37/12/26


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

37/12/26

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ـــــ السيرة

تحصّل مما ذكرنا أن الطريقية التكوينية سواء كانت قطعية ام كانت ظنية فهي غير قابلة للجعل الشرعي إذ لا يمكن تكوين شيء بالجعل الشرعي لأن الجعل عين المجعول فلا يمكن ان يكون المجعول أمرا تكوينيا والجعل أمرا اعتباريا، فهذا غير معقول، فلا يمكن جعل الطريقية التكوينية سواء كانت قطعية أو ظنية بالجعل التشريعي.

وأما الطريقية الشرعية فليس لها وجود في الخارج لأنها أمر اعتباري لا واقع موضوعي لها في الخارج إلا في عالم الاعتبار كسائر الأحكام الشرعية، حيث أن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية لا واقع موضوعي لها في الخارج إلا في عالم الاعتبار والذهن، فمرجع جعل الطريقية الشرعية إلى جعل آثارها من الوجوب أو الحرمة أو نحوهما، ولأجل ذلك تقوم الأمارات مقام القطع الطريقي والقطع الموضوعي في ترتيب الآثار فإن آثار القطع مترتبة على الأمارة إذا كانت حجة.

هذا في مقام الثبوت

وأما في مقام الإثبات فلو سلمنا أن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي إلا أنه لا دليل على ذلك في مقام الإثبات فإن الدليل على حجية الأمارات إن كان هو الآيات الكريمة فهي لا تدل على أكثر من أن الأمارات كأخبار الثقة حجة وأما أن الحجية بمعنى الطريقية والكاشفية او الحجية بمعنى المنجزية والمعذرية أو بمعنى جعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي في صورة المطابقة والمخالف في صورة عدم المطابقة أو تنزيل الأمارة منزلة العلم فلا تدل على شيء من هذه الأقسام وإنما تدل على الحجية فقط.

هذا مضافا إلى ما ذكرناه سابقا من أن الآيات الكريمة قاصرة عن الدلالة على حجية أخبار الآحاد ومنها أخبار الثقة.

وأما الروايات فهي أيضا كذلك فعلى تقدير دلالتها فإنما تدل على أن الأمارات حجة كأخبار الثقة ولا تدل على أن حجيتها بمعنى الطريقية والكاشفية أو بمعنى المنجزية والمعذرية أو بمعنى آخر.

هذا مضافا إلى ما ذكرناه من أن الروايات أيضا قاصرة عن الدلالة على حجية أخبار الآحاد.

فالعمدة هي سيرة العقلاء، وهي الدليل الوحيد على حجية أخبار الثقة، وهذه السيرة قطعية كما أن إمضائها قطعي ولا شبهة فيه ولهذا تكون مرتكزة في الأذهان والأنفس وثابتة في أعماق النفوس كالجبلة والفطرة.

ولكن من الواضح أن سيرة العقلاء عبارة عن عمل العقلاء بأخبار الثقة والعمل مجمل لا لسان له فلا يدل إلا على حجية السيرة ولا تدل السيرة على أن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية فإن لسان السيرة ليس لسان الجعل؛ لأنه لا لسان لها، وهي إنما تدل على أن خبر الثقة منجز إذا كان مطابقا للواقع ومعذر إذا كان مخالفا للواقع، ولا تدل على أكثر من ذلك.

فلو سلمنا ان المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية وأنه أمر ممكن ثبوتا ولكن لا دليل على ذلك في مقام الإثبات، إذ عمدة الدليل على حجية اخبار الثقة سيرة العقلاء وهي لا تدل على الجعل أصلاً وإنما تدل على وجوب العمل بأخبار الثقة وأنها منجزة عند المطابقة ومعذرة عند عدم المطابقة.

هذا أولاً.

وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية ولكن مع ذلك لا تكون السيرة حاكمة على الآيات الناهية فإن حكومة السيرة على الآيات الناهية مبنية على أن يكون مفاد الآيات الناهية الحرمة التكليفية المولوية بأن يكون مفادها حرمة العمل بالظن حرمة تكليفية مولوية، والنهي عن العمل بالظن نهي مولوي تكليفي.

وعلى هذا تصلح أن تكون السيرة حاكمة على هذه الآيات المباركة فإن الآيات المباركة تدل على حرمة العمل بالظن بنحو القضية الحقيقية، ومن الواضح أن القضية الحقيقية ترجع إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع وتاليها وجود المحمول وهو الجزاء.

فالآية تدل على حرمة العمل بشيء على تقدير كونه ظنا كما هو الحال في سائر الأحكام الشرعية، فالصلاة واجبة على المكلف على تقدير كونه بالغا او عاقلا أو قادرا والحج واجب على المكلف البالغ العاقل القادر على تقدير كونه مستطيعا فالاستطاعة بمثابة الجزاء، ومن الواضح ان القضية الحقيقية مفادها إثبات الحكم لموضوعها على تقدير ثبوت موضوعها في الخارج وأما أن هذا التقدير ثابت أو غير ثابت فالقضية لا تدل على ذلك فإن قوله تعالى: ( لله على الناس حج البيت ) مفاده مفاد القضية الحقيقية وتدل على وجوب الحج على المكلف البالغ العاقل القادر على تقدير كونه مستطيعا واما ان هذا التقدير ثابت موجود في الخارج أو لا فالقضية لا تدل على ذلك، وإنما تدل على وجوب الحج على تقدير كونه مستطيعا وأما أن هذا التقدير ثابت أو ليس بثابت فهي لا تدل على ذلك.

وعلى هذا فالسيرة حاكمة على هذه الآيات الناهية فإن هذه الآيات تدل على حرمة العمل بشيء على تقدير كونه ظنا أو غير علم، وأما أن هذا التقدير ثابت أو غير ثابت فالقضية لا تدل على ذلك فإن القضية الشرطية تدل على ثبوت حكمها لموضوعها على فرض وجود موضوعها في الخارج ولا تدل على ثبوت موضوعها في الخارج أو عدم ثبوته.

وعلى هذا فالآيات الناهية تدل على حرمة العمل بشيء على تقدير كونه ظنا والسيرة العقلائية تدل على أن خبر الثقة ليس بظن بل هو علم، فتكون السيرة رافعة لموضوع هذه الآيات الناهية فإن الدليل الحاكم رافع لموضوع الدليل المحكوم تعبدا أو يوسع موضوع الدليل المحكوم تعبدا كقوله(ع): (لا تشربه فإنه خمر مجهول)[1] فإنه موسع لدائرة الخمر والمفروض أن الدليل المحكوم لا يدل على ثبوت موضوعه حتى يكون منافيا للدليل الحاكم بل الدليل المحكوم ساكت عن ثبوت موضوعه وعدم ثبوته واما دليل الحاكم فهو ينفي ثبوت موضوعه في الخارج.

وعلى هذا تكون حكومة السيرة على الآيات الناهية مبنية على أن يكون مفادها الحكم التكليفي المولوي.

ولكن الأمر ليس كذلك فإن مفاد الآيات الناهية الإرشاد إلى عدم حجية الظن وان الظن ليس بحجة لأن ما لا يكون علما فهو ليس بحجة سواء كان الظن متمثلا في خبر الثقة أو في غيره باعتبار أن خبر الثقة ظن وليس بقطع.

وأما السيرة فتدل على أن خبر الثقة حجة رغم أنه ظن فتقع المعارضة بينهما ، لأن الآيات الكريمة تنفي حجية خبر الثقة باعتبار أنه من أفراد الظن والسيرة العقلائية تثبت حجية خبر الثقة فالتعارض بينهما بالتناقض وبالنفي والإثبات فتقع المعارضة بينهما فلا تصلح السيرة لأن تكون حاكمة على الآيات الناهية.

وثالثا: مع الإغماض عن ذلك أيضا وتسليم ان مفاد الآية المباركة الحرمة التكليفية المولوية، ولكن هذه الحرمة حرمة تشريعية وليست حرمة ذاتية كحرمة شرب الخمر وما شاكلها، فحرمة العمل بالظن حرمة تشريعية ومرجع هذه الحرمة إلى أن الاستناد إلى الظن في مقام العمل الخارجي أو في مقام الفتوى غير جائز فهو تشريع ومحرم، وكذلك إسناد مؤداه إلى الشارع تشريع ومحرم وهذه الحرمة حرمة تشريعية لا حرمة ذاتية والحرمة التشريعية تكشف عن أن الظن ليس بحجة في المرتبة السابقة إذ لو كان الظن حجة جاز الاستناد إليه في مقام العمل الخارجي أو الافتاء وجاز إسناد مؤداه إلى الشارع سواء كان الوجوب أو الحرمة فحرمة التشريع تكشف عن عدم حجية الظن في المرتبة السابقة.

وعلى هذا فالآيات الكريمة تدل بالمطابقة على حرمة العمل بالظن تشريعا وبالالتزام على عدم حجية الظن فتقع المعارضة بين المدلول الالتزامي للآيات المباركة وبين المدلول المطابقي للسيرة.

فلا تصلح السيرة أن تكون حاكمة على الآيات.

إلى هنا قد تبين أن السيرة لا تصلح أن تكون حاكمة على الآيات.