38/04/02


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/04/02

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: دائرة حجية خبر الواحد، جابرية عمل المشهور لضعف الخبر.

الجهة الثانية: فهي أن موضوع الحجية هل هو خبر الثقة بما هو خبر الثقة سواء أفاد الوثوق بالواقع أم لم يفد وسواء أفاد الظن بالواقع أم لم يفد بل كان الظن على خلافه فإنه حجة في جميع هذه الحالات لأن حجيته من باب الوثوق النوعي لا من باب الوثوق الشخصي، فهل موضوع الحجية هو خبر الثقة كما هو مقتضى سيرة العقلاء او أن موضوعها الخبر المفيد للوثوق بالواقع فعلا فكل خبر يكون مفيدا للوثوق بالواقع فعلا فهو حجة وإن لم يكن من ثقة واما الخبر الذي لا يفيد الوثوق بالواقع فعلا فلا يكون حجة وإن كان من ثقة.

فإذاً النسبة بين ما هو حجة وبين خبر الثقة عموم من وجه فإن الجامع هو خبر الثقة المفيد للوثوق بالواقع فعلا.

ولكن لا يمكن أن يكون الموضوع للحجية هو الخبر المفيد للوثوق بالواقع فعلا؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأول: أن مفاد أدلة الحجية من الآيات والروايات والاجماع والسيرة العقلائية والمتشرعية جميعا هو حجية خبر الثقة بما هو خبر ثقة وإن لم يفد الوثوق بالواقع فعلا وحجيته من باب الوثوق النوعي لا من باب الوثوق الشخصي.

الأمر الثاني: لا يمكن أن يكون الخبر المفيد للوثوق بالواقع فعلا هو الموضوع للحجية؛ إذ على ذلك لا موضوع لخبر الواحد لأن الحجة إنما هي الوثوق بالواقع ولو كان ناشئا من خبر الفاسق او من الاجماعات المنقولة او من الشهرات الفتوائية، وحاله في ذلك حال القطع فإنه حجة مهما كان منشأه، ومقامنا من هذا القبيل إذا قلنا إن موضوع الحجية هو الوثوق والاطمئنان لأن المدار حينئذ يكون على الوثوق والاطمئنان فعلا. وهو كما ترى خروج عن محل الكلام إذ محل الكلام في حجية خبر الواحد، واما الوثوق والاطمئنان الفعلي فلا شبهة في أنه حجة عقلائية وهو ممضى شرعا وحجيته لا تحتاج إلى دليل إذ ان حجيته ثابتة لدى العقلاء والشارع قد أمضى ذلك.

فإذاً لا إشكال في حجية الوثوق والاطمئنان الفعلي وإنما الكلام في حجية خبر الواحد فهل موضوع الحجية هو خبر الثقة او مطلق الخبر؟ هذا هو محل الكلام.

فالنتيجة ان القول بأن موضوع الحجية هو الخبر المفيد للوثوق بالواقع والاطمئنان به فعلا لا يمكن المساعدة عليه.

وعليه يكون الصحيح ان موضوع الحجية هو خبر الثقة بما هو خبر ثقة.

هذا كله في الجهة الثانية.

واما الجهة الثالثة: فيقع الكلام في ان عمل المشهور بخبر ضعيف هل يكون جابرا لضعفه وموجبا لدخوله في أدلة الحجية اولا يكون كذلك؟

فيه قولان:

القول الأول: وهو ان عمل المشهور بخبر ضعيف جابر لضعفه وموجبا لدخوله في أدلة الحجية، وهذا القول هو المعروف والمشهور بين الأصوليين.

القول الثاني: وذهب جماعة من المحققين إلى أن عمل المشهور بالخبر الضعيف ليس جابرا وان وجوده كالعدم فلا يجعل الخبر الضعيف حجة ولا يوجب دخوله في أدلة الحجية.

وما استدل به للقول الأول وجهان:

الوجه الأول: ما ذكره المحقق النائيني[1] (قده) من أن عمل المشهور بخبر ضعيف يوجب صحة هذا الخبر ودخوله في أدلة الحجية لأن هذا يصيره داخلا في منطوق آية النبأ: ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وهي دالة على حجية الخبر مع التبين ولو كان من الفاسق. ومن الواضح ان عمل المشهور تبيّن ومعه فلا محالة يدخل في إطلاق المنطوق للآية المباركة.

وعلى هذا فالآية تدل بإطلاق منطوقها على حجية الخبر الضعيف مع التبين الصادق على عمل المشهور، ومن هنا يكون عمل المشهور جابرا لضعف السند وموجبا لدخول هذه الرواية في منطوق آية النبأ.

والجواب عن ذلك واضح: إذ ان الآية المباركة تدل على عدم حجية خبر الفاسق والأمر بالتبين إنما هو أمر بتحصيل الحجة على النبأ لأن خبر الفاسق ليس بحجة، والمراد من الحجة في المقام هو تحصيل العلم الوجداني لأن التبيّن ظاهر في العلم الوجداني ولا أقل من ظهوره في العلم العرفي وهو الاطمئنان.

وعلى هذا فالآية بمنطوقها ظاهرة في أن خبر الفاسق ليس بحجة في المسألة بل يجب على المكلف تحصيل العلم الوجداني او لا أقل من العلم العرفي. وحينئذ يكون العمل بالعلم او بالاطمئنان لا بحجية خبر الفاسق، ومن هنا تكون الآية أجنبية عما ذكره المحقق النائيني حيث أن المتفاهم العرفي من الآية ليس هو ان خبر الفاسق حجة مع التبين، بل هو عدم الاعتناء بخبر الفاسق والواجب على المكلف تحصيل العلم بالواقع.

وبكلمة ان الأمر بالتبين أمر إرشادي وليس أمرا تكليفيا مولويا ضرورة أن التبيّن ليس من أحد الواجبات في الشريعة المقدسة كسائر الواجبات الأخرى بل هو إرشاد إلى عدم حجية خبر الفاسق ولا بدية تحصيل حجة اخرى في المسألة وهي العلم الوجداني او الاطمئنان.

وعمل المشهور في نفسه لا يكون حجة كما تقدم بحثه موسعا ومن الواضح أن ضم اللا حجة إلى اللا حجة لا أثر له فخبر الفاسق في نفسه لا يكون حجة وعمل المشهور أيضا لا يكون حجة وضم احدهما إلى الآخر لا يترتب عليه أي أثر فلا يوجب انقلاب ما ليس بحجة حجة بل هو امر مستحيل في الأحكام الشرعية التي هي أمور اعتبارية؛ لأنها فعل اختياري ومباشر للمولى فجعلها نفيا وإثباتا بيد المولى ولا يمكن ثبوت الحكم قهرا أو ثبوته معلولا لعلة.

وعليه فضم الشهرة إلى خبر الفاسق لا يمكن ان يصيّر خبر الفاسق حجة قهرا.

وعلى هذا فلا أثر لضم الشهرة إلى خبر الفاسق. نعم قد يحصل الاطمئنان والوثوق من الشهرة ولكنه لا يعدو ان يكون وثوقا شخصيا يحصل لبعض الفقهاء دون البعض الآخر وقد يحصل في مسألة ولا يحصل في مسألة أخرى، وهو كما ترى ليس ضابطا كليا، وقد علم مما تقدم ان المسألة الأصولية لا بد ان تكون ضابطا كليا ولا تختلف باختلاف الفقهاء والمجتهدين.

الوجه الثاني: ــ من وجوه جابرية عمل المشهور للخبر الضعيف ــ أن عمل المشهور بخبر يكشف عن صدوره عن المعصومين(ع) وبذلك يدخل الخبر الضعيف في أدلة الحجية وشمولها له.

والجواب عن ذلك: انه إن أريد بكاشفيته الكاشفية النوعية فيرد عليه:

أولاً: أن عمل المشهور لا يصلح لأن يكون كاشفا نوعيا عن صدور الخبر الضعيف عن المعصومين(ع) بل لا يكون كاشفا ظنيا نوعا فضلا عن كونه كاشفا وثوقيا نوعا.

وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم انه كاشف نوعا عن صدور الخبر عن المعصومين(ع) إلا أنه لا دليل على حجية هذا الكشف؛ لأن الدليل على حجية الكشف النوعي إنما هو في خصوص الكشف النوعي المستفاد من خبر الثقة او من ظواهر الالفاظ لأنها حجة بالسيرة القطعية من العقلاء بملاك كشفها نوعا عن الواقع. واما في غير هذين الموردين فلا دليل على حجية الكشف النوعي؛ لأن حجية شيء بحاجة إلى دليل، والكشف النوعي ليس حجة ذاتية فلا يمكن الحكم بحجيته مطلقا ما لم يقم الدليل على ذلك وقد قلنا إن الدليل القائم على حجيته مختص بخبر الثقة وظواهر الالفاظ، ولا يمكن التعدي عن موردهما إلى سائر موارد الكشف النوعي؛ إذ التعدي على خلاف القاعدة وبحاجة إلى دليل وقرينة، ولا توجد هكذا قرينة على التعدي لا من نفس السيرة ولا من الخارج كما أنه لا دليل على حجية الكشف النوعي مطلقا.

وإن أريد بكاشفيته الكاشفية الظنية فلا دليل على حجية هذه الكاشفية لأن الأصل الأولي قائم على حرمة العمل بالظن وعدم حجيته وحجية كاشفيته بحاجة إلى دليل ولا دليل على ذلك.

وإن أريد بكاشفيته الكاشفية القطعية فهي بحاجة إلى تمامية مقدمتين فإن تمت هاتان المقدمتان كان عمل المشهور كاشفا قطعا عن صدور الخبر عن المعصوم(ع) وإن لم تتم هاتان المقدمتان فلا يمكن أن يكون عمل المشهور كاشفا.


[1] أجود التقريرات، تقرير بحث المحقق النائيني للسيد الخوئي، ج2، ص159.