من الواجبات والمحرمات وغيرهما.

الفقرة الثانية: وجوب التفقه بغاية الإنذار.

الفقرة الثالثة: وجوب الإنذار بغاية التحذير والتخويف.

وهذه الفقرات الثلاث تشترك في نقطتين وتختلف في نقطة ثالثة.

أما النقطة الأولى: فإن الفقرة الأولى ظاهرة في أن وجود النفر المأمور به شرط ومقدمة لوجود التفقه الذي هو علة غائية لوجوب النفر فوجود النفر بما أنه مأمور به فهو شرط ومقدمة وجودية لوجود التفقه لا لوجوبه فكذلك وجود التفقه المأمور به شرط ومقدمة وجودية لوجود الإنذار الذي هو غاية له، ووجود الإنذار بما هو مأمور به شرط ومقدمة وجودية لوجود التحذير لا لوجوبه فالنفر بوجوده شرط ومقدمة وجودية وليس مقدمة وجوبية للتفقه فإن وجوب التفقه ثابت في الواقع سواء أ قام المكلف بالنفر أم لم يقم، فكذلك وجوب الإنذار والإرشاد وإخبار الناس بالأحكام الشرعية ثابت في الواقع سواء قام المكلف بتعلم الأحكام أم لا وكذلك التحذير.

فإذن هذه الفقرات الثلاث مشتركة في هذه النقطة وعلى حد سواء.

النقطة الثانية: أن منشأ وجوب النفر وعلته اهتمام المولى بالحفاظ على وجوب التفقه الواقعي وعدم رضائه بتفويته بما له من المبادئ والملاكات اللزومية حتى في موارد الاشتباه والالتباس فهذا الاهتمام للمولى هو منشأ وجوب النفر للتفقه وتعلم الأحكام الشرعية وأيضا منشأ وجوب التفقه اهتمام المولى بوجوب الإنذار والحفاظ عليه وعدم جواز تفويته بما له من الملاكات والمبادئ اللزومية التي هي حقيقة الحكم وروحه حتى في موارد الاشتباه والالتباس.

وكذلك الحال في الفقرة الثالثة فإن منشأ وجوب الإنذار هو اهتمام المولى أيضا بالتحذير وتخويف الناس من الإدانة والعقوبة على مخالفة الأحكام الشرعية.

والفقرات الثلاث تشترك في هذه النقطة وهي على حد سواء بالنسبة إليها.

وأما النقطة الثالثة: فالغاية المباشرة لوجوب النفر هي وجود التفقه الواقعي فإن وجود التفقه الواقعي هو غاية لوجوب النفر بنحو مباشر وكذلك وجوب الإنذار الواقعي هو الغاية لوجوب التفقه وتعلم الأحكام بنحو مباشر واما التحذير الواقعي والتخويف الواقعي من الإدانة والعقوبة فليس غاية لوجوب الإنذار، فمن هذه الناحية الفقرة الثالثة تختلف عن الفقرة الأولى والثانية؛ فإن في الفقرة الأولى الغاية المباشرة هي وجود التفقه الواقعي وفي الفقرة الثانية الغاية المباشرة لوجوب التفقه هي وجود إنذار المنذر الواقعي وأما في الفقرة الثالثة فوجود التحذر الواقعي هو ليس غاية لوجوب الإنذار؛ لأن التحذير الواقعي لا يترتب على إنذار المنذرين وإنما يترتب على العلم بالواقع فإذا علم المكلف بالواقع أي بالوجوب او الحرمة فيترتب عليه التخويف الواقعي من الإدانة والعقوبة واما إنذار المنذر فلا يفيد العلم بالواقع بل لا يفيد الاطمئنان بالواقع فمن أجل ذلك لا يكون التخويف الواقعي غاية لإنذار المنذرين بل التخويف الظاهري الطريقي هو من الآثار المترتبة على إنذار المنذر، فالمترتب على وجوب إنذار المنذر هو التخويف الظاهري وشأن وجوب التخويف الظاهري الطريقي الحفاظ على الأحكام الواقعية بما لها من المبادئ والملاكات في موارد الاشتباه والالتباس.

فإذن المترتب على إنذار المنذر في الآية الكريمة هو وجوب التخويف الظاهري الطريقي وهو من آثار حجية إنذار المنذر فإذا كان إنذار المنذر حجة فيترتب عليه وجوب التخويف الظاهري الطريقي بمعنى أن الأحكام الظاهرية أحكام طريقية وشأنها الحفاظ على الأحكام الواقعية بما لها من المبادئ والملاكات اللزومية في موارد الاشتباه والالتباس فإن الأحكام الظاهرية احكام طريقية وشأنها إيصال الأحكام الواقعية تنجيزا او تعذيرا لا واقعا والحفاظ عليها بما لها من المبادئ في موارد الاشتباه والالتباس.

فالآية المباركة ظاهرة في أن وجوب التخويف مترتب على إنذار المنذر بعنوانه وهذا يدل على أنه حجة وأن وجوب التخويف الظاهري الطريقي من آثار حجية إنذار المنذر.

وعلى هذا فهذا الإشكال غير وارد على الآية المباركة ولا قصور في دلالتها على حجية إنذار المنذر بما هو إنذار المنذر وهو داخل في أخبار الاحاد.

هذا هو الإشكال الأول وجوابه.

لكن هذا الجواب إنما يصح لو قطعنا النظر عن كلمة لعل واما مع وجودها فالآية المباركة لا تدل على وجوب التحذير وإنما تدل على الترقب فقط وعندئذ لا تدل على حجية إنذار المنذر وقد تقدم الكلام فيه.

الإشكال الثاني: أن مدلول الآية المباركة ومضمونها ترتب وجوب التحذير والتخويف على إنذار المنذرين وهذا اللسان مختص بالأخبار المتكفلة للأحكام الالزامية لأن في مخالفتها الخوف من الإدانة والعقوبة في ترك الواجب أو فعل الحرام. وأما الأخبار المتكفلة للأحكام الترخيصية فلا يتصور فيها التخويف من الإدانة العقوبة ولازم ذلك أن الآية المباركة مختصة بالأخبار المتكفلة للأحكام الإلزامية وتدل على حجيتها مع أن المدعى إثبات حجية أخبار الآحاد مطلقا سواء كانت متكفلة للأحكام الإلزامية أم كانت متكفلة للأحكام الترخيصية.

وبكلمة أن لسان الآية المباركة ليس لسان التنزيل أي تنزيل إنذار المنذرين بالأحكام الواقعية منزلة العلم بها كما هو أحد التفاسير لحجية أخبار الآحاد حيث أن كثير من الأصوليين قد فسروا حجية أخبار الآحاد بالتنزيل أي تنزيل مؤدى الخبر منزلة الواقع وتنزيل نفس الأخبار منزلة العلم بالواقع. فيكون معنى الحجية على هذا هو التنزيل.

ولكن لسان الآية المباركة ليس تنزيل إنذار المنذرين بالأحكام الواقعية منزلة العلم بها كما أن لسان الآية المباركة ليس جعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي في صورة المطابقة والمخالف له في صورة عدم المطابقة كما هو مبنى الشيخ الأنصاري(قده) كما ان لسان الآية المباركة ليس جعل الطريقية والكاشفية كما هو مختار مدرسة المحقق النائيني ومنهم السيد الاستاذ(قدهم) فإن معنى حجية إنذار المنذرين وحجية أخبار الآحاد معناه جعل الشارع الأخبار طريقا إلى الواقع وكاشفا عن الواقع. فلسان الآية المباركة ليس شيئا من ذلك، بل لسان الآية المباركة التخويف والتحذير وهذا اللسان يناسب وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التي توجد في موردها أخبار الآحاد التي لا تكون حجة فإن وجوب الاحتياط في هذه الشبهات ولسان الآية المباركة منسجم مع وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التي توجد فيها الأمارات وليس لسانها لسان الحجية.

والجواب عن ذلك واضح: فإن لسان الآية المباركة هو ترتب التحذر على إنذار المنذر بعنوانه ووجوب التحذر الظاهري الطريقي مترتب على إنذار المنذر بعنوانه وهذا اللسان لا يناسب وجوب الاحتياط لأن لسان وجوب الاحتياط هو احتمال مطابقة الواقع فإن موضوع وجوب الاحتياط هو الشك في ثبوت الواقع واحتمال المطابقة وليس الاحتمال في الآية المباركة موجودا وإنما الموجود في الآية المباركة هو ترتب وجوب التحذر على إنذار المنذر بعنوانه وهذا كاشف عن ان إنذار المنذر حجة ومع كونه حجة يترتب عليه أثره وهو وجوب التحذر من الإدانة والعقوبة على المخالفة للأحكام التي وصلت إليه ظاهرا تنجيزا أو تعذيرا.

فالآية المباركة تدل على حجية إنذار المنذر على المنذرين (بالفتح) ووصول الأحكام الواقعية إليهم تنجيزا وهو يوجب التخويف والتحذير من الإدانة والعقوبة على مخالفتها.

فالنتيجة أنه لا قصور في دلالة الآية من هذه الناحية على حجية إنذار المنذر.