38/02/01


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/02/01

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد – السيرة العقلائية

الوجه الثالث: ما ذكره بعض المحققين(قده)[1] لعلاج مشكلة الدور في المقام.

وتقريب هذا الوجه: أن مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عموم الآيات الناهية في نفسها لا بالفعل وأما حجية عموم الآيات الناهية فهي متوقفة على عدم مخصصية السيرة وعدم حجيتها بالفعل ومعنى أن حجية السيرة ومخصصيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية في نفسها يعني أن ظواهر الآيات الناهية في العموم حجة بقطع النظر عن السيرة، بمعنى أن حجية السيرة معلقة على عدم حجية إطلاقات الآيات وعموماتها فلو كانت حجة فلا تكون السيرة حجة لأن المعلق ينتفي بانتفاء المعلق عليه، وحجية السيرة معلقة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية وبانتفائها تنتفي حجية السيرة، فإذا كانت عمومات الآيات الناهية حجة فلا تكون السيرة حجة.

وأما عكس ذلك وهو أن حجية عمومات الآيات الناهية فهي متوقفة على عدم حجية السيرة بالفعل بمعنى أن حجية السيرة بالفعل لا تكون مانعة عن حجية عمومات الآيات الناهية غاية الأمر تقع المعارضة بينهما فلا تكون حجية عمومات الآيات الناهية معلقة على عدم حجية السيرة.

وبذلك يرتفع الدور لأن ما يتوقف عليه حجية السيرة ومخصصيتها غير ما تتوقف عليه حجية عمومات الآيات الناهية فإن ما تتوقف عليه مخصصية السيرة وحجيتها عدم حجية عمومات الآيات الناهية في نفسها وما تتوقف عليه حجية عمومات الآيات الناهية على عدم مخصصية السيرة وعدم حجيتها بالفعل فما تتوقف عليه أحداهما غير ما يتوقف عليه الأخرى فلا دور في البين.

نعم لو كانت حجية عمومات الآيات الناهية أيضا متوقفة على عدم حجية السيرة ومخصصيتها في نفسها لزم الدور لاتحاد ما يتوقف عليه في كلا الجانبين: في جانب السيرة وفي جانب عمومات الآيات الناهية. أو إذا كان ما تتوقف عليه الحجية الفعلية مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية بالفعل وحجية عمومات الآيات الناهية متوقفة على عدم حجية السيرة ومخصصيتها بالفعل فأيضا يلزم الدور. فإن الدور ينتفي فيما إذا كان ما يتوقف عليه أحداهما غير ما يتوقف عليه الأخرى.

هكذا ذكره(قده) على ما في تقرير بحثه.

والظاهر أن ما ذكره(قده) مجرد افتراض لا واقع موضوعي له في المسألة فإن هناك فروض أربعة:

الفرض الأول: أن مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية في نفسها. وأما حجية عمومات الآيات الناهية فهي متوقفة على عدم مخصصية السيرة وحجيتها بالفعل.

الفرض الثاني: عكس ذلك أي مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية بالفعل وأما حجية عمومات الآيات الناهية فهي متوقفة على عدم حجية السيرة ومخصصيتها في نفسها لا بالفعل.

الفرض الثالث: أن مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية في نفسها وكذلك حجية عمومات الآيات الناهية متوقفة على عدم مخصصية السيرة وحجيتها في نفسها.

الفرض الرابع: ان مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية بالفعل وكذلك حجية عمومات الآيات الناهية متوقفة على عدم مخصصية السيرة وحجيتها بالفعل.

فهذه فروض أربعة ولا دليل على شيء منها ولا واقع موضوعي لشيء منها.

وما ذكره(قده) من أن مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية في نفسها ومعنى ذلك أن حجية السيرة حجية لولائية لا حجية فعلية أي لولا حجية عمومات الآيات الناهية لكانت السيرة حجة كما ذكره(قده) من أن مخصصية السيرة وحجيتها متوقفة على عدم حجية عمومات الآيات الناهية في نفسها. وأما حجية عمومات الآيات الناهية فمتوقفة على عدم مخصصية السيرة وحجيتها بالفعل ومعنى بالفعل أن عمومات الآيات الناهية حجة في حال حجية السيرة غاية الأمر تقع المعارضة بينهما. ومعنى في نفسها أن حجية السيرة لولائية أي لولا حجية عمومات الآيات الناهية لكانت السيرة حجية ومخصصة.

ولكن لا دليل على هذا الفرض.

أما أولا: فقد تقدم أن هذه السيرة سيرة مرتكزة في الأذهان وثابتة في أعماق النفوس كالقضية الفطرية ولهذا يعمل الناس بأخبار الثقة من دون أي يخطر ببالهم أن ظواهر هذه الآيات مانعة ورادعة عن ذلك باعتبار ارتكازيته فلا يمكن فرض أن حجية السيرة حجية لولائية لأن معنى اللولائية أنه لولا حجية العمومات الآيات الناهية لكانت السيرة حجة وأما إذا كانت عمومات الآيات الناهية حجة فلا تكون السيرة حجة ومخصصة وهذا لا ينسجم مع كون السيرة مرتكزة في الذهن كالقضية الفطرية ولهذا تصبح من القضايا الوجدانية الضرورية فلا يمكن أن تعارض ظواهر الآيات الناهية مثل هذه السيرة وتزاحمها.

وثانيا: مع الإغماض عن ذلك ولكن يلزم التعارض بين حجية السيرة ومخصصيتها وحجية عمومات الآيات الناهية. وحينئذ فحيث ان النسبة بينهما عموما مطلقا فلا بد من حمل عمومات الآيات الناهية على السيرة بقانون حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد الذي هو من أحد موارد الجمع الدلالي العرفي.

فإذاً لا يمكن علاج الدور بذلك.

وثالثا: مع الإغماض عن ذلك أيضا وتسليم أن حجية السيرة ومخصصيتها لا تتقدم على حجية عمومات الآيات الناهية من باب تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق بسبب من الأسباب فعندئذ تسقط حجية كل منهما فكما تسقط حجية السيرة تسقط حجية عمومات الآيات الناهية أيضا فلا تكون السيرة حجة ولا عمومات الآيات الناهية حجة.

وهنا فرضان آخران يمكن افتراضهما ولا واقع موضوعي لهما:

الفرض الأول: أن ظهور الآيات الناهية في العموم والإطلاق وإن لم يكن حجة فهي تصلح أن تكون رادعة عن السيرة ومانعة عنها لاحتمال مطابقة ظواهر هذه الآيات في العموم والإطلاق للواقع وهذا الاحتمال مساوق لاحتمال أنها رادعة عن السيرة وأن هذه السيرة غير ممضاة شرعا. لأن الشك في رادعيتها مساوق للشك في حجية السيرة وتقدم أن الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها. وعلى هذا الفرض لا دور في البين.

الفرض الثاني: أن حجية ظواهر هذ الآيات في العموم والإطلاق بملاك عدم ثبوت كذبها في الواقع وحيث أنا لا نعلم أن هذه الآيات كاذبة في الواقع (الكذب الدلالي يعني عمومها وإطلاقها) فملاك حجية ظواهر هذه الآيات في العموم والإطلاق ملاكها عدم ثبوت كذبها. فهذه الظواهر حجة وحجيتها متوقفة على عدم ثبوت كذبها لا على عدم مخصصية السيرة وعدم حجيتها حتى يلزم الدور، فإذن لا دور في البين فإن الدور مبني على أن حجية ظواهر هذه الآيات الناهية في العموم والاطلاق متوقفة على عدم حجية السيرة وعلى عدم مخصصيتها فعندئذ يلزم الدور. وأما إذا كانت حجية ظواهر الآيات الناهية في العموم والإطلاق متوقفة على عدم ثبوت كذبها فعندئذ لا دور في المقام.

لكن كلا الفرضين مجرد افتراض ولا واقع موضوعي لهما.


[1] بحوث في علم الاصول، تقرير بحث السيد الصدر للسيد الشاهرودي، ج4، ص406.