38/01/23


تحمیل

الأستاذ السيد علي السبزواري

بحث الفقه

38/01/23

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- شرائط الوضوء.

قال السيد الماتن (رحمه الله): (مسألة 28): لا يجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة على الأقوى، ولا قصد الغاية التي أمر لأجلها بالوضوء، وكذا لا يجب قصد الموجب من بول أو نوم كما مر، نعم قصد الغاية معتبر في تحقق الامتثال، بمعنى أنه لو قصدها يكون ممتثلا للأمر الآتي من جهتها ، وإن لم يقصدها يكون أداء للمأمور به لا امتثالا ، فالمقصود من عدم اعتبار قصد الغاية عدم اعتباره في الصحة، وإن كان معتبرا في تحقق الامتثال، نعم قد يكون الأداء موقوفا على الامتثال، فحينئذ لا يحصل الأداء أيضا، كما لو نذر أن يتوضأ لغاية معينة فتوضأ ولم يقصدها فإنه لا يكون ممتثلا للأمر النذري، ولا يكون أداء للمأمور به بالأمر النذري أيضا، وإن كان وضوؤه صحيحا، لأن أداءه فرع قصده، نعم هو أداء للمأمور به بالأمر الوضوئي))[1] .

هذه المسالة مورد خلاف بين الفقهاء فأغلب المتاخرين هو على رأي السيد الماتن (رحمه الله) ، بل يقول السيد الوالد (رحمه الله) انه إستقر عليه المذهب في هذه الاعصار وما قاربها.

والدليل على عدم اعتبار قصد رفع الحدث ولا قصد الاستباحة هو الوضوءات البيانية القولية والفعلية فهذه البيانيات التي وردت لم يرد فيها انه لابد من قصد رفع الحدث او قصد الاستباحة للصلاة ، فاطلاق هذه الادلة البيانية القولية والعملية يدل على عدم الاعتبار.

وكذا اصالة البراءة العقلية والنقلية فإننا لو شككنا ان هذا القصد له دخل في الوضوء فاصالة البراءة العقلية والنقلية تدل على نفيها.

وكذا قد تقدم ان القيود التي لها دخل في حقيقة عبادية شيء ويشترط ان تكون في النية ان ورد امر من الشارع الاقدس في بيان ذلك فنتعبد به فاذا شك بعد ذلك انه تحقق منه القصد او لا؟ فلابد من الاحتياط لأنه شك في المحصل ، واما اذا لم يرد من قبل الشارع شيء منها فنرجع الى اطلاقات الادلة اللفظية والاطلاق المقامي والى البراءة العقلية والنقلية لنفي اعتبار تلك القيود.

الا ان القدماء إختلفوا فمنهم من ذهب الى انه يجب قصد رفع الحدث وقصد الاستباحة كلاهما وهو الذي ذهب اليه جمع من المتقدمين منهم الشيخ ابو الصلاح وغيره ومنهم من قال بالوجوب التخييري وقد ادعى الاجماع عليه صاحب السرائر ومنهم من ذهب الى انه يتعين ان يقصد رفع الحدث ومنهم عكس. هذا الاقوال عند القدماء.

واستدلوا على ذلك.

اولاً:- بان الوضوء انما شرع لأجل رفع الحدث فلابد ان يقصد لأجل هذا التشريع.

ثانياً:- انه لابد من تمييز الوضوء الذي يباح بسببه الدخول الى الصلاة وبين الوضوء التجديدي ولا يمكن التمييز بينهما الا بالنية فاذا نوى رفع الحدث تعين وتميز به واذا لم ينوي لم يتميز ، لان الوضوء مشترك بين التجديدي وما هو لرفع الحدث ولأجل التمييز لابد ان تكون هناك نية اما رفع الحدث او قصد الاستباحة.

ثالثاً:- الآيات والروايات.

منها:- قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾[2] .

ومهنا:- عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ، ولا صلاة إلاّ بطهور).

فان هذه الآية والرواية وغيرها ظاهرة في وجوب الوضوء لأجل الطهور والطهارة لا تتحقق الا بقصد رفع الحدث فان قوله تعالى(اذا قمتم للصلاة) معناه اذا قمتم لأجل الاستباحة الصلاة ، اذن انما شرع الوضوء للطهور والطهور لا يتحقق الا بقصد رفع الحدث او الاستباحة.

ويرد عله:-

اولاً:- ان تشريع الوضوء من اجل الطهارة فهو صحيح ولكنه من وجوه الحكمة لا ان يكون علة تامة للوضوء فمن قال ان العلة التامة للوضوء هو الطهارة بل ربما يكون شيء اخر ، فلو وجب علينا ان نقصد حكمة التشريع في الوضوء لوجب علينا ان نقصد الحكم في كل العبادات مع انهم لا يقولون بذلك

ثانياً:- اما قوله لابد من التمييز بالقصد بان التمييز حاصل واقعا فلو تحقق الوضوء من المحدث رفع حدثه واقعا وان حصل من شخص غير محدث يكون تجديديا فلا حاجة الى القصد للتمييز فان التمييز حاصل واقعا لا ان التمييز يحصل بالقصد.

ثالثاً:- اما الاستدلال بالاية والرواية فنقول ان ظاهر هذه الادلة اللفظية وسياقها انما لبيان شرطية الوضوء للصلاة وان الوضوء شرط في الصلاة ولا يستفاد منها ان الوضوء شرع لأجل الطهور والطهور لا يتحقق الا بالطهارة والطهارة انما هي قصد رفع الحدث فليس الامر كذلك.

اذن نرجع الى ما ذكرناه من ان اطلاق الادلة البيانية قولا وعملا يقتضي عدم اعتبار قصد رفع الحدث ولا الاستباحة وان مقتضى البراءة العقلية والنقلية هو ذلك.

مع انه يمكن القول بان من يتوضأ لأجل الطهارة انما يتضمن رفع الحدث ويلازمه رفع الحدث واستباحة الصلاة ولا حاجة الى قصد هذا اللازم فمن توضا لأجل الطهارة فان لازمه هذا ويشمله ضمنا قصد رفع الحدث وقصد الاستباحة.

والحاصل ان ما ذكر من قصد رفع الحدث وقصد الاستباحة هل هما من مقومات الوضوء ذاتا اولا؟ وهذا لا يقول به احد لأنه خلاف الادلة التي وردت في بيان الوضوء لان حقيقة الوضوء الغسلتان والمسحتان ونية رفع الحد ونية الاستباحة ليست من مقومات الوضوء.

وإن ارادوا منه انه من مقومات عبادية الوضوء بمعنى ان الوضوء العبادي لا يتحقق الا بقصد رفع الحدث وقصد الاستباحة وهذا ايضا خلاف ما ذكرناه في بداية البحث من ان عبادية العبادات انما تتحقق بقصد التقرب وقصد امر المولى.

الا ان يقال ان المستفاد من الادلة كما ذكرنا ان الوضوء انما الامر المتعلق به امر غيري وليس نفسيا وحينئذ الامر الغيري انما شرع لأجل الارشاد الى الامر النفسي فلابد ممن يأتي بالأمر الغيري ان يقصد الغاية منها فلا يمكن ان تتحقق الاوامر الغيري الا بقصد غاياتها فلو كانت الغاية لا تتحقق الا بقصد رفع الحدث والاستباحة فيجب من هذه الناحية وهذا وجه حسن ان قلنا انهم يريدون ذلك.

الا ان هذا الدليل صحيح ولكن يشترط فيه امور ذكرها الفقهاء في الاوامر الغيرية سياتي بيانها ان شاء الله.