38/03/03


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

38/03/03

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مسألة( 27 ) - المكاسب المحرمة.

أما بالنسبة إلى جواب السؤال الأوّل فيمكن أن يقال:- إنَّ مقامنا من الوصف والاشارة أيضاً ، فإنه حينما اشتري اللبن أقول هكذا ( اشتري منك هذا اللبن ) والمقصود من اللبن يعني اللبن الخالص ، فصار عندنا اشارة وعندنا وصف ، فـ ( اشتري منك هذا ) يعني هذا الموجود ، بينما الوصف وهو ( اللبن ) فهو يختصّ بخصوص اللبن الخالص ، فمقتضى الوصف البطلان لأنَّ هذا ليس خالصاً ومقتضى الاشارة الصحّة ، فإذن توجد كلمة مقدّرة في مقامنا - يعني ( اشتري منك هذا ) - حتى نربط بين ما ذكره جامع المقاصد وبين مقامنا لأنه أدخل مقامنا تحت الاشارة والوصف ، لأنّه إذا أردنا أن ندخله تحت الاشارة والوصف فلابدّ وأن يكون هكذا:- ( اشتري منك هذا اللبن ) ، فـ( هذا ) اشارة الى الموجود ، فاذا اخذنا بكلمة ( هذا ) فلازمه الصحّة لأنه موجود ، أما إذا أخذنا بالوصف وهو ( اللبن ) والمقصود اللبن الخالص فلازمه الفساد . إذن هذا هو وجه الربط بين مقامنا وبين ما نقله عن صاحب الذكرى.

وأما بالنسبة الجواب السؤال الثاني فيمكن أن يقال:- إنَّ مورد الاشارة والوصف هو فيما إذا حصل تردّد واقعي فهنا يأتي ، تردّد واقعي للشخص يكون في مثل الذي يأتمّ بهذا الأمام فهو يقول أأتم بهذا الذي هو زيد ، فالآن أذا نظرنا في قلبه فمقصوده ما هو ؟ فهل يعني أنه يريد أن تأتمَّ بهذا الموجود أما قوله ( زيد ) هو مجرّد اشارة إلى اعتقاده وتصوره بأنه زيد فقالت ( هو زيد ) ولكنه يريد أن يأتم بهذا الموجود سواء كان زيداً أو عمرواً لكنه قال ( هو زيد ) من باب أنه تخيّل واعتقاد وتصوّر أنه زيد ، أو أن مقصوده هو الائتمام بزيدٍ فهو عنده عقيدة بعدالته دون غيره ، فعلى هذا الأساس هنا يوجد تردّد ، فلو سألنا نفس الشخص الناوي فلعلّه هو أيضا متردّد في أنَّ مقصوده هو هذا الامام بما هو هذا وأما خصوص زيد فهو يحصل في مقصوده بعد ذلك ، فهو في البداية لعلّه غير ملتفت إلى ذلك ولكن بعد ذلك يطرأ له هذا التردّد.

وهذا بخلافه في مقامنا فأنه لا يوجد تردّد في المقصود ، فإنَّ المشتري وهكذا البائع يقول صحيح الخلوص معتبر في اللبن ولكنه مأخوذ بنحو الداعوية وإلا قلنا يلزم بطلان جميع بيوع العيب.

فإذن التردّد في المقصود ليس موجوداً حتى ندرج مقامنا تحت تلك الكبرى ، وهذا اشكال يتسجّل على المحقق الكركي وليس على الشهيد الأوّل ، لأن الشهيد الأوّل قال كلمةً في موقعها المناسب ونقلها الكركي واراد أن يطبّقها في موردنا ، ونحن نقول له:- لا تأت بها في موردنا لأنّه في موردنا لا بوجد تردّد لهذا المشتري ولهذا البائع لأنّه بالتالي هما مقصودهما أخذ الخلوص بنحو الداعوية أو الشرطية بعبارةٍ أخرى لا أنه يكون هو متعلّق البيع والا قلنا يلزم من ذلك بطلان جميع بيوع المعيب ، فإذن لا يوجد تردّد في البين ، فإدراج مقامنا تحت هذه الكبرى وذكر هذه الكبرى في مقامنا ليس بمناسب ، وهذا كلام جانبي يرتبط مع ما ذكره المحقّق الكركي .

وقبل أن نختم حديثنا مع المحقّق الكركي نذكر قضيّة جانبية:- وهي أنه لو أنَّ شخصاً صلّى في الصحن الشريف مثلاً وتخيل أنَّ إمام الجماعة زيد فقال ( أصلّي خلف زيد ) وبعد أن أنهى الصلاة تبيّن أنه ليس زيداً وإنما هو عمروا مثلاً فهل الصلاة صحيحة أو باطلة ؟

والجواب:- مرةًّ نتكلّم من حيث الصلاة ، ومرّة نتكلّم من حيث الجماعة ، فاذا كان الكلام من حيث الصلاة فالصلاة تكون - ومن الواضح أنه تبيّن أنَّ هذا الامام ليس عادلاً وإلا فلا مشكلة إلا اللهم أنه هذا المكلف نذر أن يصلّي خلف هذا العادل الذي هو زيد - ، فالمقصود هو أنَّ كلامنا فيما إذا فرض أنه ليس بعادلٍ ، فهنا هل تكون الصلاة صحيحة أو فاسدة ؟

والجواب:- إنَّ الصلاة صحيحة لقاعدة لا تعاد ، فإنه لا تتعاد الصلاة إلا من خمسة ، فإذا كان الخلل من غير الخمسة فلا مشكلة فيها ، فلو صلّى خلف إمامٍ فتبيّن أنها امرأة فالصلاة بعد ذلك تكون صحيحة ولا مشكلة فيها ، نعم لو قال إني لم أقرأ فنقول له إنَّ القراءة ليست من الخمسة التي تعاد من أجلها الصلاة.

وهذه قاعدة مهمة ينبغي الالتفات اليها ، وهذا بابٌ تنفتح منه أبواب متعدّدة ، هذا بالنسبة إلى أصل الصلاة.

وأما بالنسبة إلى الجماعة فهل هي صحيحة أو لا ؟

وأين تظهر الثمرة في كون الصلاة صحيحة أو لا ؟ إنها تظهر في أنه إذا كانت الجماعة صحيحة فالمأموم يمكنه أن يعتمد في شكّه على الامام ، والامام يمكنه أن يعتمد في شكّه على المأموم ، أما إذا كانت غير صحيحة فهذا الكلام لا يأتي ، وهكذا إذا قام المأموم قبل الامام من الركوع وأزاد بعد ذلك بأن ركع ثانياً حتى يلتحق بالإمام فسوف تصير هنا زيادة في الركوع وهذا مغتفرٌ في الجماعة وليس مغتفراً في غيرها.

فالمقصود أننا هنا نعم نفصّل بين ما اذا كان عادلاً فتكون الصلاة صحيحة ويجوز له الرجوع إلى الامام ، وأما إذا لم يكن عادلاً فسوف لا تنعقد الجماعة فهذه الزيادة سوف تكون مبطلة ، فإذن لنميّز بين نفس الصلاة وبين الجماعة ، فنفس الصلاة صحيحة لقاعدة لا تعاد إذ لم يلزم اختلال إلا من ناحية القراءة وهو لا يضرّ لأنه ليس من أحد الخمسة ، أما من حيث الجماعة وآثارها فحينئذٍ نعم ، فإذا لم يكن عادلاً فآثار الجماعة حينئذٍ لا تكون مترتّبة.

وبهذا ننهي كلامنا مع المحّقق الكركي وغيره ونرجع إلى صلب الموضوع.

قلنا استدلّ على الفساد بوجوه ، الوجه الأوّل والثاني للمحقق كركي ، وعلّقنا عليهما ، وأيضاً علقنا على ما نقله عن الذكرى ، والآن نرجع إلى صلب الموضوع وهو الوجوه التي استدل بها على الفساد ، وقد استدل على الفساد أيضا بوجهين آخرين نسبا إلى الأردبيلي ، بيد أنه في مجمع الفائدة والبرهان[1] في هذه المسألة لا يوجد لهما عينٌ ولا أثر ، فهو هنا ذكر مسألة الغشّ وتعرّض إلى أن البيع صحيح أمّا هذان الوجهان فلم يذكرهما ، والوجهان هما:-

الوجه الأوّل[2] :- وهو أنَّ الغش منهي عنه ، وحيث إنَّ الغش المنهي عنه ينطبق على البيع فيلزم أن يكون البيع منهياً عنه ومن ثم يكون باطلاً.

إذن قلنا إنَّ النهي أوّلاً منصبٌّ على الغش ، ثم قلنا إنَّ الغش حيث ينطبق على البيع فالبيع حينئذٍ سوف يكون منهياً عنه لأنه مصداقٌ للغش ، وإذا كان منهياً عنه فيقع فاسداً .

وجوابه واضح:- وهو ما أشرنا إليه ، من أنَّ النهي التكليفي لا يقتضي الفساد.

الوجه الثاني[3] أن يقال:- إنّ نفس البيع المشتمل على الغش منهي عنه لا أنَّ الغشّ منهيٌّ عنه ثم ثانياً وبالعرض يصير البيع منهيّاً عنه ، كلا وإنما ابتداءً النهي متوجّه إلى البيع بسبب كونه غشّاً ، فلأجل اشتماله على الغش يكون البيع منهياً عنه على ما يستفاد من رواية موسى بن بكر المتقدّمة والتي تذكر أنَّ الامام عليه السلام ألقى الدينار في البالوعة ، ونصّها:- ( الكليني عن محمد بن يحيى عن بعض صحابنا عن سجادة عن موسى بن بكر قال:- كنّا عند أبي الحسن عليه السلام وإذا دنانير مصبوبة بين يديه فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثم قطعة بنصفين ، ثم قال لي:- ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش )[4] .

والخلاصة:- إن الرواية نهت عن بيع الدينار لأجل الغش ، فالغش سوف يصير علّة للنهي عن البيع ، ولابد وأن نضمّ ضميمة وهي أن نقول:- إنَّ هذا النهي ليس تكليفياً بل هو نهي وضعي ، لأنه إذا كان نهياً تكليفياً عاد نفس الوجه السابق ، وإنما نقول هو ارشاد إلى عدم الصلاحية والفساد لأنه باطل ، هكذا يدّعى هذه الدعوى.

ويردّه:- إنَّ الرواية لا تشتمل على نهي عن البيع ، أو بتعبير آخر نقول:- إنَّ النهي هو عن نفس هذا المغشوش - أي الدينار المغشوش - لأنه آلة فساد ، فنفس وجوده والتعامل به يكون مبغوضاً ، فهو آلة فسادٍ ولذلك ألقاه الامام عليه السلام في البالوعة بعد أن قطعه نصفين.

ولا يرد حينئذٍ إشكال التبذير من باب أنَّ هذا من آلة الفساد فعلى هذا الأساس مادام هو آلة فساد فحينئذٍ يكون النهي من باب النهي عن آلة الفساد وليس من باب أنَّ بيع المغشوش هو بنفسه محرّم وباطل ، كلا بل النهي هو عن آلة الفساد وليس النهي عن بيعه ، فسواء بعته أو لم تبعه فإنَّ هذا ليس بمهم وإنما المهم هو أنه آلة فساد . فإذن المنظور هو من هذه الناحية.

إن قلت:- إنَّ الامام عليه السلام نهى عنه لأنه بعد ذلك قال:- ( حتى لا يباع شيءٌ فيه غش ).

قلت:- صحيح أنَّ الامام عليه السلام قال هكذا لكن هذا التعبير لا يستفاد منه النهي ، بل هو يلتئم مع الحزازة الملتئمة مع الكراهة ، فهذا بيعه فيه حزازة أما أنه حرام ولا يجوز تكليفاً أو وضعاً فليس فيه دلالة . إذن هذا التعبير حياديٌّ من هذه الناحية فإنَّ الامام عليه السلام لم يقل يحرم أو لا يجوز وإنما قال لكي لا يتحقّق بيع فيه غش وهذا لعلّه من باب الحزازة والكراهة.

فإذن لا يمكن أن نستفيد من الرواية حتى من خلال ذيلها النهي . إذن إذا أريد استفادة النهي من صدرها فصدرها لا يدل على البيع وإنما يلتئم مع كونه وسيلة فساد لابدّ من إتلافه أما البيع فمسكوتٌ عنه ، وإذا نظرنا إلى ذيلها فهو وإن كان فيه دلالة على الحزازة لكن أقصى ما يثبت هو الحزازة أما النهي التحريمي على التكليفي أو على الارشادي فلا يستفاد منها.

إذن هذه الرواية لا يمكن التمسّك بها للنهي عن نفس البيع . هذا مضافاً إلى أنه يرد عليها ما يرد على رواية المفضّل بن عمر الجعفي الآتية.


[1] مجمع الفائدة والبرهان، الأردبيلي، ج8، ص83.
[2] أي الوجه الثالث عند إضافته إلى الوجهين السابقين.
[3] وهو الوجه الرابع عند إضافته إلى الوجهين السابقين.